بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 433

الغموض الذي يكتنف المذهب .. فلا بدّ من الفحص عن طريقة أخرى لاستخدامها في اكتشاف المذهب ، أو النواحي المظلمة منه .

وهذه الطريقة يمكننا تحديدها في ضوء علاقة التبعية التي شرحناها سابقاً بين المذهب والقانون ، فما دام القانون المدني طابقاً فوقياً بالنسبة إلى المذهب ، يرتكز عليه ويستمدّ منه اتّجاهاته ، فمن الممكن اكتشاف المذهب عن طريق القانون ، إذا كنّا على علمٍ بالقانون الذي يرتكز على ذلك المذهب المجهول . وهكذا يصبح من الواجب على عملية الاكتشاف أن تفتّش عن إشعاعات المذهب في المجال الخارجي ، أي : عن أبنيته العُلْوية وآثاره التي ينعكس ضمنها في مختلف الحقول ، لتصل عن طريق هذه الإشعاعات والآثار إلى تقدير محدّد لنوعية الأفكار والنظريات في المذهب الاقتصادي ، الذي يختفي وراء تلك المظاهر .

وبهذا يتعيّن على عملية الاكتشاف أن تسلك طريقاً معاكساً للطريق الذي سلكته عملية التكوين ، فتبدأ من البناء العُلْوي إلى القاعدة ، وتنطلق من جمع الآثار وتنسيقها إلى الظفر بصورة محددة للمذهب، بدلاً عن الانطلاق من وضع المذهب إلى تفريع الآثار.

وهذا تماماً هو موقفنا في عملية الاكتشاف التي نمارسها من الاقتصاد الإسلامي أو من جزءٍ كبيرٍ منه بتعبيرٍ أصح ؛ لأنّ بعض جوانب المذهب الاقتصادي في الإسلام وإن كان بالإمكان استنباطها مباشرة من النصوص ، ولكن هناك من النظريّات والأفكار الأساسية التي يتكوّن منها المذهب الاقتصادي ليس من الميسور الحصول عليها في النصوص مباشرة ، وإنّما يتعيّن الحصول عليها بطريق غير مباشر ، أي على أساس اللبنات الفوقية في الصرح الإسلامي ، وعلى هدى الأحكام التي نظم بها الإسلام العقود والحقوق . فنحن ننطلق من الطابق العُلْوي وندرج منه إلى الطابق المتقدّم ؛ لأنّنا نمارس


صفحه 434

عملية اكتشاف . وأمّا أولئك الذين يمارسون عملية التكوين ويحاولون تشييد البناء لا اكتشافه ، فهم يصعدون من الطابق الأوّل إلى الثاني ؛ لأنّهم يمارسون عملية بناء وتكوين ، والطابق الثاني لا يكون في عملية البناء إلاّ أخيراً .

هكذا نختلف في موقفنا منذ البدء عن موقف الروّاد المذهبيين من الرأسماليين والاشتراكيين ، بل نختلف أيضاً حتى عن أولئك الذين يدرسون المذاهب الرأسمالية والاشتراكية دراسة اكتشاف وتحديد ؛ لأنّ هؤلاء بإمكانهم دراسة هذه المذاهب عن طريق الاتصال بها مباشرة وفقاً لصيغها العامة التي بشّر بها روّاد تلك المذاهب ، فليس التعرّف على المذهب الاقتصادي لـ ( آدم سميث ) مثلاً متوقّفاً على أن ندرس أفكاره القانونية في المجال المدني ، والطريقة التي يفضّلها في تنظيم الالتزامات والحقوق ، بل يمكننا الاندماج ابتداءً مع فكره المذهبي في المجال الاقتصادي .

وعلى العكس من ذلك حين نريد أن نتعرّف على كثيرٍ من محتوى المذهب الاقتصادي الذي يؤمن به الإسلام ، فإنّنا ما دمنا لا نستطيع أن نجد الصيغة المحدّدة لذلك في مصادر الإسلام ، كما نجدها عند ( آدم سميث ) فسوف نضطر بطبيعة الحال إلى تتبع الآثار واكتشاف المذهب بصورة غير مباشرة، عن طريق معالمه المنعكسة في لبنات فوقية من الصرح الإسلامي .

وهذا هو الذي يجعل عملية الاكتشاف التي يمارسها المفكر الإسلامي تظهر أحياناً بشكل مقلوب ، بل قد يبدو أنّها لا تميّز بين المذهب والقانون المدني حين تستعرض أحكاماً إسلامية في مستوى القانون المدني ، وهي تريد أن تدرس المذهب الاقتصادي في الإسلام ، ولكنّها في الواقع على حّق ما دامت تستعرض تلك الأحكام بوصفها بناءً عُلْوياً للمذهب قادراً على الكشف عنه ، لا باعتبار أنّها هي المذهب الاقتصادي والنظريّات الاقتصادية نفسها .


صفحه 435

النظام المالي كالقانون المدني :

ومن الضروري بهذا الصدد أن نضيف إلى القانون المدني النظام المالي أيضاً ؛ بوصفه أحد الأبنية العُلْوية للمذهب الاقتصادي ، التي تعكس ملامحه وتتكيف بمقتضياته . فكما يمكن الاستفادة في عملية الاكتشاف من إشعاعات المذهب المنعكسة على القانون المدني ، كذلك يمكن الاستفادة من إشعاعات مذهبية مماثلة في النظام المالي .

وإذا أردنا أن نضرب مثلاً لهذا التأثير من المذهب الاقتصادي على التنظيم المالي بوصفه بناءً عُلْوياً للمذهب ، فيمكننا أن نجد هذا المثال في صلة المذهب الرأسمالي بالمالية العامة ، كما استعنّا سابقاً بتحديد صلته بالقانون المدني على فهم العلاقة بين المذهب والقانون ، فإنّ من مظاهر الصلة بين الرأسمالي والمالية العامة : تأثّر فكرة ( الدومين )[1]بالناحية المذهبية . والدومين يعتبر في المالية أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الدولة ، فقد تضاءلت فكرة الدومين وانكمش نطاق المشروعات التي تملكها الدولة وكادت أن تختفي من التنظيم المالي ؛ تحت تأثير مبدأ الحرّية الاقتصادية حينما طغى المذهب الرأسمالي وساد التفكير المذهبي للرأسمالية ، الذي كان من مقتضاه عدم تدخّل الدولة في النشاط الإنتاجي ؛ حفاظاً على الحرّية الاقتصادية للأفراد ، إلاّ في الحدود الضئيلة التي يعجز النشاط الفردي

[1]يراد بالدومين : تلك الأموال التي تكون مملوكة للدولة كالأراضي والغابات والمصانع التي تملكها الدولة وتدرّ عليها إيراداً ، كما تدرّ الأرضي والغايات والمصانع التي يملكها الأفراد ملكيّة خاصة أرباحاً مختلفة على مالكيها . ( المؤلّف(قدّس سرّه)) . راجع دراسات في المالية العامّة : 82 و 86 و 89 . ودائرة معارف القرن العشرين 4 : 94 .


صفحه 436

عن القيام بها . وكان من الطبيعي لأجل ذلك أن تعتمد الدولة الرأسمالية في ماليتها العامة على الضريبة ونحوها من مصادر الإيرادات الأخرى . ثمّ استأنف الدومين وجوده بوصفه مصدراً مهمّاً واتسع نطاقه بعد ظهور الاتجاهات الاشتراكية نحو التأميم ، وتزلزل مبدأ الحرّية الاقتصادية في التفكير الاقتصادي العام .

ومن مظاهر الصلة بين المذهب والمالية العامة : أنّ إيرادات الدولة اختلفت وظيفتها تبعاً لنوع الأفكار الاقتصادية المذهبية التي تأثّرت بها ، ففي الفترة التي ساد فيها المذهب الرأسمالي بأفكاره عن الحرّية ، كانت الوظيفة الأساسية للإيرادات هي تغطية نفقات الدولة ، بوصفها جهازاً لحماية الأمن في البلاد والدفاع عنها ، وعندما بدأت الأفكار الاشتراكية تغزو الصعيد المذهبي أصبح للإيرادات مهمّة أخرى أضخم ، وهي علاج سوء التوزيع والتقريب بين الطبقات وإقامة العدالة الاجتماعية وفقاً للأفكار المذهبية الجديدة . ولم تعد الدولة تكتفي من الإيرادات أو الضرائب بالقدر الذي يغطّي نفقاتها كجهاز ، بل توسّعت في ذلك بقدر ما تفرضه المهمّة الجديدة .

فهذه المظاهر تبرهن على تكييف المالية العامة للمجتمع تبعاً لقاعدته المذهبية كما يتكيّف القانون المدني ، الأمر الذي يجعل منها رصيداً لعملية الاكتشاف ، بوصفها طابقاً عُلْوياً يشرف المكتشف منه على الطابق المتقدّم ، أي على المذهب الاقتصادي .

تلخيص واستنتاج :

على أساس ما تقدّم يصبح من الضروري أن ندرج عدداً من أحكام الإسلام وتشريعاته التي تعتبر بناءً فوقياً للمذهب في نطاق عملية اكتشاف المذهب ، وإن لم تكن داخلة كلها في صميم المذهب ذاته .


صفحه 437

ولأجل هذا سوف يتّسع البحث في هذا الكتاب لكثير من أحكام الإسلام في المعاملات والحقوق التي تنظّم العلاقات المالية بين الأفراد ، كما يتّسع لبعض أحكام الشريعة في تنظيم العلاقات المالية بين الدولة والأمة ، وتحديد موارد الدولة وسياستها العامة في إنفاق تلك الإيرادات ؛ لأنّ هذا الكتاب ليس كتاب عرض للمذهب الاقتصادي فحسب ، وإنّما هو كتاب يحاول أن يمارس عملية اكتشاف لهذا المذهب ، ويحدّد لهذه العملية أسلوبها وسيرها ومضمونها ونتائجها .

ولهذا أيضاً سوف نقتطف وننسّق من أحكام الإسلام في المعاملات والحقوق والضرائب ما يُعد بناءً عُلْوياً للمذهب ، ويلقي ضوء عليه في عملية الاكتشاف ، وأمّا الأحكام التي لا تساهم في هذا الضوء فهي خارجة عن مجال البحث .

فعلى سبيل المثال نذكر الرِّبا ، والغش ، وضريبة التوازن ، وضريبة الجهاد . فإنّ الإسلام قد حرّم الرِّبا في المعاملة كما حرّم الغشّ أيضاً ، غير أنّ تحريم الرِّبا والمنع عن القرض بفائدة يساهم في عملية الاكتشاف ؛ لأنّه جزء من بناء عُلْوي لنظرية توزيع الثروة المنتجة ، فهو يكشف عن القاعدة العامة للتوزيع في الإسلام كما سيأتي في بحث توزيع ما بعد الإنتاج . وأمّا حرمة الغشّ فليس لها إطار مذهبي ، ولذلك قد تتّفق عليها قوانين جميع البلاد المختلفة في مذاهبها الاقتصادية .

وكذلك الأمر في ضريبتي التوازن والجهاد ، فإنّ الضريبة التي يشرّعها الإسلام لحماية التوازن ـ كالزكاة مثلاً ـ تدخل في عملية الاكتشاف دون ضريبة الجهاد التي يأمر بها الإسلام لتمويل جيش المجاهدين ، فإنّها تتّصل بدور الدعوة في الدولة الإسلامية ، لا بالمذهب الاقتصادي في الإسلام .


صفحه 438

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 439

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 440

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة