مذهب إيجابيّ له أفكاره ومفاهيمه ونظريّاته . وليس من الحتم أن تكون هذه الأفكار والمفاهيم والنظريّات صواباً إذا كانت الرأسمالية على خطأ . ولا أن يكون الإسلام اشتراكياً إذا لم يكن رأسمالياً . فليس من الأصالة والاستقلال والموضوعية في البحث ، ونحن نمارس عملية اكتشاف للاقتصاد الإسلامي ، أن نحصر هذه العملية ضمن نطاق التناقض الخاص بين الرأسمالية والاشتراكية ، ويندمج الاقتصاد الإسلامي بأحد القطبين المتناقضين ، فنسرع إلى وصفه بالاشتراكية إذا لم يكن رأسمالياً ، أو بالرأسمالية إذا لم يكن اشتراكياً .
وسوف تتجلّى خلال البحوث المقبلة أصالة الاقتصاد الإسلامي ، ومناقضته للاشتراكية في موقفه من الملكيّة الخاصة واحترامه لها ، واعترافه ـ في حدود مستمدّة من نظرّيته العامة ـ بمشروعية الكسب الناتج عن ملكيّة مصدر من مصادر الإنتاج غير العمل . بينما لا تعترف الاشتراكية بمشروعية الكسب الناتج عن ملكية أيّ مصدر من مصادر الإنتاج ، إلاّ العمل المباشر . وهذا في الحقيقة هو التناقض بين النظرية الإسلامية والنظرية الاشتراكية في الاقتصاد . وكلّ مظاهر التناقض بينهما إنّما تنبع من هذا المنطلق الذي سيتّضـح أكثر فأكثر حين نباشـر التفصيـلات ، ونضـع النقاط علـى الحـروف .
نظرية توزيع ما قبل الإنتاج
1 ـ الأحكام .
2 ـ النظرية .
3 ـ الملاحظات .
نظرية توزيع ما قبل الإنتاج
____________
1
الأحكام
·
توزيع الثروة على مستَوَيين .
·
مصادر الطبيعة للإنتاج .
توزيع الثروة على مستويين[1]
توزيع الثروة يتمّ على مستويين :
[1]تتردّد في هذا الفصل عدّة مصطلحات ، يجب تحديد معناها منذ البدء :
أ ـ ( مبدأ الملكية المزدوجة ) وهو المبدأ الإسلامي في الملكية ، الذي يؤمن بأشكال ثلاثة لها وهي : الملكية الخاصة ، وملكية الدولة ، والملكية العامة .
ب ـ ( مِلكية الدولة ) : وتعني تملّك المنصب الإلهي في الدولة الإسلامية ، الذي يمارسه النبيّ أو الإمام ، للمال على نحوٍ يخوّل لولي الأمر التصرّف في رقبة المال نفسه وفقاً لما هو مسئول عنه من المصالح ، كـ : تملّكه للمعادن مثلاً .
ج ـ ( الملكية العامة ) : وهي تملّك الأمّة أو الناس جميعاً لمال من الأموال .
وكذلك تشمل الملكية العامة الأموال التي تكون رقبتها مِلكاً للدولة ولكن لا يسمح لها بالتصرف في رقبة المال نفسه ؛ لورود حقّ عام للأمة أو الناس جميعاً على المال يفرض الانتفاع به مع الاحتفاظ برقبته ، فالمركّب من ملكية الدولة والحقّ العام للأمّة أو للناس جميعاً في الاحتفاظ برقبة المال نطلق عليه اسم : ( الملكية العامة ) أيضاً ، وبهذا يعرف أنّ ملكية الدولة والملكية العامة كمصطلحين لهذا الكتاب يناظران تقريباً مصطلحي الأموال الخاصة للدولة والأموال العامة للدولة في لغة القانون الحديث . =
....................................................
= د ـ ( ملكية الأمة ) : وهي نوع من الملكية العامة ، وتعني ملكية الأمة الإسلامية بمجموعها وامتدادها التأريخي لمال من الأموال ، كملكية الأمّة الإسلامية للأرض العامرة المفتوحة بالجهاد .
هـ ـ ( ملكية الناس ) : وهي أيضاً نوع من الملكية العامة ، ونطلق هذا الاسم على كلّ مالٍ لا يسمح لفردٍ أو جهةٍ خاصة بتملّكه ، ويسمح للجميع بالانتفاع به ، فما كان من هذا القبيل من الأموال نطلق عليه اسم : الملكية العامة للناس . فالملكية العامة للناس في مصطلح هذا الكتاب تعني : أمراً سلبياً ، وهو عدم السماح للفرد أو الجهة الخاصة بتملّك المال . وأمراً إيجابياً ، وهو : السماح للجميع بالانتفاع به ، وذلك كما في البحار والأنهار الطبيعية .
و ـ ( الملكية العامة ) أيضاً : وقد نطلق اسم الملكية العامة على ما يشمل الحقلين معاً ، حقل ملكية الدولة ، وحقل الملكية العامة المتقدّمين ؛ للتعبير بذلك عمّا يقابل الملكية الخاصة .
ز ـ ( الملكية الخاصة ) : ونعني بها حين نطلقها في هذا الكتاب ، اختصاص الفرد ـ أو أيّ جهة محدودة النطاق ـ بمال معيّن ، اختصاصاً يجعل له مبدئياً الحقّ في حرمان غيره من الانتفاع به ، بأيّ شكل من الأشكال ، ما لم توجد ضرورة وحالة استثنائية ، نظير ملكية الإنسان لِما يحتطبه من خشب الغابة أو يغترفه من ماء النهر .
ح ـ ( الحقّ الخاص ) : ونعني به حين نطلقه في هذا البحث : درجة من اختصاص الفرد بالمال تختلف عن الدرجة التي تعبّر عنها الملكية في مدلولها التحليل والتشريعي . فالملكية : اختصاص مباشر بالمال . والحق : اختصاص ناتج عن اختصاص آخر ، وتابع له في استمراره . ومن الناحية التشريعية تؤدّي الملكية إلى إعطاء المالك حقّ حرمان غيره من الاستفادة بملكه ، بينما لا يؤدّي الحق الخاص إلى هذه النتيجة ، بل يبقى للغير الاستفادة من المال بشكل تنظّمه الشريعة . =
أحدهما : توزيع المصادر المادّية للإنتاج .
والآخر : توزيع الثروة المنتَجة .
فمصادر الإنتاج هي : الأرض ، والمواد الأولية ، والأدوات اللازمة لإنتاج السلع المختلفة ؛ لأنّ هذه الأمور جميعاً تساهم في الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو فيهما معاً .
وأمّا الثروة المنتجة فهي : السلع التي تنجز خلال عمل بشري مع الطبيعة ، وتنتج عن عملية تركيب بين تلك المصادر المادّية للإنتاج.
فهناك إذن ثروة أوليّة وهي : مصادر الإنتاج ، وثروة ثانوية وهي : ما يظفر به الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر ، من متاع وسلع .
والحديث عن التوزيع يجب أن يستوعب كلتا الثروتين : الثروة الأمّ ، والثروة البنت ، مصادر الإنتاج ، والسلع المنتجة .
ومن الواضح أن توزيع المصادر الأساسية للإنتاج يسبق عملية الإنتاج نفسها ؛ لأنّ الأفراد إنّما يمارسون نشاطهم الإنتاجي وفقاً للطريقة التي يقسّم بها المجتمع مصادر الإنتاج ، فتوزيع مصادر الإنتاج قبل الإنتاج . وأمّا توزيع الثروة المنتَجة فهو مرتبط بعملية الإنتاج ، ومتوقّف عليها ؛ لأنّه يعالج النتائج التي يسفر عنها الإنتاج .
والاقتصاديون الرأسماليون ، حتى يدرسون في اقتصادهم السياسي قضايا التوزيع ضمن الإطار الرأسمالي لا ينظرون إلى الثروة الكلّية للمجتمع ، وما تضمّه
= ط ـ (الإباحة العامة ) : وهي حكم شرعي يُسمح بموجبه لأيّ فردٍ بالانتفاع بالمال وتملّكه ملكية خاصة . والمال الذي تثبت فيه هذه الإباحة يعتبر من المباحات العامة ، كالطير في الجو ، والسمك في البحر . (المؤلّف(قدّس سرّه))