نظرية توزيع ما قبل الإنتاج
____________
1
الأحكام
·
توزيع الثروة على مستَوَيين .
·
مصادر الطبيعة للإنتاج .
توزيع الثروة على مستويين[1]
توزيع الثروة يتمّ على مستويين :
[1]تتردّد في هذا الفصل عدّة مصطلحات ، يجب تحديد معناها منذ البدء :
أ ـ ( مبدأ الملكية المزدوجة ) وهو المبدأ الإسلامي في الملكية ، الذي يؤمن بأشكال ثلاثة لها وهي : الملكية الخاصة ، وملكية الدولة ، والملكية العامة .
ب ـ ( مِلكية الدولة ) : وتعني تملّك المنصب الإلهي في الدولة الإسلامية ، الذي يمارسه النبيّ أو الإمام ، للمال على نحوٍ يخوّل لولي الأمر التصرّف في رقبة المال نفسه وفقاً لما هو مسئول عنه من المصالح ، كـ : تملّكه للمعادن مثلاً .
ج ـ ( الملكية العامة ) : وهي تملّك الأمّة أو الناس جميعاً لمال من الأموال .
وكذلك تشمل الملكية العامة الأموال التي تكون رقبتها مِلكاً للدولة ولكن لا يسمح لها بالتصرف في رقبة المال نفسه ؛ لورود حقّ عام للأمة أو الناس جميعاً على المال يفرض الانتفاع به مع الاحتفاظ برقبته ، فالمركّب من ملكية الدولة والحقّ العام للأمّة أو للناس جميعاً في الاحتفاظ برقبة المال نطلق عليه اسم : ( الملكية العامة ) أيضاً ، وبهذا يعرف أنّ ملكية الدولة والملكية العامة كمصطلحين لهذا الكتاب يناظران تقريباً مصطلحي الأموال الخاصة للدولة والأموال العامة للدولة في لغة القانون الحديث . =
....................................................
= د ـ ( ملكية الأمة ) : وهي نوع من الملكية العامة ، وتعني ملكية الأمة الإسلامية بمجموعها وامتدادها التأريخي لمال من الأموال ، كملكية الأمّة الإسلامية للأرض العامرة المفتوحة بالجهاد .
هـ ـ ( ملكية الناس ) : وهي أيضاً نوع من الملكية العامة ، ونطلق هذا الاسم على كلّ مالٍ لا يسمح لفردٍ أو جهةٍ خاصة بتملّكه ، ويسمح للجميع بالانتفاع به ، فما كان من هذا القبيل من الأموال نطلق عليه اسم : الملكية العامة للناس . فالملكية العامة للناس في مصطلح هذا الكتاب تعني : أمراً سلبياً ، وهو عدم السماح للفرد أو الجهة الخاصة بتملّك المال . وأمراً إيجابياً ، وهو : السماح للجميع بالانتفاع به ، وذلك كما في البحار والأنهار الطبيعية .
و ـ ( الملكية العامة ) أيضاً : وقد نطلق اسم الملكية العامة على ما يشمل الحقلين معاً ، حقل ملكية الدولة ، وحقل الملكية العامة المتقدّمين ؛ للتعبير بذلك عمّا يقابل الملكية الخاصة .
ز ـ ( الملكية الخاصة ) : ونعني بها حين نطلقها في هذا الكتاب ، اختصاص الفرد ـ أو أيّ جهة محدودة النطاق ـ بمال معيّن ، اختصاصاً يجعل له مبدئياً الحقّ في حرمان غيره من الانتفاع به ، بأيّ شكل من الأشكال ، ما لم توجد ضرورة وحالة استثنائية ، نظير ملكية الإنسان لِما يحتطبه من خشب الغابة أو يغترفه من ماء النهر .
ح ـ ( الحقّ الخاص ) : ونعني به حين نطلقه في هذا البحث : درجة من اختصاص الفرد بالمال تختلف عن الدرجة التي تعبّر عنها الملكية في مدلولها التحليل والتشريعي . فالملكية : اختصاص مباشر بالمال . والحق : اختصاص ناتج عن اختصاص آخر ، وتابع له في استمراره . ومن الناحية التشريعية تؤدّي الملكية إلى إعطاء المالك حقّ حرمان غيره من الاستفادة بملكه ، بينما لا يؤدّي الحق الخاص إلى هذه النتيجة ، بل يبقى للغير الاستفادة من المال بشكل تنظّمه الشريعة . =
أحدهما : توزيع المصادر المادّية للإنتاج .
والآخر : توزيع الثروة المنتَجة .
فمصادر الإنتاج هي : الأرض ، والمواد الأولية ، والأدوات اللازمة لإنتاج السلع المختلفة ؛ لأنّ هذه الأمور جميعاً تساهم في الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو فيهما معاً .
وأمّا الثروة المنتجة فهي : السلع التي تنجز خلال عمل بشري مع الطبيعة ، وتنتج عن عملية تركيب بين تلك المصادر المادّية للإنتاج.
فهناك إذن ثروة أوليّة وهي : مصادر الإنتاج ، وثروة ثانوية وهي : ما يظفر به الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر ، من متاع وسلع .
والحديث عن التوزيع يجب أن يستوعب كلتا الثروتين : الثروة الأمّ ، والثروة البنت ، مصادر الإنتاج ، والسلع المنتجة .
ومن الواضح أن توزيع المصادر الأساسية للإنتاج يسبق عملية الإنتاج نفسها ؛ لأنّ الأفراد إنّما يمارسون نشاطهم الإنتاجي وفقاً للطريقة التي يقسّم بها المجتمع مصادر الإنتاج ، فتوزيع مصادر الإنتاج قبل الإنتاج . وأمّا توزيع الثروة المنتَجة فهو مرتبط بعملية الإنتاج ، ومتوقّف عليها ؛ لأنّه يعالج النتائج التي يسفر عنها الإنتاج .
والاقتصاديون الرأسماليون ، حتى يدرسون في اقتصادهم السياسي قضايا التوزيع ضمن الإطار الرأسمالي لا ينظرون إلى الثروة الكلّية للمجتمع ، وما تضمّه
= ط ـ (الإباحة العامة ) : وهي حكم شرعي يُسمح بموجبه لأيّ فردٍ بالانتفاع بالمال وتملّكه ملكية خاصة . والمال الذي تثبت فيه هذه الإباحة يعتبر من المباحات العامة ، كالطير في الجو ، والسمك في البحر . (المؤلّف(قدّس سرّه))
من مصادر إنتاج ، وإنما يدرسون توزيع الثروة المنتجة فحسب ، أيّ الدخل الأهلي لا مجموع الثروة الأهلية . ويقصدون بالدخل الأهلي : مجموع السلع والخدمات المنتجة ، أو بتعبير أصرح : القيمة النقدية لمجموع المنتوج في بحر سنة مثلاً ، فبحث التوزيع في الاقتصاد السياسي هو بحث توزيع هذه القيمة النقدية على العناصر التي ساهمت في الإنتاج ، فيحدّد لكلّ من رأس المال ، والأرض ، والمنظّم ، والعامل ، نصيبه على شكل فائدة وريع ، وربح وأجور .
ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن تسبق بحوث الإنتاج بحث التوزيع ؛ لأنّ التوزيع مادام يعني تقسيم القيمة النقدية للسلع المنتَجة على مصادر الإنتاج وعناصره ، فهو عملية تعقب الإنتاج ، إذ ما لم تنتج سلعة لا معنى لتوزيعها أو توزيع قيمتها. وعلى هذا الأساس نجد أنّ الاقتصاد السياسي يعتبر الإنتاج هو الموضوع الأوّل من مواضيع البحث ، فيدرس الإنتاج أوّلاً ، ثمّ يتناول قضايا التوزيع .
وأمّا الإسلام فهو يعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب وباستيعاب أشمل ؛ لأنّه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة ، ولا يتهرّب من الجانب الأعمق للتوزيع ، أي : توزيع مصادر الإنتاج ، كما صنعت الرأسمالية المذهبية ، إذ تركت مصادر الإنتاج يسيطر عليها الأقوى دائماً ، تحت شعار الحرية الاقتصادية ، التي تخدم الأقوى وتمهّد له السبيل إلى احتكار الطبيعة ومرافقها ، بل إنّ الإسلام تدخّل تدخّلاً إيجابياً في توزيع الطبيعة ، وما تضمنه من مصادر إنتاج ، وقسّمها إلى عدّة أقسام ، لكلّ قسم طابعه المميّز من الملكية الخاصة ، أو الملكية العامة ، وملكية الدولة ، أو الإباحة العامة .. ووضع لهذا التقسيم قواعده ، كما وضع إلى صف ذلك أيضاً القواعد التي يقوم على أساسها توزيع الثروة المنتَجة ، وصمم التفصيلات في نطاق تلك القواعد .
ولهذا السبب تصبح نقطة الانطلاق ، أو المرحلة الأولى في الاقتصاد
الإسلامي هي : التوزيع بدلاً من الإنتاج ، كما كان في الاقتصاد السياسي التقليدي ؛ لأنّ توزيع مصادر الإنتاج نفسها يسبق عملية الإنتاج ، وكل تنظيم يتّصل بنفس عملية الإنتاج أو السلع المنتجة يصبح في الدرجة الثانية .
وسوف نبدأ الآن بتحديد موقف الإسلام من توزيع المصادر الأساسية ، توزيع الطبيعة بما تضمّه من ثروات .
المصدر الأصيل للإنتاج :
وقبل أن نبدأ بالتفصيلات التي يتمّ توزيع المصادر الأساسية وفقاً لها ، يجب أن نحدّد هذه المصادر .
ففي الاقتصاد السياسي يذكر عادة أنّ مصادر الإنتاج هي :
1 ـ الطبيعة .
2 ـ رأس المال .
3 ـ العمل ، ويضمّ التنظيم الذي يمارسه المنظّم للمشروع .
غير أنّنا إذ نتحدّث عن توزيع المصادر في الإسلام وأشكال ملكيّتها .. لا بدّ لنا أن نستبعد من مجال البحث المصدرين الأخيرين ، وهما : رأس المال ، والعمل .
أمّا رأس المال فهو في الحقيقة ثروة منتجة ، وليس مصدراً أساسياً للإنتاج ، لأنّه يعبّر اقتصادياً عن كلّ ثروة تمّ إنجازها وتبلورت خلال عمل بشري لكي تساهم من جديد في إنتاج ثروة أخرى . فالآلة التي تنتج النسيج ليست ثروة طبيعية خالصة ، وإنّما هي مادّة طبيعية كيّفها العمل الإنساني خلال عملية إنتاج سابقة . ونحن إنّما نبحث الآن في التفصيلات التي تنظم توزيع ما قبل الإنتاج ، أي توزيع الثروة التي منحها الله لمجتمع قبل أن يمارس نشاطاً اقتصادياً وعملاً إنتاجياً فيها . ومادام رأس المال وليد إنتاج سابق ، فسوف يندرج توزيعه في بحث
توزيع الثروة المنتجة ، بما تضمّه من سلع استهلاكية وإنتاجية .
وأمّا العمل فهو العنصر المعنوي من مصادر الإنتاج ، وليس ثروة مادّية تدخل في نطاق الملكية الخاصة أو العامة .
وعلى هذا الأساس تكون الطبيعة وحدها من بين مصادر الإنتاج موضوع درسنا الآن ؛ لأنّها تمثّل العنصر المادّي السابق على الإنتاج .
اختلاف المواقف المذهبية من توزيع الطبيعة :
والإسلام في علاجه لتوزيع الطبيعة يختلف عن الرأسمالية والماركسية في العموميات وفي التفاصيل . فالرأسمالية تربط ملكية مصادر الإنتاج ، ومصير توزيعها ، بأفراد المجتمع أنفسهم ، وما يبذله كلّ واحد منهم من طاقات وقوى ـ داخل نطاق الحرية الاقتصادية الموفّرة للجميع ـ في سبيل الحصول على أكبر نصيب ممكن من تلك المصادر ، فتسمح لكلّ فردٍ بتملّك ما ساعده الحظّ وحالفه التوفيق على الظفر به ، من ثروات الطبيعة ومرافقها .
وأمّا الماركسية فهي ترى تبعاً لطريقتها العامة في تفسير التأريخ : أنّ ملكية مصادر الإنتاج تتّصل اتصالاً مباشراً بشكل الإنتاج السائد ، فكلّ شكل من أشكال الإنتاج هو الذي يقرّر ـ في مرحلته التأريخية ـ طريقة توزيع المصادر المادّية للإنتاج ، ونوع الأفراد الذين يجب أن يملكوها . ويظلّ هذا التوزيع قائماً حتى يدخل التأريخ في مرحلة أخرى ، ويتّخذ الإنتاج شكلاً جديداً ، فيضيق هذا الشكل الجديد ذرعاً بنظام التوزيع السابق ويتعثّر به في طريق نموّه وتطوّره ، حتى يتمزّق نظام التوزيع القديم بعد تناقض مريرٍ مع شكل الإنتاج الحديث ، وينشأ توزيع جديد لمصادر الإنتاج ، يحقّق لشكل الإنتاج الحديث الشروط