مصادر الطبيعة للإنتاج :
ويمكننا تقسيم المصادر الطبيعية للإنتاج في العالم الإسلامي إلى عدّة أقسام :
1 ـ الأرض : وهي أهمّ ثروات الطبيعة ، التي لا يكاد الإنسان يستطيع بدونها أن يمارس أيّ لون من ألوان الإنتاج .
2 ـ المواد الأولية التي تحويها الطبقة اليابسة من الأرض ، كالفحم والكبريت والبترول والذهب والحديد ، ومختلف أنواع المعادن .
3 ـ المياه الطبيعية التي تعتبر شرطاً من شروط الحياة المادّية للإنسان ، وتلعب دوراً خطيراً في الإنتاج الزراعي والمواصلات .
4 ـ بقية الثروات الطبيعية ، وهي محتويات البحار والأنهار من الثروات التي تستخرج بالغوص أو غيره، كاللآليء والمرجان ، والثروات الطبيعية التي تعيش على وجه الأرض من حيوان ونبات ، والثروات الطبيعية المنتشرة في الجو، كالطيور والأوكسجين ، والقوى الطبيعية المنبثّة في أرجاء الكون ، كقوة انحدار الشلالات من الماء التي يمكن تحويلها إلى تيّار كهربائي ، ينتقل بواسطة الأسلاك إلى أيّ نقطة ، وغير ذلك من ذخائر الطبيعة وثروتها .
[1] الأرض
طبّقت الشريعة على الأراضي التي تضمّها دار الإسلام الأشكال الثلاثة للملكية ، فحكمت على قسم منها بالملكية العامة ، وعلى قسم آخر بملكية الدولة ، وسمحت للملكية الخاصة بقسم ثالث .
وهي في تشريعاتها هذه تربط نوع ملكية الأرض بسبب دخولها في حوزة الإسلام ، والحالة التي كانت تسودها حين أصبحت أرضاً إسلامية . فملكية الأرض في العراق تختلف عن ملكية الأرض في إندونيسيا ؛ لأنّ العراق وإندونيسيا يختلفان في طريقة انضمامها إلى دار الإسلام ، كما أنّ العراق نفسه ـ مثلاً ـ تختلف بعض أراضيه عن بعض في نوع الملكية ، تبعاً للحالة التي كانت تسود هذه الأرض وتلك عندما دشّن العراق حياته الإسلامية .
أقسام الأراضي الإسلامية
ولكي ندخل في التفصيلات نقسّم الأرض الإسلامية إلى أقسام ، ونتحدّث عن كلّ قسم منها ونوع الملكية فيه :
1 ـ الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح
الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح هي : كلّ أرض دخلت دار الإسلام نتيجة للجهاد المسلّح في سبيل الدعوة ، كأراضي العراق ومصر وإيران وسورية
وأجزاء كثيرة من العالم الإسلامي .
وهذه الأراضي ليست جميعاً سواء في حالتها لحظة الفتح الإسلامي ، فقد كان فيها العامر الذي تجسّدت فيه جهود بشرية سابقة قد بذلت في سبيل استثمار الأرض للزراعة ، أو غيرها من المنافع البشرية . وكان فيها العامر طبيعياً ، دون تدخّل مباشر من الإنسان كالغابات الغنيّة بأشجارها التي استمدّت غناها من الطبيعة لا من إنسان يوم الفتح . كما كان فيها أيضاً الأرض المهملة ، التي لم يمتدّ إليها الأعمار البشري حتى عصر الفتح ، ولا الأعمار الطبيعي، ولذا تسمّى ميتة في العرف الفقهي ؛ لأنّها لا تنبض بالحياة ولا تزخر بأيّ نشاط .
فهذه أنواع ثلاثة للأرض مختلفة تبعاً لحالتها وقت دخولها في تأريخ الإسلام .
وقد حكم الإسلام على بعض هذه الأنواع بملكية العامة ، وعلى بعضها الآخر بملكية الدولة ، كما سنرى .
أ ـ الأرض العامرة بشرياً وقت الفتح :
إذا كانت الأرض عامرة بشرياً وقت اندماجها في تأريخ الإسلام ، وداخلة في حيازة الإنسان ونطاق استثماره فهي ملك عام للمسلمين جميعاً ، من وُجِد منهم ومن يُوجد ، أي : أنّ الأمة الإسلامية بامتدادها التأريخي هي التي تملك هذه الأرض ، دون أيّ امتياز لمسلمٍ على آخر في هذه الملكية العامة . ولا يسمح للفرد بتملّك رقبة الأرض ملكية خاصة .
وقد نقل المحقق النجفي في الجواهر ـ عن عدّة مصادر فقهية كالغنية[1]
[1]غنية النزوع : 204 ـ 205 .
والخلاف[1]والتذكرة[2]ـ : أنّ فقهاء الأمامية مجمعون على هذا الحكم ، ومتّفقون على تطبيق مبدأ الملكية العامة على الأرض المعمورة حال الفتح[3]. كما نقل الماوردي[4]عن الإمام مالك : القول بأنّ الأرض المفتوحة تكون وقفاً على المسلمين منذ فتحها ، بدون حاجة إلى إنشاء صيغة الوقف عليها من ولي الأمر ، ولا يجوز تقسيمها بين الغانمين . وهو تعبير آخر عن الملكية العامة للأمّة .
أدلّة الملكية العامة وظواهرها :
ونصوص الشريعة وتطبيقاتها واضحة في تقرير مبدأ الملكية العامة لهذا النوع من الأرض كما يظهر من الروايات التالية :
1 ـ في الحديث عن الحلبي قال : ( سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن السواد ما منزلته ؟ فقال : هو لجميع المسلمين ، لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ، ولمن لم يُخلق بعد . فقلنا : الشراء من الدهّاقين ؟ فقال : لا يصلح إلاّ أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين . فإذا شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها . قلنا : فإن أخذها منه ؟ قال : يرّد إليه رأس ماله وله ما أكل من غلّتها بما عمل )[5].
2 ـ وفي حديث عن أبي الربيع الشامي عن الإمام جعفر الصادق قال :
( لا تشتروا من أرض السواد شيئاً إلاّ من كانت له ذمّة ، فإنّما هو فيء للمسلمين )[6].
[1]الخلاف 5 : 534 ، المسألة 23 .
[2]تذكرة الفقهاء 9 : 183 .
[3]جواهر الكلام 21 : 157 .
[4]الأحكام السلطانية 2 : 137 .
[5]الاستبصار 3 : 109 ، الحديث الأوّل .
[6]المصدر المتقدّم : الحديث 2 . وفيه : ( لا تشتر )
وأرض السواد في العرف السائد يومذاك هي : الجزء العامر من أراضي العراق التي فتحها المسلمون في حرب جهادية . وإنّما أطلق المسلمون هذا الاسم على الأرض العراقية ؛ لأنّهم حين خرجوا من أرضهم القاحلة في جزيرة العرب يحملون الدعوة إلى العالم ، ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار في أراضي العراق ، فسمّوا خضرة العراق سواداً ؛ لأنّهم كانوا يجمعون بين الخضرة والسواد في الاسم[1].
3 ـ وفي خبر حمّاد : أنّ الإمام موسى بن جعفر قال : ( وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه ، إلاّ ما احتوى عليه العسكر ، والأرض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوتة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ ؛ النصف والثلث والثلثين على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرّهم )[2].
ويعني بذلك أنّ ولي الأمر يدع الأراضي المفتوحة عنوة إلى القادرين على استثمارها من أفراد المجتمع الإسلامي ، ويتقاضى منهم أجرة على الأرض ؛ لأنّها ملك مجموع الأمّة ، فحينما ينتفع الزارعون باستثمارها يجب عليهم تقديم ثمن انتفاعهم إلى الأمّة . وهذا الثمن أو الأجرة هو الذي أطلق عليه في الخبر اسم : الخراج .
4 ـ وجاء في الحديث : أنّ أبا بردة سأل الإمام جعفر عن شراء الأرض من أرض الخراج ، فقال : ( ومن يبيع ذلك وهي أرض المسلمين ؟! )[3].
[1]راجع لسان العرب 4 : 120 ، مادّة ( خضر ) .
[2]الروع من الكافي 5: 44 ـ 45 ، الحديث 4 .
[3]الاستبصار 3 : 109 ، الحديث 4 .
وأرض الخراج تعبير فقهيٌّ عن الأرض التي نتحدّث عنها ؛ لأنّ الأرض التي تفتح وهي عامرة يفرض عليها خراج ، كما مرّ في الخبر السابق ، وتسمّى لأجل ذلك : أرضاً خراجية .
5 ـ وفي رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)وهو يشرح أقسام الأرض وأحكامها : ( وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام ، يقبّله بالذي يرى )[1].
6 ـ وفي تأريخ الفتوح الإسلامية : أن الخلفية الثاني طولب بتقسيم الأرض المفتوحة بين المحاربين من الجيش الإسلامي على أساس مبدأ الملكية الخاصة ، فاستشار الصحابة ، فأشار عليه عليّ(عليه السلام)بعدم التقسيم[2]. وقال له معاذ بن جبل :
( إنّك إن قسّمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ، ثمّ يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد ، أو المرأة ، ثمّ يأتي من بعدهم قوم يسدّون من الإسلام مسدّاً وهم لا يجدون شيئاً ، فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم )[3].
فقضى عمر بتطبيق مبدأ الملكية العامة ، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص:
( أمّا بعد فقد بلغني كتابك أنّ الناس قد سألوا أن تقسّم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم ، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال ، فاقسمه بين من حضر من المسلمين ، واترك الأرضين والأنهار لعمّالها ؛ ليكون ذلك في أُعطيات المسلمين ؛ فإنا لو قسّمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء )[4].
[1]تهذيب الأحكام 4 : 119 ، باب الخراج وعمارة الأرضيين ، الحديث 2 ، وفيه : ( للإمام ) .
[2]تأريخ اليعقوبي 2 : 151 .
[3]فتوح البلدان 1 : 179 ، الحديث 408 .
[4]السير الكبير 3 : 1039 .
وقد ذهب جماعة في تفسير إجراءات الخلفية الثاني إلى القول : بأنّ السواد ملك لأهله ـ كما جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد[1]ـ لأنّه حين ردّه عليهم عمر صارت لهم رقاب الأرض ، وتعيّن حقّ المسلمين في الخراج ، فالملكية العامة تعلّقت بالخراج لا برقبة الأرض .
وقد قال بعض المفكّرين الإسلاميين المعاصرين ، ممّن أخذ بهذا التفسير : إنّ هذا تأميم للخراج وليس تأميماً للأرض .
ولكنّ الحقيقة : أنّ قيام إجراءات عمر على أساس الإيمان بمبدأ الملكية العامة ، وتطبيقه على رقبة الأرض ، كان واضحاً كلّ الوضوح ، ولم يكن ترك الأرض لأهلها اعترافاً منه بحقّهم في ملكيّتها الخاصة ، وإنّما دفعها إليهم مزارعة أو إجارة ، ليعملوا في أراضي المسلمين وينتفعوا بها ، نظير خراج يقدّمونه إليهم .
والدليل على ذلك ما جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد : من أنّ عتبة ابن فرقد اشترى أرضاً على شاطئ الفرات ، ليتّخذ فيها قضباً ، فذكر ذلك لعمر فقال : ممّن اشتريتها ؟ قال : من أربابها . فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال : هؤلاء أهلها ، فهل اشتريت منهم شيئاً ؟ قال : لا ، قال : فارددها على من اشتريتها منه ، وخذ مالك[2].
7 ـ وعن أبي عون الثقفي في كتاب الأموال، أنّه قال : أسلم دهقان على عهد علي(عليه السلام)، فقام الإمام عليه الصلاة والسلام وقال : ( أما أنت فلا جزية عليك ، وأما أرضك فلنا )[3].
[1]انظر : الأموال : 72 ، الحديث 146 .
[2]الأموال : 99 ، الحديث 196 .
[3]الأموال : 103 ، الحديث 206 .
8 ـ وفي البخاري عن عبد الله قال : ( أعطى النبي خيبراً ليهودٍ أن يعملوها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها )[1]. وهذا الحديث يشعّ بتطبيق رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمبدأ الملكية العامة على خيبر ، بوصفها مفتوحة في الجهاد ، بالرغم من وجود روايات معارضة[2]؛ لأنّ النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) لو كان قد قسّم الأرض بين المحاربين خاصة على أساس مبدأ الملكية الخاصة بدلاً عن تطبيق مبدأ الملكية العامة ، لَمَا دخل مع اليهود في عقد مزارعة بوصفه حاكماً ، فإنّ دخوله بهذا الوصف في العقد يشير إلى أنّ الأرض كان أمرها موكولاً إلى الدولة لا إلى الإفراد الغانمين أنفسهم .
وقد ذكر بعض المفكّرين الإسلاميين : أنّ حادثة معاملة خيبر هذه دليل قطعي على أنّ من حقّ الدولة أن تمتلك أموال الأفراد ، الأمر الذي يقرر جواز التأميم في الإسلام ؛ لأنّ القاعدة العامة في الفيء تقسيمه على المقاتلين ، فالاحتفاظ به للدولة دون تقسيم على مستحقّيه تخويل للدولة في أن تضع يدها على حقوق رعاياها متى رأت في ذلك مصلحة تقتضيها سعادة المجموع ، فصح إذن : أنّ للدولة حقّ تأميم الملكيّات الخاصة .
ولكنّ الحقيقة أنّ احتفاظ الدولة بالأراضي المفتوحة ، وعدم تقسيمها بين المقاتلين كما تقسّم سائر الغنائم ، ليس تطبيقاً لمبدأ التأميم ؛ وإنّما هو تطبيق لمبدأ الملكيّة العامة ، فإنّ الأرض المفتوحة لم تشرع فيها الملكية الخاصة ، وتقسيم الفيء : ( الغنيمة ) مبدأ وضعه الشارع في الغنائم المنقولة فقط . فالملكية العامة للأرض المفتوحة ـ إذن ـ طابعٌ أصيلٌ لها في التشريع الإسلامي ، وليست تأميماً وتشريعاً ثانوياً بعد تقرير مبدأ الملكية الخاصة .
[1]صحيح البخاري 3 : 138 ، باب المزارعة مع اليهود .
[2]سيأتي عن قريب البحث عنها .