بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 490

والخلاف[1]والتذكرة[2]ـ : أنّ فقهاء الأمامية مجمعون على هذا الحكم ، ومتّفقون على تطبيق مبدأ الملكية العامة على الأرض المعمورة حال الفتح[3]. كما نقل الماوردي[4]عن الإمام مالك : القول بأنّ الأرض المفتوحة تكون وقفاً على المسلمين منذ فتحها ، بدون حاجة إلى إنشاء صيغة الوقف عليها من ولي الأمر ، ولا يجوز تقسيمها بين الغانمين . وهو تعبير آخر عن الملكية العامة للأمّة .

أدلّة الملكية العامة وظواهرها :

ونصوص الشريعة وتطبيقاتها واضحة في تقرير مبدأ الملكية العامة لهذا النوع من الأرض كما يظهر من الروايات التالية :

1 ـ في الحديث عن الحلبي قال : ( سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن السواد ما منزلته ؟ فقال : هو لجميع المسلمين ، لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ، ولمن لم يُخلق بعد . فقلنا : الشراء من الدهّاقين ؟ فقال : لا يصلح إلاّ أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين . فإذا شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها . قلنا : فإن أخذها منه ؟ قال : يرّد إليه رأس ماله وله ما أكل من غلّتها بما عمل )[5].

2 ـ وفي حديث عن أبي الربيع الشامي عن الإمام جعفر الصادق قال :

( لا تشتروا من أرض السواد شيئاً إلاّ من كانت له ذمّة ، فإنّما هو فيء للمسلمين )[6].

[1]الخلاف 5 : 534 ، المسألة 23 .

[2]تذكرة الفقهاء 9 : 183 .

[3]جواهر الكلام 21 : 157 .

[4]الأحكام السلطانية 2 : 137 .

[5]الاستبصار 3 : 109 ، الحديث الأوّل .

[6]المصدر المتقدّم : الحديث 2 . وفيه : ( لا تشتر )


صفحه 491

وأرض السواد في العرف السائد يومذاك هي : الجزء العامر من أراضي العراق التي فتحها المسلمون في حرب جهادية . وإنّما أطلق المسلمون هذا الاسم على الأرض العراقية ؛ لأنّهم حين خرجوا من أرضهم القاحلة في جزيرة العرب يحملون الدعوة إلى العالم ، ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار في أراضي العراق ، فسمّوا خضرة العراق سواداً ؛ لأنّهم كانوا يجمعون بين الخضرة والسواد في الاسم[1].

3 ـ وفي خبر حمّاد : أنّ الإمام موسى بن جعفر قال : ( وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه ، إلاّ ما احتوى عليه العسكر ، والأرض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوتة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ ؛ النصف والثلث والثلثين على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرّهم )[2].

ويعني بذلك أنّ ولي الأمر يدع الأراضي المفتوحة عنوة إلى القادرين على استثمارها من أفراد المجتمع الإسلامي ، ويتقاضى منهم أجرة على الأرض ؛ لأنّها ملك مجموع الأمّة ، فحينما ينتفع الزارعون باستثمارها يجب عليهم تقديم ثمن انتفاعهم إلى الأمّة . وهذا الثمن أو الأجرة هو الذي أطلق عليه في الخبر اسم : الخراج .

4 ـ وجاء في الحديث : أنّ أبا بردة سأل الإمام جعفر عن شراء الأرض من أرض الخراج ، فقال : ( ومن يبيع ذلك وهي أرض المسلمين ؟! )[3].

[1]راجع لسان العرب 4 : 120 ، مادّة ( خضر ) .

[2]الروع من الكافي 5: 44 ـ 45 ، الحديث 4 .

[3]الاستبصار 3 : 109 ، الحديث 4 .


صفحه 492

وأرض الخراج تعبير فقهيٌّ عن الأرض التي نتحدّث عنها ؛ لأنّ الأرض التي تفتح وهي عامرة يفرض عليها خراج ، كما مرّ في الخبر السابق ، وتسمّى لأجل ذلك : أرضاً خراجية .

5 ـ وفي رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)وهو يشرح أقسام الأرض وأحكامها : ( وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام ، يقبّله بالذي يرى )[1].

6 ـ وفي تأريخ الفتوح الإسلامية : أن الخلفية الثاني طولب بتقسيم الأرض المفتوحة بين المحاربين من الجيش الإسلامي على أساس مبدأ الملكية الخاصة ، فاستشار الصحابة ، فأشار عليه عليّ(عليه السلام)بعدم التقسيم[2]. وقال له معاذ بن جبل :

( إنّك إن قسّمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ، ثمّ يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد ، أو المرأة ، ثمّ يأتي من بعدهم قوم يسدّون من الإسلام مسدّاً وهم لا يجدون شيئاً ، فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم )[3].

فقضى عمر بتطبيق مبدأ الملكية العامة ، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص:

( أمّا بعد فقد بلغني كتابك أنّ الناس قد سألوا أن تقسّم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم ، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال ، فاقسمه بين من حضر من المسلمين ، واترك الأرضين والأنهار لعمّالها ؛ ليكون ذلك في أُعطيات المسلمين ؛ فإنا لو قسّمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء )[4].

[1]تهذيب الأحكام 4 : 119 ، باب الخراج وعمارة الأرضيين ، الحديث 2 ، وفيه : ( للإمام ) .

[2]تأريخ اليعقوبي 2 : 151 .

[3]فتوح البلدان 1 : 179 ، الحديث 408 .

[4]السير الكبير 3 : 1039 .


صفحه 493

وقد ذهب جماعة في تفسير إجراءات الخلفية الثاني إلى القول : بأنّ السواد ملك لأهله ـ كما جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد[1]ـ لأنّه حين ردّه عليهم عمر صارت لهم رقاب الأرض ، وتعيّن حقّ المسلمين في الخراج ، فالملكية العامة تعلّقت بالخراج لا برقبة الأرض .

وقد قال بعض المفكّرين الإسلاميين المعاصرين ، ممّن أخذ بهذا التفسير : إنّ هذا تأميم للخراج وليس تأميماً للأرض .

ولكنّ الحقيقة : أنّ قيام إجراءات عمر على أساس الإيمان بمبدأ الملكية العامة ، وتطبيقه على رقبة الأرض ، كان واضحاً كلّ الوضوح ، ولم يكن ترك الأرض لأهلها اعترافاً منه بحقّهم في ملكيّتها الخاصة ، وإنّما دفعها إليهم مزارعة أو إجارة ، ليعملوا في أراضي المسلمين وينتفعوا بها ، نظير خراج يقدّمونه إليهم .

والدليل على ذلك ما جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد : من أنّ عتبة ابن فرقد اشترى أرضاً على شاطئ الفرات ، ليتّخذ فيها قضباً ، فذكر ذلك لعمر فقال : ممّن اشتريتها ؟ قال : من أربابها . فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال : هؤلاء أهلها ، فهل اشتريت منهم شيئاً ؟ قال : لا ، قال : فارددها على من اشتريتها منه ، وخذ مالك[2].

7 ـ وعن أبي عون الثقفي في كتاب الأموال، أنّه قال : أسلم دهقان على عهد علي(عليه السلام)، فقام الإمام عليه الصلاة والسلام وقال : ( أما أنت فلا جزية عليك ، وأما أرضك فلنا )[3].

[1]انظر : الأموال : 72 ، الحديث 146 .

[2]الأموال : 99 ، الحديث 196 .

[3]الأموال : 103 ، الحديث 206 .


صفحه 494

8 ـ وفي البخاري عن عبد الله قال : ( أعطى النبي خيبراً ليهودٍ أن يعملوها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها )[1]. وهذا الحديث يشعّ بتطبيق رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمبدأ الملكية العامة على خيبر ، بوصفها مفتوحة في الجهاد ، بالرغم من وجود روايات معارضة[2]؛ لأنّ النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) لو كان قد قسّم الأرض بين المحاربين خاصة على أساس مبدأ الملكية الخاصة بدلاً عن تطبيق مبدأ الملكية العامة ، لَمَا دخل مع اليهود في عقد مزارعة بوصفه حاكماً ، فإنّ دخوله بهذا الوصف في العقد يشير إلى أنّ الأرض كان أمرها موكولاً إلى الدولة لا إلى الإفراد الغانمين أنفسهم .

وقد ذكر بعض المفكّرين الإسلاميين : أنّ حادثة معاملة خيبر هذه دليل قطعي على أنّ من حقّ الدولة أن تمتلك أموال الأفراد ، الأمر الذي يقرر جواز التأميم في الإسلام ؛ لأنّ القاعدة العامة في الفيء تقسيمه على المقاتلين ، فالاحتفاظ به للدولة دون تقسيم على مستحقّيه تخويل للدولة في أن تضع يدها على حقوق رعاياها متى رأت في ذلك مصلحة تقتضيها سعادة المجموع ، فصح إذن : أنّ للدولة حقّ تأميم الملكيّات الخاصة .

ولكنّ الحقيقة أنّ احتفاظ الدولة بالأراضي المفتوحة ، وعدم تقسيمها بين المقاتلين كما تقسّم سائر الغنائم ، ليس تطبيقاً لمبدأ التأميم ؛ وإنّما هو تطبيق لمبدأ الملكيّة العامة ، فإنّ الأرض المفتوحة لم تشرع فيها الملكية الخاصة ، وتقسيم الفيء : ( الغنيمة ) مبدأ وضعه الشارع في الغنائم المنقولة فقط . فالملكية العامة للأرض المفتوحة ـ إذن ـ طابعٌ أصيلٌ لها في التشريع الإسلامي ، وليست تأميماً وتشريعاً ثانوياً بعد تقرير مبدأ الملكية الخاصة .

[1]صحيح البخاري 3 : 138 ، باب المزارعة مع اليهود .

[2]سيأتي عن قريب البحث عنها .


صفحه 495

وعلى أيّ حالٍ ، فإنّ أكثر النصوص التي قدّمناها تقرّر : أنّ رقبة الأرض ـ أي : نفس الأرض ـ ملك لمجموع الأمّة يتولّى الإمام رعايتها بوصفه وليّ الأمر ، ويتقاضى من المنتفعين بها خراجاً خاصاً ، يقدّمه المزارعون أجرة على انتفاعهم بالأرض . والأمّة هي التي تملك الخراج ؛ لأنّها ما دامت تملك رقبة الأرض فمن الطبيعي أن تملك منافعها وخراجها أيضاً .

مناقشة لأدلّة الملكية الخاصة :

وفي الباحثين الإسلاميين ـ معاصرين وغير معاصرين ـ من يتّجه إلى القول بخضوع الأرض المفتوحة عنوة لمبدأ التقسيم بين المقاتلين على أساس الملكية الخاصة ، كما تقسّم سائر الغنائم بينهم[1].

ويعتمد هؤلاء فقهياً على أمرين :

أحدهما : آية الغنيمة .

والآخر : ما هو المأثور من سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)في تقسيم غنائم خيبر .

أمّا آية الغنيمة فهي قوله في سورة الأنفال :( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )[2].

وهي في رأي هؤلاء تقتضي بظاهرها : أنّ كلّ ما غُنم يخمّس ، وبالتالي يقسّم الباقي منه على الغانمين دون فرقٍ بين الأرض وغيرها من الغنائم . ولكنّ الحقيقة أنّ قصارى ما تدلّ عليه الآية الكريمة هو وجوب اقتطاع

[1]جواهر الكلام 21 : 157 ، نقل ذلك عن بعض أهل السنّة .

[2]سورة الأنفال : 41 .


صفحه 496

خمس الغنيمة بوصفها ضريبة تتقاضاها الدولة لصالح ذي القربى والمساكين والأيتام وابن السبيل . ولنفترض أنّ هذه الضريبة تقتطع من الأرض أيضاً ، فإنّ ذلك لا يشرح بحالٍ من الأحوال مصير الأخماس الأربعة الأخرى ، ولا نوع الملكية التي يجب أن تطبّق عليها ؛ لأنّ الخمس ـ باعتباره ضريبة لصالح فئات معيّنة من الفقراء وأشباههم ـ كما يمكن أن يفرض لحساب هذه الفئات على ما يملكه المحاربون ملكية خاصة من الغنائم المنقولة ، كذلك يمكن أن يفرض لحساب تلك الفئات أيضاً ، على ما تملكه الأمّة ملكية عامة من الأرض المفتوحة . فلا توجد إطلاقاً صلة بين التخميس والتقسيم . فقد يخضع مال لمبدأ التخميس ولكن ليس من الضروري أن يقسّم بين المحاربين على أساس الملكية الخاصة ، فآية التخميس لا تدلّ على التقسيم بين المحاربين إذن .

وبكلمة أخرى : أنّ الغنيمة التي تتحدّث عنها آية الغنيمة إمّا أن تكون بمعنى الغنيمة الحربيّة ، أي : ما تمّ الاستيلاء عليه بالحرب ، وإمّا أن تكون بمعنى الغنيمة الشرعية ، أي : ما تملّكه الإنسان بحكم الشارع من أموال ، فإذا فسّرنا الكلمة بالمعنى الأوّل فليس في الآية الكريمة أيّ دلالةٍ على أنّ غير الخمس من الغنيمة يعتبر ملكاً للمحاربين في كلّ الحالات ، وإذا فسّرنا الكلمة بالمعنى الثاني كانت الآية بنفسها تفترض ملكية المخاطبين للمال كموضوع لها ، فكأنّها قالت : إذا ملكتم مالاً فالخمس ثابت فيه . وفي هذه الحالة لا يمكن أن تعتبر الآية دليلاً على ملكية المحاربين للغنيمة ؛ لأنّها لا تحقّق موضوعها ولا تثبت شرطها .

وأمّا المأثور من سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)في تقسيم غنائم خيبر ، فهو الدليل الثاني الذي استند إليه هؤلاء المؤمنون بتقسيم الأرض بين المحاربين خاصة[1]، اعتقاداً

[1]انظر : سنن أبي داود 3 : 160 ، الحديث 3015 .


صفحه 497

منهم بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله)طبّق على أراضي خيبر مبدأ الملكية الخاصة ، وقسّمها بين المحاربين الذين فتحوها .

ولكنّا نشك في صواب هذا الاعتقاد كلّ الشك ، حتى لو افترضنا صحّة الروايات التأريخية التي تحدّثت عن تقسيم النبي(صلى الله عليه وآله)خيبراً على المقاتلين ؛ لأنّ التأريخ العام الذي ينقل هذا يحدثنا عن ظواهر أخرى في سيرته الرائدة تساهم في فهم القواعد التي طبّقها النبيّ(صلى الله عليه وآله)على غنائم خيبر .

فهناك ظاهرة احتفاظ النبي(صلى الله عليه وآله)بجزء كبير من خيبر لمصالح الدولة والأمّة ، فقد جاء في سنن أبي داود ، عن سهل بن أبي حشمة : ( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قسّم خيبر نصفين ، نصفاً لنوائبه وحاجاته ، ونصفاً بين المسلمين ، قسّمها بينهم على ثمانية عشر سهماً )[1].

وعن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله):

( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّا ظهر على خيبر قسّمها على ستّة وثلاثين سهماً ، جمع كلّ سهم مئة سهم ، فكان لرسول الله(صلى الله عليه وآله)وللمسلمين النصف من ذلك ، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس )[2].

وعن ابن يسار أنّه قال : ( لمّا أفاء الله على نبيّه خيبر ، قسّمها على ستّة وثلاثين سهماً ، جمع كلّ سهم مئة سهم ، فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به : (الوطيحة) و(الكتيبة) وما أحيز معهما ، وعزل النصف فقسّمه بين المسلمين : (الشقّ) و ( النطأة ) وما أحيز معهما ، وكان سهم رسول الله فيما أحيز معهما )[3].

[1]سنن أبي داود 3 : 159 ، الحديث 3010 .

[2]المصدر السابق ، الحديث 3012 .

[3]المصدر السابق : 159 ـ 160 ، الحديث 3013 .