ونظراً إلى صعوبة توفر المعلومات الحاسمة بهذا الصدد اكتفى كثير من الفقهاء بالظنّ ، فكلّ أرض يغلب على الظنّ أنّها كانت معمورة حال الفتح الإسلامي تعتبر ملكاً للمسلمين[1].
ولنذكر على سبيل المثال محاولات بعض الفقهاء لتحديد نطاق الأرض الخراجية المملوكة ملكية عامة من أراضي العراق ، التي فتحت في العقد الثاني من الهجرة : فقد جاء في كتاب ( المنتهى ) للعلامة الحلّي :
( أنّ أرض السواد هي الأرض المفتوحة من الفرس ، التي فتحها عمر بن الخطاب ، وهي سواد العراق وحدّه في العرض : من مقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية ، المتصل بالعذيب من أرض العرب . ومن تخوم الموصل طولاً إلى ساحل البحر ببلاد عبادان ، من شرقي دجلة . وأمّا الغربي الذي يليه البصرة فإنّما هو إسلامي ، مثل شط عمرو بن العاص ... وهذه الأرض ( أي : الحدود التي حدّدها ) فتحت عنوة فتحها عمر بن الخطاب ، ثمّ بعث إليها بعد فتحها ثلاثة أنفس : عمار بن ياسر على صلاتهم أميراً، وابن مسعود قاضياً ووالياً على بيت المال ، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض . وفرض لهم في كلّ يوم شاة ، شطرها مع السواقط لعمار ، وشطرها للآخرين ، وقال : ما أرى قرية تؤخذ منها كلّ يوم شاة إلاّ سرع خرابها .
ومسح عثمان أرض الخراج ، واختلفوا في مبلغها فقال المسّاح : اثنان وثلاثون ألف ألف جريب. وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف جريب )[2].
وجاء في كتاب الأحكام السلطانية لأبي يعلى[3]: ( أنّ حدّ السواد طولاً :
[1]انظر : مسالك الأفهام 12 : 293 .
[2]منتهى المطلب (ط. حجرية) 2 : 937 .
[3]الأحكام السلطانية 2 : 173 .
من حديثة الموصل إلى عبادان . وعرضاً من عذيب القادسية إلى حلوان . يكون طوله[160]فرسخاً وعرضه[80]فرسخاً ، إلاّ قريّات ـ قد سمّاها أحمد ، وذكرها أبو عبيد : الحيرة ، ويانقيا ، وأرض بني صلوبا ، وقرية أخرى ـ كانوا صلحاً .
وروى أبو بكر بإسناده عن عمر أنّه كتب : ( أنّ الله عزّ وجلّ فتح ما بين العذيب إلى حلوان ) .
وأمّا العراق فهو في العرض مستوعب لعرض السواد عرفاً ، ويقصر عن طوله في العرض ؛ لأنّ أوّله في شرقي دجلة : (العلث) . وعن غربيها (حربي) ، ثمّ يمتدّ إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان ، فيكون طوله[125]فرسخاً يقصر عن طول السواد بـ[35]فرسخاً ، وعرضه[80]فرسخاً كالسواد .
قال قدامة بن جعفر : يكون ذلك مكسّراً : عشرة آلاف فرسخ ، وطول الفرسخ :[12]ألف ذراع بالذراع المرسلة . ويكون بذارع المساحة : تسعة آلاف ذراع ، فيكون ذلك إذا ضرب في مثله ، وهو تكسير فرسخ في فرسخ[22]ألف جريب و(500) جريب ، فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ وهي (10000) فرسخاً بلغ مئتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب ، يسقط منها بالتخمين : مواضع التلال ، والآكام ، والسباخ ، والآجام ، ومدارس الطرق والمحاج ، ومجاري الأنهار ، وعراص المدن والقرى ، ومواضع الأرحاء والبحيرات ، والقناطر ، والشاذروانات والبيادر ومطارح القصب وأتانين الآجر وغير ذلك ، وهو : 75 ألف ألف جريب . يصير الباقي من مساحة العراق مئة ألف ألف جريب وخمسين ألف ألف جريب ، يراح منها النصف ويكون النصف مزروعاً ، مع ما في الجميع من النخل والكرم والأشجار . وإذا أضفت إلى ما ذكره قدامة في مساحة العراق ما زاد عليها من بقية السواد ، وهو[35]فرسخاً .. كانت
الزيادة على تلك المساحة قدر ربعها ، فيصير ذلك مساحة جميع ما يصلح للزرع والغرس من أرض السواد . وقد يتعطّل منه بالعوارض والحوادث ما لا ينحصر ) .
ب ـ الأرض المَيتَة حال الفتح :
وإذا لم تكن الأرض عامرة حين دخولها في الإسلام لا بشرياً ولا طبيعياً فهي ملك للإمام ـ وهذا ما نصطلح عليه باسم : ملكية الدولة ـ وليست داخلة ضمن نطاق الملكية الخاصة ، وبذلك كانت تتّفق مع الأرض الخراجية في عدم الخضوع لمبدأ الملكية الخاصة ، ولكنّها تختلف عنها مع ذلك في شكل الملكية ؛ فالأرض العامرة حال الفتح تعتبر حين ضمها إلى حوزة الإسلام ملكاً عامّاً للأمة ، والأرض المَيتَة تعتبر حين دخولها في دار الإسلام ملكاً للدولة .
الدليل على ملكية الدولة للأرض المَيتَة :
والدليل التشريعي على ملكية الدولة للأرض المَيتَة حين الفتح هو : أنّها من الأنفال ، كما جاء في الحديث[1]. والأنفال عبارة : عن مجموعة من الثروات التي حكمت الشريعة بملكية الدولة لها في قوله تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )[2]. وقد روى الشيخ الطوسي في التهذيب بشأن نزول هذه الآية : أنّ بعض الأفراد سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)أن يعطيهم شيئاً من الأنفال ، فنزلت الآية تؤكد مبدأ ملكية الدولة ، وترفض تقسيم الأنفال بين الأفراد على
[1]وسائل الشيعة 9 : 524 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 4 .
[2]سورة الأنفال : 1.
أساس الملكية الخاصة[1].
وتملّك الرسول للأنفال يعبّر عن تملك المنصب الإلهي في الدولة لها ، ولهذا تستمر ملكية الدولة للأنفال وتمتد بامتداد الإمامة من بعده ، كما ورد في الحديث عن علي(عليه السلام): أنّه قال : ( إنّ للقائم بأمور المسلمين الأنفال التي كانت لرسول الله ، قال الله عزّ وجلّ :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ )، فما كان لله ولرسوله فهو للإمام )[2]. فإذا كانت الأنفال ملكاً للدولة ـ كما يقرّره القرآن الكريم ـ وكانت الأرض غير العامرة حال الفتح من الأنفال فمن الطبيعي أن تندرج هذه الأرض في نطاق ملكية الدولة . وعلى هذا الأساس ورد عن الصادق(عليه السلام)، بصدد تحديد ملكية الدولة (الإمام) : أنّ المَوَات كلّها هي له ، وهو قوله تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِـ أن تعطيهم منه ـقُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ )[3].
وممّا قد يشير إلى ملكية الدولة للأراضي المَوَات أيضاً ، ما ورد في الحديث : من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال : ( ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه )[4]. وقد استدلّ أبو حنيفة بهذا الحديث على أنّ المَوَات لا يجوز إحياؤها والاختصاص بها دون إذن الإمام[5]، وهذا يتفق تماماً مع ملكية الإمام للمَوَات ، أو مِلكيّة الدولة بتعبير آخر (*) .
[1]تهذيب الأحكام 4 : 126 ، باب تمييز أهل الخمس ، الحديث 5 .
[2]وسائل الشيعة 9 : 530 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 19 .
[3]المصدر السابق : 529 ، الحديث 17 .
[4]كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق 2 : 126 ، والمبسوط 23 : 167 .
[5]راجع المحلّى 8 : 234 .
(*) راجع : الملحق رقم 2 .
ويدل على ذلك أيضاً : ما ورد في كتاب الأموال لأبي عبيد، عن ابن طاووس ، عن أبيه : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : ( عادي الأرض لله ولرسوله ، ثمّ هي لكم )[1]. فقد حكم هذا النص بملكية الرسول لعادي الأرض ، والجملة الأخيرة : ( ثمّ هي لكم ) تقرّر حقّ الإحياء الذي سنشير إليه فيما بعد .
وقد جاء في كتاب الأموال : أنّ عادي الأرض هي كلّ أرض كان لها ساكن في آباد الدهر ، فلم يبقَ منها أنيس ، فصار حكمها إلى الإمام وكذلك كلّ أرض مَوَات لم يحيها أحد ، ولم يملكها مسلك ولا معاهد[2].
وفي كتاب الأموال أيضاً ، عن ابن عبّاس : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّا قدم المدينة جعلوا له كلّ أرض لا يبلغها الماء يصنع بها ما يشاء[3]. وهذا النصّ لا يؤكّد مبدأ ملكية الدولة للأراضي المَوَات البعيدة عن الماء فحسب ، بل يؤكّد ممارسة النبيّ السيطرة الفعلية على الأراضي المَوَات ، الأمر الذي تعتبر تطبيقاً عملياً لمبدأ ملكية الدولة لها ، فقد ورد في كتاب الإمام الشافعي أنّه ( لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله)المدينة أقطع الناس الدور ، فقال حيٌّ من بني زهرة ـ يقال لهم : بنو عبد بن زهرة ـ : نكب عنّا ابن أمّ عبد . فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ( فلم ابتعثني الله إذا ؟! إنّ الله لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم
[1]الأموال : 347 ، الحديث 676 ، ومستدرك الوسائل 17 : 112 ، الباب الأوّل من أبواب كتاب إحياء المَوَات ، الحديث 5 .
[2]الأموال : 354 ، الحديث 692 .
[3]المصدر السابق : 358 ، الحديث 695 .
حقّه)[1]. وقد علّق الشافعي على ذلك قائلاً : ( وفي هذا دلالة على أنّ ما قارب العامر وكان بين ظهرانيه ، وما لم يقارب من المَوَات ، سواء ؛ في أنّه لا مالك له فعلى السلطان إقطاعه ممّن سأله من المسلمين )[2].
فالأرضان ـ العامرة والمَوَات من أراضي الفتح ـ طبّق عليهما شكلان تشريعيان من أشكال المِلكية ، وهما : المِلكية العامة للأرض العامرة ، ومِلكية الدولة للمَوَات .
نتيجة اختلاف شَكلَي المِلكية :
وهاتان الملكيتان ـ الملكية العامة للأمّة ، وملكية الدولة ـ وإن اتفقتا في المغزى الاجتماعي إلاّ أنّهما يعتبران شكلين تشريعيين مختلفين ؛ لأنّ المالك في أحد الشكلين هو الأمّة ، والمالك في الشكل الآخر هو المنصب ، الذي يباشر حكم تلك الأمّة من قبل الله . وينعكس الفرق بين الشكلين في الأمور التالية :
أوّلاً : طريقة استثمار كلّ من المِلكيتين والدور الذي تؤدّيه للمساهمة في بناء المجتمع الإسلامي ، فالأراضي والثروات التي تملك ملكية عامة لمجموع الأمّة يجب على وليّ الأمر استثمارها للمساهمة في إشباع حاجات مجموع الأمّة ، وتحقيق مصالحها العامة التي ترتبط بها ككلّ ؛ نحو إنشاء المستشفيات ، وتوفير وتهيئة مستلزمات التعليم ، وغير ذلك من المؤسّسات الاجتماعية العامة التي تخدم مجموع الأمّة .
ولا يجوز استخدام الملكية العامة لمصلحة جزء معيّن من الأمّة ، ما لم ترتبط مصلحته بمصلحة المجموع ، فلا يسمح بإيجاد رؤوس أموال ـ مثلاً ـ لبعض الفقراء
[1]و[2]الأُمّ 4 : 50 .
من ثمار تلك الملكية ما لم يصبح ذلك مصلحة وحاجة لمجموع الأمّة ، كما إذا توقّف حفظ التوازن الاجتماعي على الاستفادة من الملكية العامة في هذا السبيل . وكذلك لا يسمح بالصرف من ريع الملكية العامة للأمّة على النواحي التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها من حياة المواطنين الذين في المجتمع الإسلامي . وأمّا أملاك الدولة فهي كما يمكن أن تستثمر في مجال المصالح العامة لمجموع الأمّة كذلك يمكن استثمارها لمصلحة معيّنة مشروعة[1]، كإيجاد رؤوس أموال منها لمن هو بحاجة إلى ذلك من أفراد المجتمع الإسلامي ، أو أيّ مصلحة أخرى من المصالح التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها .
ثانياً: أنّ الملكية العامة لا تسمح بظهور حقّ خاص للفرد ، فقد رأينا فيما سبق أنّ الأرض المفتوحة عنوة والتي تعود ملكيتها للأمّة لا يكسب الفرد فيها حقّاً خاصاً ولو مارس عليها عملية الأحياء ، خلافاً لملك الدولة فإنّ الفرد قد يكتسب في ممتلكاتها حقّاً خاصاً على أساس العمل بالقدر الذي تأذن به الدولة ، فمن يُحيي أرضاً مَيتَة للدولة بإذن من الإمام يكتسب حقّاً خاصاً فيها وإن لم يملك رقبتها ، وإنّما هو حقّ يجعله أولى من الآخرين بها مع بقاء رقبتها ملكاً للدولة على ما يأتي .
ثالث : أنّ ما يدخل في نطاق الملكية العامة للأمّة لا يجوز لولي الأمر بوصفه ولياً للأمر نقل ملكيته إلى الأفراد ببيع أو هبة ونحو ذلك ، خلافاً لما يدخل في نطاق ملكية الدولة فإنّه يجوز فيه ذلك وفقاً لما يقدّره الإمام من المصلحة العامة[2].
[1]وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث الأوّل .
[2]جواهر الكلام 38 : 17 ، 54 ، 61 .
وهذا الفارق بين المِلكِيَتين يقرّب هذين المصطلحين الفقهيين نحو مصطلحي الأموال الخاصة للدولة والأموال العامة لها في لغة القانون الحديث[1]، فما نطلق عليه اسم ملكية الدولة يوازي من هذه الناحية ما يعبر عنه قانونياً بالأموال الخاصة للدولة ، بينما يناظر الملكية العامّة للأمّة ما يطلق عليه القانون اسم الأموال العامة للدولة . غير أنّ مصطلح الملكية العامة للأمّة يتميّز عن مصطلح الأموال العامة للدولة بأنّه يستبطن النصّ على أنّ الأموال العامة التي يشملها هي ملك الأمّة ودور الدولة فيها دور الحارس الأمين ، بينما ينسجم التعبير القانوني بالأموال العامة للدولة مع هذا كما ينسجم مع كونها ملكاً للدولة نفسها .
دور الإحياء في الأراضي المَيتَة :
وكما تختلف الأرض المَيتَة والأرض العامرة في شكل الملكية ، كذلك تختلفان أيضاً من ناحية الحقوق التي يسمح للأفراد باكتسابها في الأرض .
فالشريعة لا تمنح الفرد حقّاً خاصاً في رقبة الأرض العامرة حال الفتح ، ولو جدد عمرانها بعد خراب ، كما مر بنا سابقاً .
وأمّا الأرض المَيتَة عند الفتح ، فقد سمحت الشريعة للأفراد بممارسة إحيائها وإعمارها ، ومنحتهم حقّاً خاصاً فيها ، على أساس ما يبذلون من جهد في سبيل إحياء الأرض وعمارتها . وفي الروايات ما يقرّر هذه الحقيقة ، إذ جاء عن أهل البيت أنّ : ( من أحيا أرضاً فهي له وهو أحقّ بها )[2]. وورود في صحيح
[1]راجع معجم الاقتصاد : 341 ـ 342 ، مادّة : ( أموال عامّة ) ، والمِلكية في النظام الاشتراكي : 388 .
[2]عوالي اللآلئ 3 : 259 ، مع اختلاف .