الأرض الخَراجية : ( ما أخذ بالسيف ممّا كان تحت استيلاء الكفار ) ، لا خصوص ما أخذ ممّا كان ملكاً للكفار ؛ إذ على التقدير الثاني لا يكون موضوعها شاملاً للغابات بخلافه على الأوّل كما هو واضح . كما تتوقّف الحكومة أيضاً على أن يكون عدم المالك المأخوذ في نصّ مالكيّة الإمام ملحوظاً حدوثاً وبقاءً . والظاهر من النصوص التي تجعل الأرض التي لا ربّ لها مُلكاً للإمام أنها تتناول كلّ أرضٍ ليس لها مالك بطبيعتها ، فيكفي عدم المالك حدوثاً لكي تكون مِلكاً للإمام .
فالصحيح أنّ الأرض العامرة بطبيعتها ملك للدولة ، دون فرق بين ما كان منها مفتوحاً عَنوة وما لم يكن كذلك .
وعلى هذا الأساس لا يتكوّن للفرد حقّ خاص في رقبة الأرض المفتوحة عَنوة من الغابات وما إليها ، كما لا يتكون الحقّ الخاص في رقبة الأرض الخَراجية العامرة بالإحياء قبل الفتح . وقد يقال : أنّ الأرض العامرة بطبيعتها تُمتلك على أساس الحيازة ، بمعنى أنّ الحيازة تقوم في الأراضي العامرة طبيعياً بنفس الدور الذي يقوم به الإحياء في الأراضي المَيتَة بطبيعتها ، ويستند هذا القول في إثبات الملكيـة بسبب الحيازة إلى الأخبار الدالة على أنّ من حاز مَلَك[1].
ويلاحظ على هذا القول :
أوّلاً : أنّ بعض هذه الأخبار[2]ضعيف السند ، ولهذا لا حجية له ، ومنها :
[1]المكاسب 4 : 16 .
[2]كقوله(صلى الله عليه وآله): ( من سبق إلى ما لا يسبقه إليه أحدٌ فهو أحقّ به ) ، فإنّه حديث مرسل ، راجع مستدرك وسائل الشيعة 17 : 111 ، الباب الأوّل من أبواب إحياء المَوَات ، الحديث 4 . (لجنة التحقيق)
ما لا يدلّ على هذا القول لأنّه مسوق لبيان أماريّة اليد ، وجعل الحيازة أمارة ظاهرية على الملكيّة لا سبباً لها . ومنها ما كان وارداً في موارد خاصة كقوله : ( لليد ما أخذت وللعين ما رأت )[1]الوارد في الصيد .
وثانياً : أنّ أخبار الحيازة ـ لو سلّمت ـ مختصةٌ بالمُباحات الأوّلية ممّا لا يكون مملوكاً شرعاً لجهةٍ أو فرد ، فلا تشمل المقام ، إذ المفروض أنّ الغابة ملك الأمّة أو الإمام .
وانطلاقاً مع هذا يجب أن يطبّق على المفتوح عَنوة من الغابات والأراضي العامرة بطبيعتها نفس الأحكام التي تطبق على أراضي الفتح التي كانت عامرة بالإحياء والجهد البشري (*) .
2 ـ الأرض المسلمة بالدعوة :
الأراضي المسلمة بالدعوة : هي كلّ أرض دخل أهلها في الإسلام ، واستجابوا للدعوة دون أن يخوضوا معركة مسلّحة ضدّها[2]، كأرض المدينة المنوّرة ، وإندونيسيا ، وعدّة نقاط متفرّقة في العالم الإسلامي .
وتنقسم الأراضي المسلمة بالدعوة ـ كما تنقسم الأراضي المسلمة بالفتح ـ إلى أرضٍ عامرةٍ قد أحياها أهلها وأسلموا عليها طوعاً ، وأرض عامرة طبيعياً كالغابات ، وأرض دخلت في الإسلام طوعاً وهي مَيتَة .
[1]وسائل الشيعة 23 : 391 ، الباب 38 ، من أبواب الصيد ، الحديث الأوّل ، مع اختلاف يسير .
(*) راجع الملحق رقم 6
[2]انظر : جواهر الكلام 21 : 175 .
أمّا المَوَات من الأرض المسلمة بالدعوة فهي كالمَوَات من أراضي الفتح ، يطبّق عليها مبدأ ملكية الدولة ، وجميع الأحكام التي مرّت بنا في مَوَات الفتح ؛ لأنّ الأرض المَيتَة بشكلٍ عامّ تعتبر من الأنفال ، والأنفال مِلك الدولة .
وكذلك الأرض العامرة طبيعياً المنضمّة إلى حوزة الإسلام بالاستجابة السلميّة ، فهي مِلك للدولة أيضاً ، تطبيقاً للمبدأ الفقهي القائل : ( كلّ أرضٍ لا ربّ لها هي من الأنفال )[1].
ولكنّ الفرق بين هذين القسمين ، المَيتَة والعامرة طبيعياً ـ بالرغم من كونهما معاً ملكاً للدولة ـ ، هو أنّ الفرد يمكنه أن يكتسب حقّاً خاصاً في الأرض المَيتَة عن طريق إحيائها ، وتثبت له من الأحكام ما مرّ من تفصيلات تشريعية عن عملية الإحياء التي يمارسها الفرد في المَيْتِ من أراضي الفتح ، وأمّا الأراضي العامرة بطبيعتها التي دخلت في دار الإسلام طوعاً ، فلا سبيل إلى اكتساب الفرد حقّاً فيها بسبب الإحياء ؛ لأنّها عامرة وحيّة بطبيعتها ، وإنّما يباح للأفراد الانتفاع بتلك الأرض . وإذا مارس الفرد انتفاعه فلا تنتزع الأرض منه لحساب فردٍ آخر ما دام يمارس الأوّل انتفاعه ، إذ لا ترجيح لفردٍ على فردٍ ، ويسمح للآخر بالانتفاع في حدود لا تزاحم انتفاع الأوّل ، أو فيما إذا كفّ الأوّل عن انتفاعه بالأرض واستثماره لها[2].
وأمّا الأرض العامرة التي أسلم عليها أهلها طوعاً فهي لهم ؛ لأنّ الإسلام يمنح المسلم على أرضه وماله طوعاً ، جميع الحقوق التي كان يتمتّع بها في الأرض والمال قبل إسلامه . فيتمتع أصحاب الأرض المسلمون طوعاً بالحقّ في الاحتفاظ
[1]وسائل الشيعة 9 : 524 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 4 .
[2]انظر : الروضة البهيّة 4 : 46 .
بأرضهم ، وتملكها ملكية خاصة ، ولا خراج عليهم كما كانوا قبل الدخول في الإسلام تماماً (*) .
وعلى أيّ حال : فلا شكّ أنّ لوليّ الأمر أن يمنع عن إحياء بعض أراضي الدولة ، وأن يحدّد الكمّية التي يباح لكلّ فرد أحياؤها من تلك الأراضي ، إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك .
3 ـ أرض الصلح :
وهي الأرض التي هجم عليها المسلمون لفتحها فلم يسلم أهلها ، ولا قاوموا الدعوة بشكل مسلّح ، وإنّما ظلّوا على دينهم ، ورضوا أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية مسالمين . فالأرض تصبح أرض صلح في العرف الفقهي ، ويجب تطبيق ما تمّ عليه الصلح بشأنها ، فإذا كان عقد الصلح ينصّ على أنّ الأرض لأهلها فهي على هذا الأساس تعتبر مِلكاً لهم ، وليس لمجموع الأمّة حقّ فيها ، وإذا تمّ الصلح على تمّلك الأمّة للأرض مِلكية عامة وجب التقيّد بذلك ، وخضعت الأرض لمبدأ الملكية العامة وفرض عليها الخَراج[1].
ولا يجوز الخروج عن مقرّرات عقد الصلح ؛ فقد جاء في كتاب الأموال عن رسول الله(صلى الله عليه وآله):
( إنّكم لعلكم تقاتلون قوماً فيتّقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ، ويصالحونكم على صلح ، فلا تأخذوا منهم فوق ذلك ؛ فإنّه لا يحلّ لكم )[2]. وورد في سُنن أبي داود عن النبيّ(صلى الله عليه وآله): ( ألاَ مَن ظلم معاهداً أو نقصه ، أو كلّفه فوق طاقته ، أو أَخذ منه شيئاً بغير طِيب نفسه ، فأنا حجيجه يوم القيامة )[3].
(*) راجع الملحق رقم 7 .
[1]انظر : الروضة البهية 4 : 48 .
[2]الأموال : 189 ، الحديث 388 .
[3]سنن أبي داود 3 : 170 ، الحديث 3052 .
وأمّا مَوَات أرض الصلح ، فالقاعدة فيها هي مِلكية الدعوة كمَوَات الأراضي المفتوحة ، ومَوَات الأراضي المسلمة بالدعوة . وكذلك أيضاً الغابات من أراضي الصلح وما إليها من الأراضي العامرة طبيعياً ، ما لم يكن قد أدرجها النبيّ(صلى الله عليه وآله)في عقد الصلح ، فتطبّق عليها حينئذٍ مقتضيات العقد[1].
4 ـ أراضي أخرى للدولة :
وتوجد أنواع أخرى من الأرض تخضع لمبدأ ملكية الدولة ، كالأراضي التي سلّمها أهلها للدولة الإسلامية دون هجوم من المسلمين تسليماً ابتدائياً . فإنّ هذه الأراضي من الأنفال التي تختص بها الدولة ، أو النبيّ(صلى الله عليه وآله)والإمام بتعبير آخر[2]، كما قرّره القرآن الكريم في قوله تعالى :( وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[3].
وقد نصّ الماوردي على أنّ هذه الأراضي التي يتمّ انجلاء الكفّار عنها خوفاً ، تصير بالاستيلاء عليها وقفاً[4]، وهذا يعني دخولها في نطاق الملكية العامة .
ومن أراضي الدولة أيضاً الأرض التي باد أهلها وانقرضوا ، كما جاء في حديث حمّاد بن عيسى عن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام): ( أنّ للإمام الأنفال ،
[1]انظر : جواهر الكلام 21 : 171 .
[2]المصدر السابق 16 : 116 .
[3]سورة الحشر : 6 .
[4]الأحكام السلطانية 2 : 137 .
والأنفال ، كلّ أرض بادَ أهلها .. إلخ )[1].
وكذلك أيضاً الأراضي المستجدة في دار الإسلام ، كما إذا ظهرت جزيرة في البحر أو النهر مثلاً ، فإنّها تندرج في نطاق ملكية الدولة ، تطبيقاً للقاعدة الفقهية القائلة ، أنّ كلّ أرض لا ربّ لها هي للإمام[2].
وذكر الخرشي في شرحه على المختصر الجليل : أنّ الأرض إذا كانت غير مملوكة لأحد كالفيافي أو ما انجلى عنها أهله ،ا فحكمها أنّها للإمام اتفاقاً ، قال البعض : يريد أهل المذهب ما انجلى منها أهلها الكفّار ، وأمّا المسلمون فلا يسقط ملكهم عن أراضيهم بانجلائهم[3].
الحدّ من السلطة الخاصة على الأرض :
يمكننا أن نستخلص من التفصيلات السابقة : أنّ اختصاص الفرد بالأرض والحقّ الشخصي فيها ينشأ من أحد أسباب ثلاثة :
1ـ أحياء الفرد لشيء من أراضي الدولة .
2ـ إسلام أهل البلاد واستجابتهم للدعوة طوعاً .
3ـ دخول الأرض في دار الإسلام بعقد صلحٍ ينصّ على منح الأرض للمصالحين .
ويختلف السبب الأوّل عن الأخيرين ، في نوع العلاقة الخاصة التي تنجم عنه . فالسبب الأوّل ، وهو إحياء الفرد لشيء من أراضي الدولة، لا يدرج الأرض
[1]وسائل الشيعة 9 : 524 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 4 .
[2]انظر : جواهر الكلام 16 : 116 .
[3]الخُرَشي على مختصر سيدي خليل 2 : 208 ، زكاة المعدن .
في نطاق الملكية الخاصة ، ولا ينزع عنها طابع ملكية الدولة ولا يمنع الإمام من فرض الخَراج والأجرة على الأرض . وإنّما ينتج عن الإحياء حقّ للفرد الذي يسمح له بالانتفاع من الأرض ، ومنع الآخرين من مزاحمته ، كما مرّ بنا سابقاً .
وأمّا السببان الأخيران ، فإنّهما يمنحان الفرد المسلم أو المصالح ملكية الأرض ، فتصبح بذلك مندرجة في نطاق الملكية الخاصة .
والاختصاص الشخصي للفرد بالأرض ـ سواء كان على مستوى حقّ أو على مستوى ملكية ـ ليس اختصاصاً مطلقاً من الناحية الزمنية ، بل هو اختصاص وتفويض محدود بقيام الفرد بمسؤولية تجاه الأرض ، فإذا أخلّ بمسؤوليّته بالصورة التي سوف توضحها الروايات الآتية سقط حقّه في الأرض ، ولم يجز له احتكارها وتحجيرها ، ومنع الآخرين من إعمارها واستثمارها . وبذلك اتّخذ المفهوم القائل بأنّ الملكية وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد .. أقوى تعبير في مجال الأرض و حقوق الأفراد فيها .
والدليل على ذلك من الشريعة عدّة نصوص تشريعية :
فقد جاء حديث أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، قال : ( من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر ، ممّا سقت السماء والأنهار ، ونصف العشر ممّا كان بالرِشا ، فيما عمّروه منها ، وما لم يعمّر منها أخذه الإمام فقبّله من يعمّره وكان للمسلمين ، وعلى المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر )[1].
وورد في صحيح معاوية بن وهب : أنّ الإمام جعفر(عليه السلام)قال : ( أيّما رجلٌ أتى خربة بائرة فاستخرجها ، وكرى أنهارها وعمرها ، فإنّ عليه فيها الصدقة
[1]وسائل الشيعة 15 : 175 ، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث الأوّل .
(الزكاة) ، فإن كانت لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخربها ، ثمّ جاء بعد يطلبها ، فإنّ الأرض لله ولمن عمرها )[1].
وفي صحيح الكابلي[2]، جاء النصّ عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): ( بأنّ من أحيى أرضاً مَيتَة من المسلمين فليعمرها ، وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي ، وله ما أكل منها . فإن تركها أو أخربها فأخذها رجلٌ من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها ، فهو أحقّ بها من الذي تركها ، فليؤدّ خراجها إلى الإمام )[3]
ففي ضوء هذه النصوص نعرف : أنّ حقّ الفرد في الأرض الذي يخولّه منع غيره من استثمارها يزول بخراب الأرض وإهماله لها ، وامتناعه عن عِمارتها ، فلا يجوز له بعد إهمال الأرض على هذا الشكل أن يمنع غيره من السيطرة عليها واستثمارها ما دام مهملاً لها .
ولا فرق في ذلك بين الفرد الذي مارس إحياء الأرض وغيره ممّن حصل
[1]وسائل الشيعة 25 : 414 ، الباب 2 من أبواب إحياء المَوات ، الحديث الأوّل .
[2]المصدر السابق : الحديث 2 .
[3]ولا يمكن أن يعارض صحيحاً الكابلي ومعاوية بن وهب ، برواية الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام): ( أنّه سأله عن الرجل يأتي الأرض الخربة ، فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها، ما عليه ؟ قال : الصدقة . قلت : فإنّ كان يعرف صاحبها . قال : فليؤدّ إليه حقّه ) .
وذلك ؛ لأنّ الجواب في رواية الحلبي لم يُفرض فيه إلاّ مجرّد كون الأرض خربة قد زال عمرانها ، هذا العنوان أعمّ من كون الخراب مستنداً إلى إهمال صاحب الأرض وامتناعه عن القيام بحقّها . وحيث إنّ صحيحة معاوية بن وهب أُخذ في موضوعها أنّ صاحب الأرض السابق ترك الأرض وأخربها ، فهي أخصّ مطلقاً من رواية الحلّي . ومقتضى التخصيص : أنّ علاقة صاحب الأرض بأرضه تزول بخراب الأرض وامتناعه عن أحيائها (المؤلّف(قدّس سرّه)) .