بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 548

فالمبدأ في الأرض هو ملكية الدولة ، وإلى جانب هذا المبدأ يوجد حقّ الإحياء ، وهو الحقّ الذي يجعل المُحيي أو من انتقلت إليه الأرض من المُحيي أولى بالأرض من غيره ، وهذا الحقّ يكسبه الفرد إذا مارس الإحياء في حالة عدم منع الإمام منه سواء كان مسلماً أو كافراً ، ويكون حقّاً خاصّاً ، غير أنّه إذا كان كافراً واحتلّ المسلمون أرضه عَنوة في حرب جهاد تحوّل هذا الحقّ الخاص إلى حقّ عام ، وأصبح قائماً بالأمّة الإسلامية ككلّ .

وإذا لوحظ أنّ الأرض الخَراجية لا يجوز للإمام إخراجها عن كونها خَراجية ببيع رقبتها أو هبتها ، أمكن القول : بأنّ هذا الحقّ العام وإن كان لا يقطع صلة الدولة برقبة الأرض وملكيّتها لها ، ولكنّه يحوّل الأرض من الأموال الخاصة للدولة إلى الأموال العامّة لها التي لا بدّ أن تستثمرها في المصالح المقرّرة لها مع الاحتفاظ بها . وهذا ما يؤكّده التعبير عن الأرض الخَراجية بأنّها موقوفة[1]، ولأجل ذلك سوف نعبّر بالملكية العامة عن كلّ حالة من هذا القبيل تمييزاً لها عن حالات مِلكية الدولة البحتة ، وهي حالات كون الرقبة مِلكاً للدولة مع عدم وجود حقّ عام من هذا النوع .

[1]تهذيب الأحكام 4 : 130 ، ذيل الحديث 366 .


صفحه 549

[2ـ ] المواد الأوّلية في الأرض

تأتي المواد الأولية ، التي تحويها الطبقة اليابسة في الأرض ، والثروات المعدنية الموجودة فيها .. بعد الأرض مباشرة في الأهمّية ، وخطورة الدور الذي تمارسه في حياة الإنسان الإنتاجية والاقتصادية ؛ لأنّ كلّ ما يتمتّع به الإنسان في الحقيقة من سلعٍ وطيّبات مادّية ، مردّها في النهاية إلى الأرض ، وما تزخر به من مواد وثروات معدنية ، ولذلك كانت جل فروع الصناعة تعتمد وتتوقّف على الصناعات الاستخراجية ، التي يمارس الإنسان فيها الحصول على تلك المواد والمعادن .

ويقسم الفقهاء عادة المعادن إلى قسمين : وهما المعادن الظاهرة ، والمعادن الباطنة .

فالمعادن الظاهرة هي : المواد التي لا تحتاج إلى مزيد عمل وتطوير لكي تبدو على حقيقتها ، ويتجلّى جوهرها المعدني ، كالملح والنِفط مثلاً . فنحن إذا نفذنا إلى آبار النِفط ، فسوف نجد المعدن بوجهه الحقيقي ، ولن نحتاج إلى جهد في تحويله إلى نِفط ، وإن كنّا بحاجة إلى جهود كبيرة في الوصول إلى آبار النِفط واكتشافها ، وفي تصفية النِفط بعد ذلك .

فالمعدن الظاهر في العرف الفقهي ليس هو ما يبدو من معنى اللفظ لغةً ، أي : الظاهر الذي لا يحتاج إلى حفرٍ ومؤنةٍ في التوصّل إليه ، بل هو كلّ معدن تكون طبيعته المعدنية بارزة ، سواء احتاج الإنسان إلى حفر وجهد كبير للوصول إلى آباره وعيونه في أعماق الطبيعة ، أو وجده بيسر وسهولة على سطح الأرض[1].

[1]الروضة البهية 4 : 65 ، جواهر الكلام 38 : 100 ـ 101 .


صفحه 550

وأمّا المعادن الباطنية فهي : كلّ معدنٍ احتاج في إبراز خصائصه المعدنية إلى عمل وتطوير ، كالحديد والذهب[1]. فإنّ مناجم الحديد والذهب لا تحتوي على حديد أو ذهب ناجز ، ينتظر أن يصل الإنسان إلى أعماقه ليأخذ منه ما شاء ، وإنما تضمّ تلك المناجم مواداً يجب أن ينفق عليها كثير من الجهد والعمل لكي تصبح حديداً وذهباً ، كما يفهمه بائعو الحديد والذهب .

فظهور المعدن وبطونه في المصطلح الفقهي ، يرتبطان بطبيعة المادّة ودرجة أنجاز الطبيعة لها ، لا بمكانها ووجودها قريباً من سطح الأرض ، أو في أعماقها وأغوارها .

وقد قال العلاّمة الحلّي في التذكرة ، لإيضاح هذا المصطلح الفقهي الذي شرحناه : ( إنّ المراد بالظاهر : ما يبدو جوهرها من غير عمل ، وإنّما السعي والعمل لتحصيله إمّا سهلاً أو متعباً ، ولا يفتقر إلى إظهار ، كالملح ، والنفط ، والقار ، والقطران ، والموميا ، والكبريت ، وأحجار الرحى ، والبرمة ، والكحل ، والياقوت ، ومقالع الطين ، وأشباهها . والمعادن الباطنة هي : التي لا تظهر إلاّ بالعمل ، ولا يوصل إليها إلاّ بعد المعالجة والمؤونة عليها ، كمعادن الذهب ، والفضّة ، والحديد ، والنحاس ، والرصاص .. )[2].

المعادن الظاهرة :

أمّا المعادن الظاهرة ـ كالملح والنِفط ـ فالرأي الفقهي السائد فيها هو :

أنّها من المشتركات العامّة بين كلّ الناس[3]. فلا يعترف الإسلام لأحدٍ بالاختصاص

[1]انظر : جواهر الكلام 38 : 110 .

[2]تذكرة الفقهاء ( ط. الحجرية) 2 : 403 .

[3]الروضة البهية 4 : 65 .


صفحه 551

بها وتملُّكِها ملكيةً خاصة ؛ لأنّها مندرجة عنده ضمن نطاق الملكية العامة ، وخاضعة لهذا المبدأ ، وإنّما يسمح للأفراد بالحصول على قدر حاجتهم من تلك الثروة المعدنية دون أن يستأثروا بها ، أو يتملّكوا ينابيعها الطبيعية .

وعلى هذا الأساس يصبح للدولة وحده ـ أو للإمام بوصفه وليّ أمر الناس الذين يملكون تلك الثروات الطبيعية مِلكية عامّة ـ أن يستثمرها بقدر ما توفّره الشروط المادّية للإنتاج والاستخراج من إمكانات ، ويضع ثمارها في خدمة الناس .

وأمّا المشاريع الخاصة التي يحتكر فيها الأفراد استثمار المعادن ، فتُمنع مَنعاً باتاً . ولو مارست تلك المشاريع العمل والحفر للوصول إلى المعدن ، واكتشافه في أعماق الأرض .. لم يكن لها حقّ تملّك المعدن ، وإخراجه عن نطاق الملكية العامة ، وإنّما يسمح لكلّ مشروع فردي بالحصول على قدر حاجة الفرد الخاصة ، من تلك المادّة المعدنية .

وقد قال العلاّمة الحلّي في التذكرة ـ توضيحاً لهذا المبدأ التشريعي في المعادن الظاهرة ، بعد أن استعرض أمثلة كثيرة له ـ : ( إنّ هذه المعادن لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة ، وإن أراد بها (النيل) إجماعا )[1]. ويعني بـ (النيل) : الطبقة التي تحتوي على المعدن من الأرض . أي : إن الفرد لا يسمح له بتملّك تلك المعادن ولو حفر حتى وصل إلى آبار النفط ، أي : إلى الطبقة المعدنية في أعماق الأرض .

وقال أيضاً في القواعد ـ عند الحديث عن المعادن ـ ما يلي : ( المعادن وهي قسمان : ظاهرة وباطنة ، أمّا الظاهرة وهي التي لا تفتقر في الوصلة إليها إلى مؤونة ، كالملح والنِفط والكبريت والقار والموميا والكحل والبرام والياقوت ...

[1]تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 403 .


صفحه 552

الأقرب اشتراك المسلمين فيها ، فحينئذٍ لا تملك بالإحياء ولا يختصّ بها المحجّر ، ولا يجوز إقطاعها ، ولا يختص المقطع بها . والسابق إلى موضع منه لا يُزعج قبل قضاء وطره . فإن تسابق اثنان أقرع مع تعذر الجمع ، ويحتمل القسمة ، وتقديم الأحوج )[1].

وقد نصّت على مبدأ الملكية العامة ، وعدم السماح بالملكية الخاصة للمعادن الظاهرة ، كثير من المصادر الفقهية : كالمبسوط[2]، والمهذب[3]، والسرائر[4]، والتحرير[5]، والدروس[6]، واللمعة[7]، والروضة[8].

وجاء في جامع الشرائع والإيضاح : ( أنّه لو قام الفرد لأخذ الزيادة عن حاجته مُنع )[9].

وفي المبسوط ، والسرائر ، والشرائع ، والإرشاد ، واللمعة ، ما يؤكّد هذا المنع ، إذ جاء في هذه المصادر : أنّ من سبق أخذ قدر حاجته[10].

[1]قواعد الأحكام 2 : 271

[2]المبسوط 2 : 274 .

[3]المهذّب 2 : 33 .

[4]السرائر 2 : 383 .

[5]تحرير الأحكام الشرعية 2 : 131 .

[6]الدروس الشرعية 3 : 67 .

[7]اللمعة الدمشقية : 243 .

[8]الروضة البهية 4 : 65 .

[9]الجامع للشرائع : 375 ، وإيضاح الفوائد 2 : 237 .

[10]انظر : المبسوط 3 : 275 ، والسرائر 2 :383 ، وشرائع الإسلام 3 : 222 ، وإرشاد الأذهان 1 :349 ، واللمعة الدمشقية : 243 .


صفحه 553

وقال العلاّمة في التذكرة : ( إنّ هذا هو رأي أكثر أصحابنا ، ولم يبيّنوا لنا حاجة يومه أو سنته )[1].

ويريد بذلك، أنّ الفقهاء منعوا من أخذ الزائد على قدر الحاجة ، ولم يحدّدوا الحاجة التي تسوّغ الأخذ ، هل هي حاجة اليوم أو السنة ؟ وفي هذا تبلغ الشريعة قمّة الصراحة في التأكيد على عدم جواز الاستغلال الفردي لتلك الثروات الطبيعية .

وجاء في متن نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : أنّ المعدن الظاهر ـ وهو وهو ما يخرج بلا علاج كنِفط وكبريت ـ لا يملك ولا يثبت فيه اختصاص بتحجير ولا إقطاع ، فإن ضاق نَيله قدّم السابق بقدر حاجته ؛ فإنّ طلب زيادة ، فالأصحّ إزعاجه[2].

وقال الشافعي يوضح حكم المعادن الظاهرة : وأصل المعادن صنفان : ما كان ظاهراً كالملح في الجبال ، تنتابه الناس فهذا لا يصلح لأحدٍ أن يقطعه بحال ، الناس فيه شرع ، وهكذا النهر والماء الظاهر والنبات فيما لا يملك لأحدٍ ، وقد سأل الأبيض بن حمّال النبيّ(صلى الله عليه وآله): أن يقطعه ملح مأرب . فأقطعه إياه أو أراده . فقيل له : إنّه كالماء العدّ فقال : فلا إذن : قال : ومثل هذا كلّ عين ظاهرة كنِفط أو قير أو كبريت أو موميا أو حجارة ظاهرة في غير ذلك أحد فهو كالماء والكلأ الناس فيه سواء[3].

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية يتحدّث عن المعادن الظاهرة : فأمّا

[1]تذكرة الفقهاء (ط.الحجرية) 2 : 403 .

[2]نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 5 : 349 ، ومغني المحتاج 2 : 372 .

[3]الأمّ 4 : 42 ، ونقل الحديث ابن داود في سننه 3 : 174 ، الحديث 3064 .


صفحه 554

الظاهرة فهي ما كان جوهرها المستودع فيها بارزاً كمعادن الكحل والملح والقار والنِفط وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه .. فإنّ اقطعت هذه المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم وكان المقطع وغيره فيها سواء وجميع من ورد إليها أسوة مشتركون فيها فإن منعهم المقطع منها كان بالمنع متعدّياً[1].

فالمعادن الظاهرة في ضوء ما قدّمناه من النصوص الفقهية خاضعة لمبدأ الملكية العامة. والملكية العامة هنا تختلف عن الملكية العامة لأراضي الفتح العامرة ، التي سبق الحديث عنها ، لأنّ الملكية العامة لتلك الأرض كانت نتيجة لعمل سياسي قامت به الأمّة وهو الفتح، فلم تكن لتنفتح لأكثر من ذلك ، فهي ملكية عامة للأمّة الإسلامية.

وأمّا المعادن هنا فالناس فيها جميعاً سواء ، بموجب كثير من المصادر الفقهية التي جاء التعبير فيها بكلمة الناس بدلاً عن كلمة المسلمين ، كما في المبسوط ، والمهذّب ، والوسيلة ، والسرائر ، والأمّ . إذ لا دليل في رأي أصحاب هذه المصادر على اختصاص المسلمين بالمعادن ، فهي إذن ملك عام للمسلمين ولكلّ من يعيش في كنفهم .

المعادن الباطنة :

وأمّا المعادن الباطنة : وهي في العرف الفقهي ـ كما عرفنا ـ كلّ معدن لا ينجز بشكله الكامل إلاّ بالعمل ، كالذهب الذي لا يصبح ذهباً إلاّ بالعمل والتطوير .. فهذه بدورها أيضاً نوعان ؛ لأنّ المادّة المعدنية من هذا القبيل قد توجد قريباً من سطح

[1]الأحكام السلطانية 1 : 235 ـ 236 و 2 : 197 .


صفحه 555

الأرض ، وقد توجد في أعماقها بشكل لا يمكن الوصول إليها بدون حفرٍ وجهدٍ كبير .

المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض :

أمّا مّا كان من المعادن الباطنة قريباً من سطح الأرض ، فهو كالمعادن الظاهرة التي مرّت بنا أحكامها الآن .

قال العلاّمة الحلّي في التذكرة : ( فالمعادن الباطنة إمّا أن تكون ظاهرة ـ أي قريبة من سطح الأرض أو في متناول اليد ـ أو لا ، فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء أيضاً ، كما تقدّم في المعادن الظاهرة )[1].

والشيء نفسه ذكره ابن قُدامة حيث كتب يقول : ( إنّ المعادن الظاهرة وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤونة ينتابها الناس وينتفعون بها . لا تملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين ... فإما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصف إليها إلاّ بالعمل والمؤونة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج فإذا كانت ظاهرة لم تملك أيضاً بالإحياء )[2].

فالإسلام لا يسمح في المواد المعدنية التي تقع قريباً من سطح الأرض بتملّكها ، وهي في مكانها ملكية خاصة ، وإنّما يأذن لكلّ فرد أن يمتلك الكمّية التي يأخذها ويجوزها من تلك المواد ، على أن لا يتجاوز الكمّية حداً معقولاً ، ولا تبلغ الدرجة التي يصبح استيلاء الفرد عليها وحيازته لها سبباً للضرر

[1]تذكرة الفقهاء (ط.الحجرية) 2 :403 .

[2]المغني 6 : 156 ـ 157 .