الأرض ، وقد توجد في أعماقها بشكل لا يمكن الوصول إليها بدون حفرٍ وجهدٍ كبير .
المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض :
أمّا مّا كان من المعادن الباطنة قريباً من سطح الأرض ، فهو كالمعادن الظاهرة التي مرّت بنا أحكامها الآن .
قال العلاّمة الحلّي في التذكرة : ( فالمعادن الباطنة إمّا أن تكون ظاهرة ـ أي قريبة من سطح الأرض أو في متناول اليد ـ أو لا ، فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء أيضاً ، كما تقدّم في المعادن الظاهرة )[1].
والشيء نفسه ذكره ابن قُدامة حيث كتب يقول : ( إنّ المعادن الظاهرة وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤونة ينتابها الناس وينتفعون بها . لا تملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين ... فإما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصف إليها إلاّ بالعمل والمؤونة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج فإذا كانت ظاهرة لم تملك أيضاً بالإحياء )[2].
فالإسلام لا يسمح في المواد المعدنية التي تقع قريباً من سطح الأرض بتملّكها ، وهي في مكانها ملكية خاصة ، وإنّما يأذن لكلّ فرد أن يمتلك الكمّية التي يأخذها ويجوزها من تلك المواد ، على أن لا يتجاوز الكمّية حداً معقولاً ، ولا تبلغ الدرجة التي يصبح استيلاء الفرد عليها وحيازته لها سبباً للضرر
[1]تذكرة الفقهاء (ط.الحجرية) 2 :403 .
[2]المغني 6 : 156 ـ 157 .
الاجتماعي والضيق على الآخرين ، كما نصّ على ذلك الفقيه الإصفهاني في الوسيلة[1]. لأنّنا لا نملك نصاً صحيحاً من الشريعة ، يدل على أنّ الحيازة ـ دائماً وفي جميع الأحوال ـ تكون سبباً لملكية الثروة المعدنية المحازة ، مهما كان قدر تلك الثروة ، ومدى أثر حيازتها على الآخرين .. وإنّما الشيء الوحيد الذي نعلمه هو : أّنّ الناس كانوا قد اعتادوا في عصر التشريع على إشباع حاجاتهم من المواد المعدنية التي توجد على سطح الأرض أو قريباً منه ، بحيازة كمّيات من تلك المواد لسدّ حاجاتهم . وكانت الكمّيات ضئيلة بطبيعة الحال ، تبعاً لانخفاض إمكاناتهم الاستخراجية والإنتاجية . وهذه العادة التي سمحت بها الشريعة وقتئذٍ ، لا يمكن أن تصبح دليلاً على سماح الشريعة بتملّك الفرد لما يحوزه من الكمّيات وإن اختلفت حيازته في الكمّ ـ أي في قدر المادة المُحازة ـ وفي الكيف ـ أي أثر الحيازة على الآخرين ـ عن الحيازة التي جرت عليها عادة الناس في عصر التشريع .
وحتى الآن ، وفي حدود المعادن الظاهرة ـ بالمعنى الفقهي ـ والمعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض .. نجد أن الفقهاء لم يسمحوا بالملكية الخاصة لرقبة المعدن ، وإنّما أجازوا للفرد أن يأخذ من تلك المعادن ، القدر المعقول من حاجته ، وبذلك ترك مجال استثمار هذه الثروات الطبيعية في نطاق أوسع بدلاً عن ممارسة المشاريع الفردية الخاصة لها على سبيل الاحتكار .
المعادن الباطنة المستترة :
وأمّا المعادن الباطنة ، التي تختفي في أعماق الأرض فهي تتطلّب نوعين من الجهود :
[1]وسيلة النجاة : 2 : 318 .
أحدهما : جهد التفتيش والحفر للوصول إلى طبقاتها في أغوار الأرض .
والآخر : الجهد الذي يبذل على نفس المادة لتطويرها وإبراز خصائصها المعدنية ، وذلك كمعادن الذهب والحديد . ولنطلق على هذه الفئة من المعادن اسم : (المعادن الباطنة المستَتِرة) .
وهذه المعادن الباطنة المستترة تتقاذفها عدّة نظريات في الفقه الإسلامي ، فهناك من يرى أنّها ملك الدولة ، أو الإمام باعتبار المنصب لا الشخص ، كالكليني[1]والقمّي[2]، والمفيد[3]، والديلمي[4]، القاضي[5]، وغيرهم إيماناً منهم بأنّ المعادن من الأنفال ، والأنفال ملك الدولة . وهناك من يرى أنّها من المشتركات العامة التي يملكها الناس جميعاً ملكية عامة ، كما نقل عن الإمام الشافعي وعن كثير من العلماء الحنابلة .
وقد ذكر الماوردي الفقيه الشافعي : أنّه أحد القولين في المسألة ، إذ كتب يقول : وأمّا المعادن الباطنة فهي ما كان جوهرها مستكناً فيما لا يوصل إليه إلاّ بالعمل كمعادن الذهب والفضّة والصفر والحديد ، فهذه وما أشبهها معادن باطنة سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج . وفي جواز إقطاعها قولان : أحدهما : لا يجوز كالمعادن الظاهرة وكل الناس فيها شرع[6].
[1]الأصول من الكافي 1 : 538 .
[2]تفسير القمّي 1 : 254 .
[3]المقنعة : 278 .
[4]المراسم : 140 .
[5]المهذب 2 : 34 .
[6]الأحكام السلطانية 1 : 236 و 2 : 197 .
كما يبدو من ابن قدامة الفقيه الحنبلي أنّ المعادن الباطنية المستترة هي من المشتركات العامة أيضاً في ظاهر المذهب الحنبلي وظاهر مذهب الشافعي ، فلا فرق بينها وبين المعادن الظاهرة أو الباطنة غير المستقرّة من هذه الناحية[1].
وليس من المهم فعلاً ـ بالنسبة إلى عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي التي نمارسها ـ أن ندرس الشكل التشريعي لملكية هذه المعادن ، وهل هو شكل الملكية العامة أو ملكية الدولة ، أو أيّ شكل آخر ؟ .. مادام من المسلّم به أنّ هذه المعادن بحسب وضعها الطبيعي ذات طابع اجتماعي عام ، ولا يختصّ بها فردٌ دون فرد . فتبقى دراسة نوع الملكية بحثاً شكلياً ، لا يتّصل بأهدافنا فعلاً . وإنّما المهم الجدير بالبحث أن نعرف ما إذا كان الإسلام يسمح بخروج معدن الذهب والفضة مثلاً عن حقل الثروات العامة ، ويمنح الفرد الذي حفر الأرض المعدنية واكتشف المادة ملكية المعدن الذي اكتشفه .
ونحن قد رأينا في المعادن الظاهرة ، والمعادن الباطنة التي تقرّب من سطح الأرض ، أنّ الشريعة ـ في رأي جمهور الفقهاء ـ لم تسمح بتملّكها ملكية خاصة ، وإنّما أجازت لكلّ فرد أن يأخذ من مواردها المعدنية وفقاً لحاجته ، دون إضرار بالآخرين . فمن الضروري أن نعرف موقف الشريعة من المعادن الباطنة المستترة ، ونتبيّن مدى اتّفاقه أو اختلافه ، مع موقفها من المعادن الأخرى .
فالمسألة إذن هي : هل يمكن للفرد أن يملك مناجم الذهب والحديد ملكية خاصة ، باكتشافها عن طريق الحفر ، أو لا ؟
ويجيب كثير من الفقهاء على هذا السؤال بالإيجاب ، فهم يرون أنّ المعدن
[1]لاحظ : المغني 6 : 157 .
يملك بالاكتشاف خلال عمليات الحفر[1].
ويستندون في ذلك إلى أن اكتشاف المعدن بالحفر لون من ألوان الإحياء ، والموارد الطبيعية تملك بالإحياء . كما أنّه أسلوب للحيازة ، والحيازة تعتبر سبباً لتملّك ثروات الطبيعة على اختلافها .
ونحن حين ندرس هذا الرأي من الناحية المذهبية ، يجب أن لا نفصله عن التحفّظات التي أحيط بها ، والحدود التي فرضت فيه على ملكية المعدن حين سمح بها لمن يكتشفه .
فملكية المعدن التي يظفر بها المكتشف ـ على هذا الرأي ـ لا تمتدّ في أعماق الأرض ، إلى عروق المادة المعدنية وجذورها .
وإنّما تشمل المادة التي كشف عنها الحفر ، كما أنّها لا تمتدّ أفقياً خارج حدود الحفرة التي أنشأها المكتشف ، إلاّ بالقدر الذي يتوقّف عليه ممارسته لاستخراج المادة من الحفرة ، وهو ما يسمّى فقهياً بحريم المعدن[2].
ومن الواضح أنّ هذه الأبعاد للملكية محدودة وضيقة إلى حدٍّ كبير ، وتسمح لأيّ فرد آخر أن يمارس عمليات الحفر في موضع آخر من نفس ذلك المعدن ، ولو كان يمتصّ في الحقيقة نفس الينابيع والجذور التي يمتصها المكتشف الأوّل ؛ لأنّ الأوّل لا يملك العروق والينابيع .
وهذا التحديد في ملكية المعدن الباطن لدى القائلين بها ، واضح في عدّة نصوص فقهية ، فقد قال العلاّمة الحلّي في القواعد : ( ولو حفر فبلغ المعدن ، لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية أخرى . فإذا وصل ـ الغير ـ إلى العرق لم يكن له
[1]لاحظ : الروضة البهية 4 : 66 ، وجواهر الكلام 38 : 110 .
[2]انظر : جواهر الكلام 38 : 110 ـ 113 .
ـ أيّ للحافر الأوّل ـ منعه ؛ لأنّه يملك المكان الذي حفره وحريمه )[1].
وقال في التذكرة ـ وهو يحدّد نطاق الملكية ـ : ( وإذا اتسع الحفر ولم يوجد النيل إلاّ في الوسط ، أو بعض الأطراف لم يقتصر الملك على محل النيل ، بل كما يملكه يملك ما حواليه ، ما يليق بحريمه ، وهو قدر ما تقف الأعوان والدواب .
ومن جواز ذلك الحفر ـ أي من حَفر في موضع آخر ـ لم يمنع ، وإن وصل إلى العرق ، سواء قلنا أنّ المعدن يُملك بحفره أو لم نقل ؛ لأنّه لو كان يملك فإنّما يملك المكان الذي حفره ، وأمّا العرق الذي في الأرض فلا يملكه )[2].
وهذه النصوص تحدّد الملكية ضمن حدود الحفرة وما حواليها بالقدر الذي يتيح ممارسة استخراج المادة منها . ولا تعترف بامتدادها ، عمودياً وأفقياً ، أكثر من ذلك .
ونحن إذا جمعنا إلى هذا التحديد الذي يقرّره القائلون بملكية المعدن من الفقهاء مبدأ عدم جواز التعطيل ، الذي يمنع الأفراد الممارسين للحفر وعملية الكشف من تجميد المعدن وتعطيله ، ويحكم بانتزاعه منهم إذا هجروه وعطلوه .
إذا جمعنا بين كلّ هذه التحفظات ، وجدنا القول بالملكية الذي يسمح للفرد بتملّك المعدن ضمن تلك الحدود ، في قوّة إنكار الملكية الخاصة للمناجم ، من ناحية النتائج الحاسمة ، والأضواء التي يلقيها على البحث النظري في الاقتصاد الإسلامي ؛ لأنّ الفرد بحكم تلك التحفّظات ، لا يسمح له إلاّ بتملّك المادة المعدنية الواقعة في حدود حفرياته فقط ، ويواجه منذ البدء في العمل تهديداً بانتزاع المعدن منه إذا حَجَر المنجم وقطع العمل ، وجمّد الثروة المعدنية .
[1]قواعد الأحكام 2 : 272 .
[2]تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 404 .
وهذا النوع من الملكية يختلف بكلّ وضوح عن ملكية المرافق الطبيعية في المذهب الرأسمالي ؛ لأنّ هذا النوع من الملكية لا يتجاوز كثيراً عن كونه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل بين الناس ، ولا يمكن أن يؤدّي إلى إنشاء مشاريع فردية احتكارية ، كالمشاريع التي تسود المجتمع الرأسمالي ، ولا يمكن أن يكون أداة للسيطرة على مرافق الطبيعة ، واحتكار المناجم وما تضمّ من ثروات .
وخلافاً للقول بالملكية يوجد اتجاه فقهي آخر ، ينكر تملّك الفرد للمعدن ضمن تلك الحدود التي اعترف بها الفقهاء ، القائلون بالملكية .
وقد جاء في متن نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج قوله : ( والمعدن الباطن وهو : ما لا يخرج إلاّ بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر )[1].
وجاء في المغني لابن قُدامة الفقيه الحنبلي قوله عن المعادن : ( وإن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك ، في ظاهر المذهب وظاهر مذهب الشافعي )[2].
ويستمدّ هذا الاتّجاه الفقهي مبرّرات الإنكار ، من مناقشة أدلّة الملكية ومستمسكات القائلين بها . فهو لا يقرّ هؤلاء على أنّ المكتشف للمعدن يملكه ، على أساس إحيائه للمعدن بالاكتشاف ، أو على أساس حيازته له وسيطرته عليه ؛ لأنّ الإحياء لم يثبت في الشريعة حقّ خاص على أساسه إلاّ في الأرض ؛ للنصّ التشريعي القائل : ( من أحيى أرضاً فهي له ) . والمعدن ليس أرضاً حتى يشمله النصّ ، بدليل أنّ الفقهاء حين بحثوا أحكام أراضي الفتح العامرة وقالوا : أنّها
[1]نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 5 : 351 ، ومغني المحتاج 2 : 372 .
[2]المغني 6 : 157 .
ملك عام للمسلمين ، لم يلحقوا معادن تلك الأراضي بها في هذه الملكية ، معترفين بأنّ المعدن ليس أرضاً[1].
كما أنّ الحيازة لا يوجد دليل في الشريعة ، على أنّها سبب لتملّك المصادر الطبيعية .
وعلى ضوء هذا الاتجاه الفقهي لا يتاح للفرد أن يملك شيئاً من المنجم مادام في موضعه الطبيعي ، وإنّما يملك المادة التي يستخرجها خاصة . وهذا لا يعني أنّ علاقته بالمنجم لا تختلف من الناحية التشريعية عن علاقة أيّ فردٍ آخر ، بل هو بالرغم من أنّه لا يملك المعدن يعتبر تشريعياً أولى من غيره بالاستفادة من المعدن ، وممارسة العمل فيه عن طريق الحفرة التي حفرها لاكتشافه ؛ لأنّه هو الذي خلق فرصة الاستفادة من المعدن عن طريق تلك الحفرة التي انفق عليها جهده وعمله ، ونفذ منها إلى المواد المعدنية في أعماق الأرض . فمن حقّه أن يمنع الآخرين عن استغلال الحفرة في الحدود التي تزاحمه ، ولا يجوز لأيّ فردٍ آخر استخدام تلك الحفرة في سبيل الحصول على مواد معدنية بشكل يزاحم صاحب الحفرة .
وفي ضوء ما مرّ بنا من نصوص فقهية ونظريّات عن المناجم ، يمكننا أن نستخلص : أنّ المناجم ـ في الرأي الفقهي السائد ـ من المشتركات العامة ، فهي تخضع لمبدأ الملكية العامة ، ولا يسمح للفرد بتملّك عروقها وينابيعها المتوغّلة في الأرض . وأمّا تملّك الفرد للمادة المعدنية في الأرض بالقدر الذي تمتدّ إليه أبعاد الحفرة عمودياً وأفقياً فهو موضع خلاف ، بين رأي فقهي سائد ، واتجاه فقهي
[1]انظر : جواهر الكلام 38 : 114 .