أحدهما : جهد التفتيش والحفر للوصول إلى طبقاتها في أغوار الأرض .
والآخر : الجهد الذي يبذل على نفس المادة لتطويرها وإبراز خصائصها المعدنية ، وذلك كمعادن الذهب والحديد . ولنطلق على هذه الفئة من المعادن اسم : (المعادن الباطنة المستَتِرة) .
وهذه المعادن الباطنة المستترة تتقاذفها عدّة نظريات في الفقه الإسلامي ، فهناك من يرى أنّها ملك الدولة ، أو الإمام باعتبار المنصب لا الشخص ، كالكليني[1]والقمّي[2]، والمفيد[3]، والديلمي[4]، القاضي[5]، وغيرهم إيماناً منهم بأنّ المعادن من الأنفال ، والأنفال ملك الدولة . وهناك من يرى أنّها من المشتركات العامة التي يملكها الناس جميعاً ملكية عامة ، كما نقل عن الإمام الشافعي وعن كثير من العلماء الحنابلة .
وقد ذكر الماوردي الفقيه الشافعي : أنّه أحد القولين في المسألة ، إذ كتب يقول : وأمّا المعادن الباطنة فهي ما كان جوهرها مستكناً فيما لا يوصل إليه إلاّ بالعمل كمعادن الذهب والفضّة والصفر والحديد ، فهذه وما أشبهها معادن باطنة سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج . وفي جواز إقطاعها قولان : أحدهما : لا يجوز كالمعادن الظاهرة وكل الناس فيها شرع[6].
[1]الأصول من الكافي 1 : 538 .
[2]تفسير القمّي 1 : 254 .
[3]المقنعة : 278 .
[4]المراسم : 140 .
[5]المهذب 2 : 34 .
[6]الأحكام السلطانية 1 : 236 و 2 : 197 .
كما يبدو من ابن قدامة الفقيه الحنبلي أنّ المعادن الباطنية المستترة هي من المشتركات العامة أيضاً في ظاهر المذهب الحنبلي وظاهر مذهب الشافعي ، فلا فرق بينها وبين المعادن الظاهرة أو الباطنة غير المستقرّة من هذه الناحية[1].
وليس من المهم فعلاً ـ بالنسبة إلى عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي التي نمارسها ـ أن ندرس الشكل التشريعي لملكية هذه المعادن ، وهل هو شكل الملكية العامة أو ملكية الدولة ، أو أيّ شكل آخر ؟ .. مادام من المسلّم به أنّ هذه المعادن بحسب وضعها الطبيعي ذات طابع اجتماعي عام ، ولا يختصّ بها فردٌ دون فرد . فتبقى دراسة نوع الملكية بحثاً شكلياً ، لا يتّصل بأهدافنا فعلاً . وإنّما المهم الجدير بالبحث أن نعرف ما إذا كان الإسلام يسمح بخروج معدن الذهب والفضة مثلاً عن حقل الثروات العامة ، ويمنح الفرد الذي حفر الأرض المعدنية واكتشف المادة ملكية المعدن الذي اكتشفه .
ونحن قد رأينا في المعادن الظاهرة ، والمعادن الباطنة التي تقرّب من سطح الأرض ، أنّ الشريعة ـ في رأي جمهور الفقهاء ـ لم تسمح بتملّكها ملكية خاصة ، وإنّما أجازت لكلّ فرد أن يأخذ من مواردها المعدنية وفقاً لحاجته ، دون إضرار بالآخرين . فمن الضروري أن نعرف موقف الشريعة من المعادن الباطنة المستترة ، ونتبيّن مدى اتّفاقه أو اختلافه ، مع موقفها من المعادن الأخرى .
فالمسألة إذن هي : هل يمكن للفرد أن يملك مناجم الذهب والحديد ملكية خاصة ، باكتشافها عن طريق الحفر ، أو لا ؟
ويجيب كثير من الفقهاء على هذا السؤال بالإيجاب ، فهم يرون أنّ المعدن
[1]لاحظ : المغني 6 : 157 .
يملك بالاكتشاف خلال عمليات الحفر[1].
ويستندون في ذلك إلى أن اكتشاف المعدن بالحفر لون من ألوان الإحياء ، والموارد الطبيعية تملك بالإحياء . كما أنّه أسلوب للحيازة ، والحيازة تعتبر سبباً لتملّك ثروات الطبيعة على اختلافها .
ونحن حين ندرس هذا الرأي من الناحية المذهبية ، يجب أن لا نفصله عن التحفّظات التي أحيط بها ، والحدود التي فرضت فيه على ملكية المعدن حين سمح بها لمن يكتشفه .
فملكية المعدن التي يظفر بها المكتشف ـ على هذا الرأي ـ لا تمتدّ في أعماق الأرض ، إلى عروق المادة المعدنية وجذورها .
وإنّما تشمل المادة التي كشف عنها الحفر ، كما أنّها لا تمتدّ أفقياً خارج حدود الحفرة التي أنشأها المكتشف ، إلاّ بالقدر الذي يتوقّف عليه ممارسته لاستخراج المادة من الحفرة ، وهو ما يسمّى فقهياً بحريم المعدن[2].
ومن الواضح أنّ هذه الأبعاد للملكية محدودة وضيقة إلى حدٍّ كبير ، وتسمح لأيّ فرد آخر أن يمارس عمليات الحفر في موضع آخر من نفس ذلك المعدن ، ولو كان يمتصّ في الحقيقة نفس الينابيع والجذور التي يمتصها المكتشف الأوّل ؛ لأنّ الأوّل لا يملك العروق والينابيع .
وهذا التحديد في ملكية المعدن الباطن لدى القائلين بها ، واضح في عدّة نصوص فقهية ، فقد قال العلاّمة الحلّي في القواعد : ( ولو حفر فبلغ المعدن ، لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية أخرى . فإذا وصل ـ الغير ـ إلى العرق لم يكن له
[1]لاحظ : الروضة البهية 4 : 66 ، وجواهر الكلام 38 : 110 .
[2]انظر : جواهر الكلام 38 : 110 ـ 113 .
ـ أيّ للحافر الأوّل ـ منعه ؛ لأنّه يملك المكان الذي حفره وحريمه )[1].
وقال في التذكرة ـ وهو يحدّد نطاق الملكية ـ : ( وإذا اتسع الحفر ولم يوجد النيل إلاّ في الوسط ، أو بعض الأطراف لم يقتصر الملك على محل النيل ، بل كما يملكه يملك ما حواليه ، ما يليق بحريمه ، وهو قدر ما تقف الأعوان والدواب .
ومن جواز ذلك الحفر ـ أي من حَفر في موضع آخر ـ لم يمنع ، وإن وصل إلى العرق ، سواء قلنا أنّ المعدن يُملك بحفره أو لم نقل ؛ لأنّه لو كان يملك فإنّما يملك المكان الذي حفره ، وأمّا العرق الذي في الأرض فلا يملكه )[2].
وهذه النصوص تحدّد الملكية ضمن حدود الحفرة وما حواليها بالقدر الذي يتيح ممارسة استخراج المادة منها . ولا تعترف بامتدادها ، عمودياً وأفقياً ، أكثر من ذلك .
ونحن إذا جمعنا إلى هذا التحديد الذي يقرّره القائلون بملكية المعدن من الفقهاء مبدأ عدم جواز التعطيل ، الذي يمنع الأفراد الممارسين للحفر وعملية الكشف من تجميد المعدن وتعطيله ، ويحكم بانتزاعه منهم إذا هجروه وعطلوه .
إذا جمعنا بين كلّ هذه التحفظات ، وجدنا القول بالملكية الذي يسمح للفرد بتملّك المعدن ضمن تلك الحدود ، في قوّة إنكار الملكية الخاصة للمناجم ، من ناحية النتائج الحاسمة ، والأضواء التي يلقيها على البحث النظري في الاقتصاد الإسلامي ؛ لأنّ الفرد بحكم تلك التحفّظات ، لا يسمح له إلاّ بتملّك المادة المعدنية الواقعة في حدود حفرياته فقط ، ويواجه منذ البدء في العمل تهديداً بانتزاع المعدن منه إذا حَجَر المنجم وقطع العمل ، وجمّد الثروة المعدنية .
[1]قواعد الأحكام 2 : 272 .
[2]تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 404 .
وهذا النوع من الملكية يختلف بكلّ وضوح عن ملكية المرافق الطبيعية في المذهب الرأسمالي ؛ لأنّ هذا النوع من الملكية لا يتجاوز كثيراً عن كونه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل بين الناس ، ولا يمكن أن يؤدّي إلى إنشاء مشاريع فردية احتكارية ، كالمشاريع التي تسود المجتمع الرأسمالي ، ولا يمكن أن يكون أداة للسيطرة على مرافق الطبيعة ، واحتكار المناجم وما تضمّ من ثروات .
وخلافاً للقول بالملكية يوجد اتجاه فقهي آخر ، ينكر تملّك الفرد للمعدن ضمن تلك الحدود التي اعترف بها الفقهاء ، القائلون بالملكية .
وقد جاء في متن نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج قوله : ( والمعدن الباطن وهو : ما لا يخرج إلاّ بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر )[1].
وجاء في المغني لابن قُدامة الفقيه الحنبلي قوله عن المعادن : ( وإن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك ، في ظاهر المذهب وظاهر مذهب الشافعي )[2].
ويستمدّ هذا الاتّجاه الفقهي مبرّرات الإنكار ، من مناقشة أدلّة الملكية ومستمسكات القائلين بها . فهو لا يقرّ هؤلاء على أنّ المكتشف للمعدن يملكه ، على أساس إحيائه للمعدن بالاكتشاف ، أو على أساس حيازته له وسيطرته عليه ؛ لأنّ الإحياء لم يثبت في الشريعة حقّ خاص على أساسه إلاّ في الأرض ؛ للنصّ التشريعي القائل : ( من أحيى أرضاً فهي له ) . والمعدن ليس أرضاً حتى يشمله النصّ ، بدليل أنّ الفقهاء حين بحثوا أحكام أراضي الفتح العامرة وقالوا : أنّها
[1]نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 5 : 351 ، ومغني المحتاج 2 : 372 .
[2]المغني 6 : 157 .
ملك عام للمسلمين ، لم يلحقوا معادن تلك الأراضي بها في هذه الملكية ، معترفين بأنّ المعدن ليس أرضاً[1].
كما أنّ الحيازة لا يوجد دليل في الشريعة ، على أنّها سبب لتملّك المصادر الطبيعية .
وعلى ضوء هذا الاتجاه الفقهي لا يتاح للفرد أن يملك شيئاً من المنجم مادام في موضعه الطبيعي ، وإنّما يملك المادة التي يستخرجها خاصة . وهذا لا يعني أنّ علاقته بالمنجم لا تختلف من الناحية التشريعية عن علاقة أيّ فردٍ آخر ، بل هو بالرغم من أنّه لا يملك المعدن يعتبر تشريعياً أولى من غيره بالاستفادة من المعدن ، وممارسة العمل فيه عن طريق الحفرة التي حفرها لاكتشافه ؛ لأنّه هو الذي خلق فرصة الاستفادة من المعدن عن طريق تلك الحفرة التي انفق عليها جهده وعمله ، ونفذ منها إلى المواد المعدنية في أعماق الأرض . فمن حقّه أن يمنع الآخرين عن استغلال الحفرة في الحدود التي تزاحمه ، ولا يجوز لأيّ فردٍ آخر استخدام تلك الحفرة في سبيل الحصول على مواد معدنية بشكل يزاحم صاحب الحفرة .
وفي ضوء ما مرّ بنا من نصوص فقهية ونظريّات عن المناجم ، يمكننا أن نستخلص : أنّ المناجم ـ في الرأي الفقهي السائد ـ من المشتركات العامة ، فهي تخضع لمبدأ الملكية العامة ، ولا يسمح للفرد بتملّك عروقها وينابيعها المتوغّلة في الأرض . وأمّا تملّك الفرد للمادة المعدنية في الأرض بالقدر الذي تمتدّ إليه أبعاد الحفرة عمودياً وأفقياً فهو موضع خلاف ، بين رأي فقهي سائد ، واتجاه فقهي
[1]انظر : جواهر الكلام 38 : 114 .
آخر . ففي الرأي السائد فقهياً : يمنح الفرد حقّ تملّك المعدن في تلك الحدود إذا كان المعدن باطناً مستتراً . وفي الاتجاه الفقهي المعاكس : يعطى الفرد حقّ تملّك ما يستخرجه من المادة المعدنية فحسب ، ويعتبر أولى بالاستفادة من المعدن ، واستخدام حفرته في هذا السبيل من أيّ شخص آخر .
هل تُملك المعادن تبعاً للأرض ؟
كنّا نريد بالمعادن حتى الآن : المناجم التي توجد في أرض حرّة لا يختصّ بها أحد من الأفراد . وقد أسفر البحث عن النتيجة التي استخلصناها قبل لحظة ، ويجب أن نلاحظ الآن أنّ هذه النتيجة هل تستوعب المناجم التي توجد في أرض يختصّ بها فرد معيّن ، أو أنّ هذه المناجم تصبح ملكاً لذلك الفرد ؛ باعتبار وجودها في أرضه ؟
والحقيقة : أنّا لا نجد مانعاً من تطبيق النتيجة التي أسفر عنها البحث على هذه المناجم ـ ما لم يوجد إجماع تعبّدي ـ ، لأنّ وجودها في أرض فرد معيّن ليس سبباً كافياً ، من الناحية الفقهية ، لتملّك ذلك الفرد لها ؛ لأنّنا عرفنا في بحث سابق : أنّ اختصاص الفرد بالأرض لا يَنشأ إلاّ من أحد سببين : وهما الإحياء ، ودخول الأرض في دار الإسلام بإسلام أهلها عليها طوعاً . فالإحياء يُنتج حقّاً للمحيي في الأرض التي أحياها ، وإسلام الشخص على أرضه طوعاً يجعل الأرض ملكاً له . وكلّ من هذين السببين لا يمتدّ أثره إلى المناجم الموجودة في أعماق الأرض ، وإنّما يقتصر أثره على الأرض نفسها ، وفقاً للدليل الشرعي الوارد بشأن كلّ منهما . فالدليل الشرعي بالنسبة إلى الإحياء هو النصّ التشريعي القائل : ( أنّ من أحياء أرضاً فهي له وهو أحقّ بها ، وعليه طَسقها ) . ومن الواضح أن هذا النصّ يمنح
المُحيي حقّاً في الأرض التي أحياها ، لا فيما تضمّ الأرض من ثروات لا تزال في الأعماق .
وأمّا الدليل الشرعي على ملكية الفرد للأرض التي أسلم عليها أهلها طوعاً فهو : أنّ الإسلام يحقن الدم والمال ، فمن أسلم حُقن دمه وسلمت أمواله التي كان يملكها قبل الإسلام . وهذا المبدأ ينطبق على الأرض نفسها ، ولا ينطبق على المناجم التي تضمّها ؛ لأنّ الشخص الذي أسلم لم يكن قبل إسلامه يملك تلك المناجم فتحفظ له .
وبكلمة أخرى : أنّ مبدأ حقن الدم والمال بالإسلام لا يشرّع ملكية جديدة ، وإنّما يحفظ للشخص بسبب دخوله في الإسلام ما كان يملكه من أموال قبل ذلك . وليست المناجم من تلك الأموال ليملكها بالإسلام ، وإنّما يحفظ له إسلامه أرضه التي كانت له سابقاً ، فيظلّ مالكاً لها بعد الإسلام ، ولا تنتزع منه .
ولا يوجد في الشريعة نصّ على أنّ ملكية الأرض تمتدّ إلى كلّ ما فيها من ثروات .
وهكذا نعرف : أن بالإمكان فقهياً ـ إذا لم يوجد إجماع تعبدي ـ القول : بأنّ المناجم التي توجد في الأراضي المملوكة أو المختصة ليست ملكاً لأصحاب الأراضي ، وإن وجب لدى استثمارها أن يلاحظ حقّ صاحب الأرض في أرضه ؛ لأنّ إحياء تلك المناجم واستخراجها يتوقّف على التصرّف في الأرض .
ويبدو أنّ الإمام مالك ذهب إلى هذا القول وأفتى بأنّ المعدن الذي يظهر في أرض مملوكة لشخص لا يكون تابعاً للأرض ، بل هو للإمام . فقد جاء في مواهب الجليل ما يلي : ( قال ابن بشير : وإن وُجد في أرض مملوكة لمالك معيّن ففيها ثلاثة أقوال :