ولكي نستوعب هذا التعريف يجب أن نعرف : أنّ جميع مصادر الثروة الطبيعية الخام[1]في الإسلام لا يجوز للفرد العمل فيها وإحياؤها ما لم يسمح الإمام أو الدولة بذلك ، سماحاً خاصاً أو عاماً[2]، كما سيأتي ـ في فصل مقبل ـ عند دراسة مبدأ تدخّل الدولة ، الذي يتيح لها الإشراف على الإنتاج ، وتوزيع العمل والفرص بشكل سليم . فمن الطبيعي للإمام على أساس هذا المبدأ أن يقوم باستثمار تلك المصادر بممارسة ذلك مباشرة ، أو بإيجاد مشاريع جماعية ، أو بمنح فرص استثمارها للأفراد ، تبعاً للشروط الموضوعية والإمكانات الإنتاجية التي تتوفّر في المجتمع من ناحية ، ومتطلبات العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام من ناحية أخرى .
فبالنسبة إلى معدن خام ـ مثلاً ـ كالذهب قد يرى من الأفضل أن تمارس الدولة استخراجه ، وإعداد الكمّيات المستخرجة في خدمة الناس . وقد يجد الإمام ذلك غير ممكن عملياًً ، لعدم توفّر إمكانات الإنتاج المادّية ، لاستخراج الكمّيات الضخمة من قبل الدولة ابتداءً ، فيرجح إنتاج الأسلوب الآخر ، بالسماح للأفراد أو الجماعات بإحياء منجم الذهب واستخراجه ، لتفاهة الكمّيات التي يمكن استخراجها . وهكذا يقرّر الإمام أسلوب استثمار الخام من المصادر
= وكتب الماوردي يقول : ( فمن خصّه الإمام به وصار بالإقطاع أحقّ الناس به لم يستقر ملكه عليه قبل الإحياء ) . الأحكام السلطانية 2 : 191 .
وقال العلاّمة الحلّي : (فائدة الإقطاع تصيِّر المُقطَع أحقّ بإحيائه ) . تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 411 (المؤلّف(قدّس سرّه))
[1]أي : الموات التي لم تستثمر بعد .
[2]جواهر الكلام 16 : 133 ـ 134 و 38 : 11 .
الطبيعية ، وسياسة الإنتاج العامة ، في ضوء الواقع الموضوعي والمثل المتبنى للعدالة .
وفي هذا الضوء نستطيع أن نفهم دور الإقطاع ومصطلحه الفقهي ، فهو أسلوب من أساليب استثمار المواد الخام ، يتّخذه الإمام حين يرى أنّ السماح للأفراد باستثمار تلك الثروات أفضل الأساليب للاستفادة منها في ظرف معيّن . فإقطاع الإمام منجم الذهب لشخص معناه السماح له بإحياء ذلك المنجم واستخراج المادّة منه . ولذلك لا يجوز للإمام إقطاع الفرد ما يزيد على طاقته ويعجز عن استثماره ، كما نصّ على ذلك العلاّمة الحلّي في (التحرير)[1]، و(التذكرة)[2]، وفقهاء شافعيون وحنابلة[3]؛ لأنّ الإقطاع الإسلامي هو السماح للفرد باستثمار الثروة المقْطَعة ، والعمل عليها ، فإذا لم يكن الفرد قادراً على العمل لم يكن الإقطاع مشروعاً . فهذا التحديد من الإقطاع يعكس بوضوح طبيعة الإقطاع ، بوصفه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل واستثمار الطبيعة .
ولم يعتبر الإسلام الإقطاع سبباً لتملّك الفرد المقطع المصدر الطبيعي الذي أقطعه الإمام إياه ؛ لأنّ هذا ممّا يحرفه عن وصفه أسلوباً من أساليب الاستثمار ، وتقسيم الطاقات العملية . وإنّما جعل للفرد المُقطَع حقّاً في استثمار المصدر الطبيعي ، وهذا الحقّ يعني أنّ له العمل في ذلك المصدر ولا يجوز لغيره انتزاعه منه والعمل فيه بدلاً عنه ، كما صرح بذلك العلاّمة الحلّي في (القواعد) ، قائلاً : بأنّ
[1]تحرير الأحكام الشرعية 2: 131 .
[2]تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2: 411 .
[3]راجع : نهاية المحتاج 5 : 341 ، ومغني المحتاج 2 : 368 ، والمغني 6 : 166 .
الإقطاع يفيد الاختصاص .[1]، وكذلك الشيخ الطوسي في (المبسوط) إذ كتب يقول : ( إذا أقطع السلطان رجلاً من الرعية قطعة من المَوَات ، صار أحقّ بها من غيره بإقطاع السلطان ، بلا خلاف )[2].
وقال الحطّاب في مواهب الجليل ، يتحدّث عن إقطاع الإمام للمعدن : حيث يكون نظر المعدن للإمام فإنّه ينظر فيه بالأصلح جباية وإقطاعاً ... إنّما يَقطَعه انتفاعاً لا تمليكاً ، فلا يجوز بيعه من أقطعه ... ولا يورث عمّن أقطعه ؛ لأنّ ما لا يملك لا يورث ، وفي إرث نيل أدرك قول[3].
فالإقطاع إذن ليس عملية تمليك ، وإنّما هو حقّ يمنحه الإمام للفرد في مصدر طبيعي خام ، فيجعله أولى من غيره باستثمار الجزء الذي حُدد له من الأرض أو المعدن ، تبعاً لقدرته وإمكاناته .
ومن الواضح أنّ منح هذا الحقّ ضروري ؛ مادام الإقطاع كما عرفنا أسلوباً من أساليب تقسيم الطاقات والقوى العامة ، على المصادر الطبيعية بقصد استثمارها ؛ لأنّ الإقطاع لا يمكن أن يقوم بدوره هذا وينجز تقسيم القوى العاملة على المصادر الطبيعية وفقاً لمخطط عام ما لم يتمتّع كلّ فردٍ بحقّ استثمار ما أقطع من تلك المصادر ، يكون بموجبه أولى من غيره بإحيائه والعمل فيه . فمردّ هذا الحقّ إلى ضمان ضبط التقسيم ، وإنجاح الإقطاع بوصفه أسلوباً لاستثمار المصادر الطبيعية ، وتقسيمها بين القوى العاملة على أساس الكفاءة .
وهكذا نجد أنّ الفرد من حين إقطاع الإمام له أرضاً أو شيئاً من المعدن
[1]قواعد الأحكام 2 : 269 .
[2]المبسوط 3 : 273 .
[3]مواهب الجليل 2 : 336 .
وحتى يمارس العمل ـ أي في فترة الاستعداد وتهيئة الشروط اللازمة التي تتخلّل بين الإقطاع والبدء في العمل ـ ليس له أيّ حقّ سوى العمل في تلك المساحة المحدّدة من الأرض ، أو ذلك الجزء المعيّن من المنجم الذي يسمح له بالإحياء والاستثمار ، ويمنع الآخرين من مزاحمته في ذلك ؛ لئلا يضطرب الأسلوب الذي اتّبعه الإمام في استثمار المصادر الطبيعية ، وتقسيم الطاقات عليها وفقاً لكفايتها .
وهذه الفترة التي تتخلّل بين الإقطاع والبدء في العمل ، يجب أن لا تطول ؛ لأنّ الإقطاع لم يكن معناه تمليك الفرد أرضاً أو معدناً ، وإنّما هو تقسيم للعمل الكلّي على المصادر الطبيعية على أساس الكفاءة . فليس من حقّ الفرد المقطَع أن يؤجّل موعد العمل دون مبرّر ؛ لأنّ مسامحته في البدء بالعمل تعيق عن إنجاح الإقطاع بوصفه استثماراً للمصادر على أساس تقسيم العمل ، كما كانت مزاحمة الغير له في العمل ـ بعد أن وظّف من قبل الدولة ـ باستثمار ذلك الجزء الخاص الذي تمّ إقطاعه له معيقة أيضاً عن أداء الإقطاع لدوره الإسلامي .
ولهذا نجد الشيخ الطوسي في المبسوط يقول عن الفرد المقطَع : ( إنّ أخّر الإحياء ، قال له السلطان : إمّا أن تُحييها أو تخلّي بينها وبين غيرك حتى يُحييها . فإن ذكر عذراً في التأخير واستأجل في ذلك أجلّه السلطان ، وإن لم يكن له عذر في ذلك ، وخيره السلطان بين الأمرين فلم يفعل ، أخرجها من يده )[1].
وجاء في مفتاح الكرامة : ( أنّه لو اعتذر بالإعسار فطلب الإمهال إلى اليسار ، لم يُجب إلى طلبه ؛ لأنّه لعدم الأمد يستلزم التطويل ، فيفضي إلى
[1]المبسوط 3 : 273 .
التعطيل )[1].
وقال الإمام الشافعي : ومن أُقطَع أرضاً أو تحجّرها فلم يعمرها ، رأيت للسلطان أن يقول له : إن أحييتها وإلاّ خلّينا بينها وبين من يُحييها . فإن تأجّله رأيت أن يفعل[2].
وجاء في الرواية عن الحرث بن بلال بن الحرث أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أقطع بلال بن الحرث العقيق ، فلمّا ولي عمر بن الخطاب قال : ما أقطعك لتحتجنه ، فأقطعه الناس[3].
هذا هو كل دور الإقطاع وأثره في الفترة المتخلّلة بينه وبين العمل ، وهي الفترة التي يؤثّر فيها الإقطاع من الناحية التشريعية أثره . وهذا الأثر لا يتجاوز ـ كما عرفنا ـ حقّ العمل الذي يجعل من الإقطاع أسلوباً تستعمله الدولة في بعض الظروف لاستثمار المصادر الطبيعية ، وتقسيم الطاقات العاملة على تلك المصادر تبعاً لمدى كفاءتها .
وأمّا بعد ممارسة الفرد للعمل في الأرض أو المعدن ، فإنّ الإقطاع لا يبقى له أثر من الناحية التشريعية ، بل يحلّ العمل محلّه ، فيصبح للفرد من الحقّ في الأرض أو المعدن ما تقرّره طبيعة العمل ، وفقاً للتفصيلات التي مرّت بنا .
وهذه الحقيقة عن الإقطاع التي تبرزه بوصفه أسلوباً إسلامياً لتقسيم العمل ، نجد ما يبرهن عليها إضافة إلى ما سبق ، من نصوص وأحكام في التحديد الذي وضعته الشريعة للإقطاع ، فقد حدّد الإقطاع المسموح به في الشريعة بـ : المصادر
[1]مفتاح الكرامة 7 : 47 ، مع تصرّف يسير في العبارة .
[2]الأمّ ، مختصر المزني : 131 .
[3]المغني 6 : 169 ، والأموال 348 ، الحديث 679، مع اختلاف .
الطبيعية التي من شأن العمل فيها أن يمنح العامل حقّاً أو لوناً من الاختصاص بها ، وهي المَوَات في العرف الفقهي . فلا يجوز إقطاع المرافق الطبيعية التي لا يتولّد فيها عن العمل أيّ حقّ أو اختصاص ؛ كما نصّ على ذلك الشيخ الطوسي في (المبسوط) ، ممثّلاً لهذا النوع من المرافق بـ : المواضع الواسعة في الطرقات[1]. فإن المنع عن إقطاع هذا النوع من المرافق وتحديد الإقطاع بالموات خاصة ، يدلّ بكلّ وضوح على الحقيقة التي تبيّنّاها ، ويثبت : أنّ وظيفة الإقطاع من الناحية التشريعية ليست إلاّ إعطاء حقّ العمل في مصدر طبيعي معيّن لغرض خاصّ بوصفه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل على المصادر الطبيعية التي هي بحاجة إلى إحياء وعمل . وأمّا حقّ الفرد في نفس المصدر الطبيعي فيقوم على أساس العمل لا الإقطاع .
فإذا كان المصدر الطبيعي من المرافق التي ليست بحاجة إلى إحياء وعمل ، ولا يؤدّي فيها العمل إلى حقّ خاص للعامل ، فلا يجوز الإقطاع ؛ لأنّ الإقطاع بالنسبة إلى هذه المرافق يفقد معناه الإسلامي لأنّها ليست بحاجة إلى عمل ، ولا أثر للعمل فيها حتى يمنح حقّ العمل فيها لفرد من الأفراد . بل يعود الإقطاع بالنسبة إلى هذه المرافق مظهراً من مظاهر احتكار الطبيعة واستغلالها ، وهذا لا يتّفق مع المفهوم الإسلامي للإقطاع ووظيفته الأصيلة ، ولهذا منعت منه الشريعة ، وحددت الإقطاع الجائز بذلك النوع من المصادر الطبيعية التي هي بحاجة إلى عمل .
الإقطاع في الأرض الخَراجية :
بقي شيء آخر قد يطلق عليه اسم : (الإقطاع) في العرف الفقهي ، وليس هو
[1]انظر : المبسوط 3 : 276 .
إقطاعا في الحقيقة ، وإنّما هو تسديد لأجرة على خدمة .
وموضع هذا الإقطاع هو الأرض الخَراجية ، التي تعتبر مِلكاً للأمّة ، إذ قد يتّفق للحاكم أن يمنح فرداً شيئاً من الأرض الخَراجية ، ويسمح له بالسيطرة على خراجها .
وهذا التصرّف من الحاكم وإن عبّر في مدلوله التأريخي أحياناً ـ وبدون حقّ ـ عن عملية تمليك سافرة لرقبة الأرض ، ولكنّه في مدلوله الفقهي وحدوده المشروعة لا يعني شيئاً من ذلك ، وإنّما يعتبر أسلوباً في تسديد الأجور والمكافآت التي تلتزم الدولة بدفعها إلى الأفراد ، نظير ما يقدّمون من أعمال وخدمات عامة .
ولكي نعرف ذلك يجب أن نستذكر أنّ الخَراج ـ وهو المال الذي تتقاضاه الدولة من المزارعين ـ يعتبر مِلكاً للأمّة ، تبعاً لملكية الأرض نفسها . ولهذا يجب على الدولة أن تصرف أموال الخَراج في المصالح العامّة للأمّة ، كما نصّ على ذلك الفقهاء[1]، ممثِّلين لتلك المصالح بمؤنة الولاة والقضاة وبناء المساجد والقناطر ، وغير ذلك ؛ لأنّ الولاة والقضاة يقدّمون خدمة للأمّة ، فيجب أن تقوم الأمّة بمؤنتهم ، كما أنّ المساجد والقناطر من المرافق العامة التي ترتبط بحياة الناس جميعاً ، فيجوز إنشاؤها من أموال الأمّة وحقوقها في الخراج .
وواضح أنّ قيام الدولة بمؤنة الوالي والقاضي ، أو مكافأة أيّ فردٍ قدّم خدمة عامّة لمجموع الأمّة ، قد يكون بإعطاء الدولة له من بيت المال مباشرة ، وقد يكون أيضاً بالسماح له بالحصول مباشرة على ريع بعض أملاك الأمّة . والدولة تتبع عادةً
[1]كالشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 34 ، وابن إدريس في السرائر 1 : 477 ، والعلاّمة الحلّي في منتهى المطلب (ط. الحجرية) 2 : 963 .
الأسلوب الثاني ، إذا كانت لا تتمتّع بإدارة مركزية قوية .
ففي المجتمع الإسلامي قد تسدّد أجور ونفقات الأفراد الذي يقدّمون خدمات عامّة للأمّة بصورة نقدية ، كما قد يتفق ـ تبعاً لظروف الإدارة في الدولة الإسلامية ـ أن تسدّد تلك الأجور والنفقات عن طريق منح الدولة للفرد الحقّ في السيطرة على خَراج أرض محدودة من أراضي الأمّة وأخذه من المزارع مباشرة ، باعتباره أجرة للفرد على الخدمة التي يقدّمها للأمّة ، فيطلق على هذا اسم : (الإقطاع) . ولكنّه ليس إقطاعاً في الحقيقة ؛ وإنّما هو تكليف للفرد بأن يتقاضى أجره من خَراج مساحة معيّنة من الأرض ، يحصل عليه عن طريق الاتصال بالمزارع .
فالفرد المقطَع يملك الخَراج بوصفه أجرة على خدمةٍ عامة قدّمها للأمّة ، ولا يملك الأرض ولا يوجد له أيّ حقّ أصيل في رقبتها ولا في منافعها ، ولا تخرج بذلك الأرض عن كونها مِلكاً للمسلمين ، ولا عن وصفها أرضاً خَراجية كما نصّ على ذلك المحقّق الفقيه السيد محمّد بحر العلوم في (بلغته) . وهو يحدّد هذا النوع من الإقطاع ـ أي : إقطاع الأرض الخَراجية ـ فقد كتب يقول : ( إنّ هذا الإقطاع لا يُخرج الأرض عن كونها خَراجية ؛ لأنّ معناه كون خَراجها للفرد المقطَع ، لا خروجها عن الخَراجية )[1].
الحمى في الإسلام :
(الحُمى) مفهوم قديم عند العرب ، يعبِّر عن المساحات الشاسعة من مَوات الأرض ، يحتكرها الأفراد والأقوياء لأنفسهم ، ولا يسمحون للآخرين بالاستفادة
[1]بلغة الفقيه 1 : 249 .