بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 578

الحفيرة مِلكاً بالحيازة ، وبدون الحيازة والعمل لا يملك من الماء شيئاً ، كما أكّد على ذلك الشيخ الطوسي في المبسوط ، إذ قال : أنّ المباح من ماء البحر والنهر الكبير ، مثل دجلة والفرات ومثل العيون النابعة في موات السهل والجبل ، فكلّ هذا مباح ، ولكلّ واحد أن يستعمل منه ما أراد وكيف شاء بلا خلاف ، لخبر ابن عبّاس المتقدّم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): ( إنّ الناس شركاء في ثلاث : الماء ، والنار ، والكلأ )[1]، وإن زاد هذا الماء فدخل إلى أملاك الناس واجتمع فيها لم يملكوه[2].

فالعمل إذن هو : أساس تملّك ما يسيطر عليه الشخص من مياه تلك المصادر . وأمّا دخول شيء من تلك المياه في سيطرة الشخص ، بتسرب الماء من النهر إلى منطقته دون عمل منه ، فلا يبرّر تملّكه له ، بل يبقى الماء على إباحته العامة ، ما لم يُبذل عمل في حيازته .

وأمّا القسم الثاني من المصادر الطبيعية للماء : وهو ما كان مكنوزاً ومستتراً في باطن الأرض ، فلا يختصّ به أحد ما لم يعمل للوصول إليه ، والحفر لأجل كشفه ، فإذا كشفه إنسان بالعمل والحفر ، أصبح له حقّ في العين المكتشفة ، يجيز له الاستفادة منها ، ويمنع الآخرين من مزاحمته[3]؛ لأنّه هو الذي خلق بعمله فرصة الانتفاع بتلك العين ، فمن حقّه أن ينتفع بهذه الفرصة ، وليس للآخر ممّن لم يشاركه جهده في خلقها أن يزاحمه في الاستفادة منها ، ولذلك يصبح أولى بالعين من غيره ، ويملك ما يتجدّد من مائها ؛ لأنّه لون من ألوان الحيازة ، ولكنّه لا يملك

[1]مستدرك الوسائل 17 : 114 ، الباب 4 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 2 .

[2]المبسوط 3 : 282 .

[3]انظر : الروضة البهية 4 : 64 .


صفحه 579

نفس العين الموجودة في أعماق الطبيعة قبل عمله (*) ، ولذا كان يجب عليه إذا أشبع حاجته من الماء بذل الزائد للآخرين ، ولا يجوز له أن يطالبهم بمال عِوضاً عن شربهم وسقي حيواناتهم ؛ لأنّ المادة لا تزال من المشتركات العامة ، وإنّما حصل للمكتشف بعمله حقّ الأولوية بها ، فإذا أشبع حاجته كان للآخرين الانتفاع بها ، فقد جاء في حديث أبي بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام): ( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)نهي عن النطاف والأربعاء ، وقال : لا تبعه ، ولكن أعره جارك ، أو أخاك )[1].

والأربعاء : أن يسنّي مسنّاة فيحمل الماء فيسقي به الأرض ثمّ يستغني عنه . والنطاف : أن يكون له الشرب فيستغني عنه . وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام)أيضاً أنّه قال : ( النطاف : شرب الماء ليس لك إذا استغنيت عنه أن تبعه جارك ، تدعه له . والأربعاء : المسنّاة تكون بين القوم فيستغني عنها صاحبها ، قال : يدعها لجاره ، ولا يبيعها إياه ) (**) .

والشيخ الطوسي في المبسوط يقرّر أيضاً ما ذكرناه ، فيوضح : أنّ علاقة الفرد بعين الماء علاقة حقّ لا ملكٍ ، بالرغم من أنّه يملك في رأيه البئر ، أي : الحفرة التي حفرها وتوصّل عن طريقها إلى الماء : فقد قال : ( إنّ في كلّ موضع قلنا أنّه يملك البئر ، فإنّه أحقّ من مائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه ، فإذا فضل بعد ذلك شيء ، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته .. فأمّا الماء الذي حازه وجمعه في حِبّه ، أو جرّته ، أو كُوزه ، أو بركته ، أو بئره ـ أي : حفرة غير ذات مادّة ـ أو مصنعه ، أو غير ذلك ، فإنّه لا يجب عليه بذل

(*) راجع الملحق رقم 9 .

[1]وسائل الشيعة 25 : 415 ، الباب 7 من أبواب إحياء الموات ، الحديث الأوّل .

(**) راجع الملحق رقم 10 .


صفحه 580

شيء منه ، وإن كان فضلاً عن حاجته ، بلا خلاف ؛ لأنّه لا مادّة له )[1].

فالمادة ـ إذن ـ بوصفها مصدراً طبيعياً لا يمكن للفرد أن يمنع عنها الآخرين في الحدود التي لا تتعارض مع حقّه ؛ لأنّه لا يملك المادة على هذا الرأي وإنّما هو أحقّ بها نتيجة لخلقه الفرصة التي أتاحت الانتفاع بتلك المادة ، فما لا يتعارض مع حقّه في الانتفاع بالمادة يجب السماح به للآخرين .

[1]المبسوط 3 : 281 .


صفحه 581

بقيّه الثروات الطبيعّية

وأمّا الثروات الطبيعية الأخرى فتعتبر من المباحات العامة .

والمباحات العامة هي : الثروات التي يباح للأفراد الانتفاع بها ، وتملّك رقبتها ، فالإباحة في المباحات العامة إباحة تملّك لا مجرد إباحة انتفاع .

وقد أقام الإسلام الملكية الخاصة للمباحات العامّة علي أساس العمل لحيازتها على اختلاف ألوانه ، فالعمل لحيازة الطير هو الصيد ، والعمل لحيازة الخشب هو الاحتطاب ، والعمل لحيازة اللؤلؤ والمرجان هو الغوص في أعماق البحار مثلاً ، والعمل لحيازة الطاقة الكهربائية الكامنة في قوّة انحدار الشلالات هو بتحويل هذه القوّة إلى سيّال كهربائي . وهكذا تُملك الثروات المباحة بإنفاق العمل الذي تتطلّبه حيازتها .

ولا تملك هذا الثروات ملكيّة خاصة بدون العمل ، فلا يكفي دخولها في حدود سيطرة الإنسان لتصبح مِلكاً له ما لم ينفق عملاً إيجابياً في حيازتها ، فقد جاء في التذكرة للعلاّمة الحلّي هذا النصّ : ( لو زاد الماء المباح فدخل شيء منه مِلك إنسان ، قال الشيخ : لا يملكه كما لو وقع في ملك الغير مطر أو ثلج ومكث في ملكه ، أو فرّخ طائر في بستانه ، أو توحّل ضبي في أرضه ، أو وقعت سمكة في سفينته ، لم يملكه بذلك ، بل بالأخذ والحيازة )[1].

وجاء في كتاب القواعد للعلاّمة في أحكام الصيد : أنّ الصيد لا يتملّك بتوحّله في أرضه ، ولا بتعشيشه في داره ،

[1]تذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 406 .


صفحه 582

ولا بوثوب السمكة إلى سفينة .

وهذا هو أصحّ القوالين عند الفقهاء الشافعيّين ، كما نقله العلاّمة عنهم في التذكرة[1].

[1]وذلك في تفاصيل النصّ المتقدّم .


صفحه 583

النظريّة

الجانب السلبي من النظرية

الجانب الإيجابي من النظرية

تقييم العمل في النظرية


صفحه 584

صفحه 585

[ تمهيد : ]

انتهينا الآن من تحديد صورة دقيقة لبناء عُلْوي شامل من التشريع الإسلامي يضم مجموعة مهمّة من الأحكام ، التي تمّ وفقاً لها توزيع ما قبل الإنتاج ، وتنظيم حقوق الأفراد والمجتمع والدولة في الثروات الطبيعية التي يزخر بها الكون .

وباستيعاب هذا البناء العُلْوي من التصميم الإسلامي نكون قد قطعنا نصف المسافة في طريق اكتشاف النظرية ، وبقي علينا البحث الأساسي من الناحية المذهبية الذي يجب أن نكشف فيه القواعد والنظرّيات العامة ، التي يقوم على أساسها البناء العُلْوي ، ويرتكز عليها ذلك الحشد من الأحكام التي مرّت بنا ، وهذا هو النصف الثاني من عملية الاكتشاف التي تنطلق من البناء العُلْوي إلى القاعدة ، ومن التفصيلات التشريعية إلى العموميات النظرية .

وقد اتبعنا دائماً في عرض تلك التشريعات والأحكام والتعبير عنها طريقةً تعكس باستمرار ووضوح الترابط النظري الوثيق بين هذه الأحكام ، الأمر الذي سوف يساهم في هذه المرحلة الجديدة من عملية الاكتشاف ، ويساعد على