بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 59

المنتجة النامية وعلاقات المِلكية القائمة ، ينعكس على الصعيد الاجتماعي دائماً ، في الصراع بين طبقتين :

أحداهما : الطبقة الاجتماعية التي تتّفق مصالحها مع نموّ القوى المنتجة ، ومستلزماته الاجتماعية .

والأخرى : الطبقة الاجتماعية التي تتّفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة ، وتتعارض منافعها مع متطلّبات المدّ التطوّري للقوى المنتجة .

ففي المرحلة التأريخية الحاضرة ـ مثلاً ـ يقوم التناقض بين نموّ القوى المنتِجة ، والعلاقات الرأسمالية في المجتمع . ويشبّ الصراع تبعاً لذلك بين الطبقة العاملة التي تقف إلى صف القوى المنتِجة في نموّها ، وترفض ـ بإصرار ووعي طبقي ـ علاقات الملكية الرأسمالية ، وبين الطبقة المالكة ، التي تقف إلى جانب العلاقات الرأسمالية في المِلكية ، وتستميت في الدفاع عنها .

وهكذا يجد التناقض ، بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية ـ دائماً ـ ، مدلوله الاجتماعي ، في التناقض الطبقي .

ففي كيان المجتمع ـ إذن ـ تناقضان :

الأوّل : التناقض بين نموّ القوى المنتِجة وعلاقات المِلكية السائدة ، حين تصبح معيقة لها عن التكامل .

والثاني : التناقض الطبقي بين طبقة من المجتمع تخوض المعركة لحساب القوى المنتجة ، وطبقة أخرى تخوضها لحساب العلاقات القائمة . وهذا التناقض الأخير هو التعبير الاجتماعي والانعكاس المباشر للتناقض الأوّل .

ولما كانت وسائل الإنتاج هي القوى الرئيسية في دنيا التأريخ ، فمن الطبيعي أن تنتصر في صراعها ، مع علاقات المِلكية ومخلّفات المرحلة القديمة ، فتقضي


صفحه 60

على الأوضاع الاقتصادية التي أصبحت في تناقض معها ، وتقيم علاقات وأوضاعاً اقتصادية تواكبها في نموّها وتنسجم مع مرحلتها .

ومعنى ذلك بالتعبير الاجتماعي : أنّ الطبقة الاجتماعية التي كانت تقف في المعركة إلى صف القوى المنتجة ، هي التي يكتب لها النصر على الطبقة الأخرى التي كانت تناقضها وتحاول الاحتفاظ بعلاقات المِلكية كما هي .

وحين تنتصر قوى الإنتاج على علاقات المِلكية ، وبمعنى آخر : تفوز الطبقة الحليفة لوسائل الإنتاج على نقيضتها ، حينئذٍ تتحطّم علاقات الملكية القديمة ، ويتغيّر الوجه الاقتصادي للمجتمع . وتغيّر الوضع الاقتصادي بدوره يزعزع كلّ البناء العُلوي الهائل للمجتمع ؛ من سياسةٍ ، وأفكارٍ ، وأديانٍ ، وأخلاق ؛ لأنّ هذه الجوانب كلّها كانت تقوم على أساس الوضع الاقتصادي ، فإذا تبدّل الأساس الاقتصادي تغيّر وجه المجتمع كلّه .

والمسألة لا تنتهي عند هذا الحدّ ! فإنّ التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية ، أو التناقض بين الطبقتين الممثِّلَتَين لتلك القوى والعلاقات ، إنّ هذا التناقض وإنْ وجد حلّه الآني في تغيّر اجتماع شامل ، غير أنّه حلٌّ موقوت ؛ لأنّ القوى المنتِجة تواصل نموّها وتطوّرها حتى تدخل مرّة أخرى في تناقض مع علاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية الجديدة ، ويتمخّض هذا التناقض عن ولادة طبقة اجتماعية جديدة تتّفق مصالحها مع النموّ الجديد في قوى الإنتاج ومتطلّباته الاجتماعية . بينما تصبح الطبقة التي كانت حليفة لقوى الإنتاج خصماً لها منذ تلك اللحظة التي بدأت الوسائل المنتجة تتناقض مع مصالحها ، وما تحرص عليه من علاقات الملكية ، فتشتبك الطبقتان في معركة جديدة ، كمدلول اجتماعي للتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية . وينتهي هذا الصراع إلى نفس


صفحه 61

النتيجة التي أدّى إليها الصراع السابق ، فتنتصر قوى الإنتاج على علاقات المِلكية ، وبالتالي تنتصر الطبقة الحليفة لها ، ويتغير تبعاً لذلك الوضع الاقتصادي ، وكل الأوضاع الاجتماعية .

وهكذا ، فإنّ علاقات المِلكية ، والأوضاع الاقتصادية ، تظلّ محتفظة بوجودها الاجتماعي ما دامت القوى المنتِجة تتحرّك ضمنها وتنمو ، فإذا أصبحت عقبة في هذا السبيل أخذت التناقضات تتجمّع حتى تجد حلّها في انفجار ثوري ، تخرج منه وسائل الإنتاج منتصرة وقد حطّمت العقبة من أمامها ، وأنشأت وضعاً اقتصادياً جديداً ، لتعود بعد مدّة من نموّها ، إلى مصارعته من جديد ؛ طبقاً لقوانين الديالكتيك ، حتى يتحطّم ويندفع التأريخ إلى مرحلة جديدة .

المادّية التأريخية والصفة الواقعة :

وقد دأب الماركسيون على القول بـ : أنّ المادّية التأريخية هي الطريقة العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي ، التي قفزت بالتأريخ إلى مصافّ العلوم البشرية الأخرى ، كما حاول بعض الكتّاب الماركسيين ـ بإصرار ـ اتهام المناوئون للمادّية التأريخية والمعارضين لطريقتها ، في تفسير الإنسان المجتمعي : بأنّهم أعداء علم التأريخ ، وأعداء الحقيقة الموضوعية ، التي تدرسها المادّية التأريخية وتفسّرها . ويبرّر هؤلاء اتهامهم هذا بـ : أنّ المادّية التأريخية تقوم على أمرين :

أحدهما: الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية .

والآخر : أنّ الأحداث التأريخية لم تُخلق صدفة ، وإنّما وُجدت وفقاً لقوانين عامة يمكن دراستها وتفهّمها . فكلّ معارضة للمادّية التأريخية مردّها إلى المناقشة في هذين الأمرين .


صفحه 62

وعلى هذا الأساس كتب بعض الماركسيين يقول :

( قد دأب أعداء المادّية التأريخية ، أعداء علم التأريخ ، على أن يفسّروا الاختلافات في إدراك الأحداث التأريخية على أنّها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة ، ويؤكّدون أنّنا قد نختلف في وصف حادث وقع قبل يوم ، فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون ؟! )[1].

وقد شاء الكاتب ـ بهذا ـ أن يفسّر كلّ معارضة للمادّية التأريخية على أساس أنّها محاولة للتشكيك في الجانب الموضوعي للتأريخ ، وفي الحقائق الموضوعية للأحداث التأريخية . وهكذا يحتكر الكاتب الإيمان بالواقع الموضوعي ، لمفهومه التأريخي الخاص .

ولكن من حقّنا أن نتساءل : هل إنّ عداء المادّية التأريخية يعني حقاً التشكيك في وجود الحقيقة خارج شعور الباحث وإدراكه ، أو إنكارها ؟ .

والواقع أنّنا لا نجد في هذه المزاعم شيئاً جديداً على الصعيد التأريخي ؛ فقد استمعنا إلى هذا اللون من المزاعم قبل ذلك في الحقل الفلسفي ، حين تناولنا في(فلسفتنا) المفهوم الفلسفي للعالم ؛ فإنّ الماركسيين كانوا يصرّون : أنّ المادّية ، أو المفهوم المادّي للعالم ، هون وحده الاتّجاه الواقعي في مضمار البحث الفلسفي ؛ لأنّه اتّجاه قائم على أساس الإيمان بالواقع الموضوعي للمادّة ، وليس للمسألة الفلسفية جواب إذا انحرف البحث عن الاتّجاه المادّي ، إلاّ المثالية التي تكفر بالواقع الموضوعي ، وتنكر وجوده المادة . فالكون إمّا أن يفسّر تفسيراً مثالياً لا مجال فيه لواقع موضوعي مستقل عن الوعي والشعور ، وإمّا أن يفسّر بطريقة علمية

[1]الثقافة الجديدة ، السنة 7 ، العدد 11 : 10 .


صفحه 63

على أساس المادّية الديالكتيكة !!

وقد مرّ بنا ـ في ( فلسفتنا ) ـ أنّ هذه الثنائية تزوير على البحث الفلسفي يُستهدف من ورائه اتّهام كلّ خصوم المادّية الجدلية بأنّهم تصوّريون مثاليون ، لا يؤمنون بالواقع الموضوعي للعالم ، بالرغم من أنّ الإيمان بهذا الواقع ليس وقفاً على المادّية الجدلية فحسب ، ولا يعني رفضها بحال من الأحوال التشكيك في هذا الواقع أو إنكاره ...

وكذلك القول في حقلنا الجديد ، فإنّ الإيمان بالحقيقة الموضوعية للمجتمع ، ولأحداث التأريخ ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادّي ، فهناك واقع ثابت لأحداث التأريخ وكلّ حدث في الحاضر أو الماضي قد وقع فعلاً بشكل معيّن خارج شعورنا بتلك الأحداث ، وهذا ما نتفق عليه جميعاً . وليس هو من مزايا المادّية التأريخية فحسب ، بل يؤمن به كل من يفسّر أحداث التأريخ أو تطوّراته بالأفكار ، أو بالعامل الطبيعي ، أو الجنسي ، أو بأيّ شيء آخر من هذه الأسباب . كما تؤمن به الماركسية لتي تفسّر التأريخ بتطوّر القوى المنتجة .

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية هو نقطة الانطلاق لكلّ تلك المفاهيم عن التأريخ ، والبديهة الأُولى التي تقوم تلك التفسيرات المختلفة على أساسها .

* * *

وشيء آخر : هو أنّ أحداث التأريخ بصفتها جزءاً من مجموعة أحداث الكون ، تخضع للقوانين العامة التي تسيطر على العالم. ومن تلك القوانين مبدأ العلّية ، القائل : إنّ كلّ حدث ، سواء أكان تأريخياً أو طبيعياً ، أم أيّ شيء آخر ، لا يمكن أن يوجد صدفةً وارتجالاً ، وإنّما هو منبثق عن سبب . فكلّ نتيجة مرتبطة بسببها ، وكلّ حادث متّصل بمقدّماته . وبدون تطبيق هذا المبدأ ـ مبدأ العلّية ـ على المجال التأريخي يكون البحث التأريخي غير ذي معنى .

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التأريخ ، والاعتقاد بأنّها تسير وفقاً


صفحه 64

لمبدأ العلّية هما الفكرتان الأساسيّتان لكلّ بحثٍ علمي في تفسير التأريخ ؛ وإنّما يدور النزاع بين التفاسير والاتّجاهات المختلفة في درس التأريخ ، حول العلل الأساسية والقوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع . فهل هي القوى المنتِجة ، أو الأفكار ، أو الدم ، أو الأوضاع الطبيعية ، أو كلّ هذه الأسباب مجتمعةً ؟ .

والجواب على هذا السؤال ـ أيّاً كان اتجاهه ـ لا يخرج عن كونه تفسيراً للتأريخ ، قائماً على أساس الإيمان بحقيقة الأحداث التأريخية وتتابعها وفقاً لمبدأ العلّية .

* * *

وفيما يلي سنتناول المادّية التأريخية بصفتها طريقة عامة في فهم التأريخ وتفسيره ، وندرسها :

أوّلاً : على ضوء الأسس الفلسفية والمنطقية التي يتكوّن منها مفهوم الماركسية العام عن الكون .

وثانياً : بما هي نظرية عامة تحاول استيعاب التأريخ الإنساني .

وثالثاً : بتفاصيلها ، التي تحدّد مراحل التأريخ البشري ، والقفزات الاجتماعية على رأس كلّ مرحلة .


صفحه 65

2 ـ النظرية على ضوء الأُسس الفلسفية

في ضوء المادّية الفلسفية :

تؤمن الماركسية بأنّ التفسير المادّي للتأريخ من أهم مزايا المادّية الحديثة ؛ إذ لا يمكن بدونه إعطاء التأريخ تفسيراً صحيحاً يتجاوب مع المادّية الفلسفية ، ويتسق مع المفهوم المادّي للحياة والكون . وما دام التفسير المادّي صادقاً ـ في رأي الماركسية ـ على الوجود بصورة عامة فيجب أن يصدق بالنسبة إلى التأريخ ؛ لأنّ التأريخ ليس إلاّ جانباً من جوانب الوجود العام .

وعلى هذا الأساس تعيب الماركسية على مادّية القرن الثامن عشر موقفها من تفسير التأريخ ؛ لأنّ مادّية القرن الثامن عشر الميكانيكية لم توفّق إلى هذا الكشف المادّي الجبّار في الحقل التأريخي ، بل كانت مثالية في مفاهيمها عن التأريخ ، بالرغم من اعتناقها المادّية في المجال الكوني العام . ولماذا كانت في مفهومها التأريخي مثالية ؟ كانت كذلك ـ في رأي الماركسية ـ لأنّها آمنت بالأفكار والمحتويات الروحية للإنسان ، ومنحتها دوراً رئيسياً في التأريخي ، ولم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية التي كانت تعيشها أن تتخطّى هذه العوامل المثالية إلى السبب الأعمق ، إلى القوى المادّية الكامنة في وسائل الإنتاج ، فلم تصل لأجل هذا إلى العلّة المدية للتأريخ ، ولم يحالفها التوفيق في وضع تصميم


صفحه 66

علمي لمادّية تأريخية تتجاوب مع المادّية الكونية ؛ وإنّما ظلّت تتعلّق بالتفسيرات المثالية السطحية التي تدرس السطح التأريخي ولا تنفذ إلى الأعماق . قال أنجلز :

( وبالنسبة إلينا نجد في ميدان التأريخ أنّ المادّية القديمة لا تصدق مع ذاتها ؛ لأنّها تعتبر القوى المثالية المحرِّكة في التأريخ عِللاً نهائية ، وذلك بدلاً من البحث عمّا وراءها ، أيّ البحث عن القوى المحرّكة الفعلية الكامنة وراء هذه القوى المحرّكة ، ويبدو التناقض لا في الاعتراف بهذه القوى المثالية فحسب ، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى حتى يمكن إزاحة الستار عن العلّل المحرّكة )[1].

وأنا لا أريد في مجال بحثي هذا أن أتناول المادّية الفلسفية ؛ لأنّ ذلك ما قمت به في الحلقة الأولى ( فلسفتنا ) ، وإنّما أقصد أن أدرس هذا الربط الذي تزعمه الماركسية ، أو بعض كتّابها ، بين المادّية الفلسفية والمادّية التأريخية ، بطرح السؤال التالي :

هل من الضروري ، على أساس المادّية الفلسفية ، أن نفسّر التأريخ كما تفسّره الماركسية ونشدّ عجلته منذ فجر الحياة إلى الأبد بوسائل الإنتاج ؟

ولدى الجواب على هذا السؤال يجب أن نميّز بوضوح المفهوم الفلسفي للمادّية ، عن مفهومها التأريخي عند الماركسية ؛ فإنّ التباس أحد المفهومين بالآخر هو الذي أدّى إلى التأكيد الآنف الذكر على الارتباط بينهما ، وعلى أنّ كلّ فلسفة مادّية لا تتبنّى تفكير ماركس للتأريخ فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها ، في

[1]التفسير الاشتراكي للتأريخ : 57 .