بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 617

الملاحَظـات

1 ـ دراسة مقارنة للنظرية الإسلامية .

2 ـ ظاهرة الطَّسق وتفسيرها نظرياً .

3 ـ التفسير الخُلُقي للملكية في الإسلام .

4 ـ التحديد الزمني للحقوق الخاصة .


صفحه 618

صفحه 619

1 ـ دراسة مقارنة للنظرية الإسلامية .

رأينا أنّ الشريعة تسمح للأفراد باكتساب الحقوق الخاصة في المصادر الطبيعية ضمن الحدود التي تقرّرها النظرية العامة لتوزيع ما قبل الإنتاج ، والتصميم النظري لهذه الحقوق يختلف عن تصميمها في النظريات الرأسمالية والماركسية .

ففي المذهب الرأسمالي يسمح لكلّ فرد بتملّك المصادر الطبيعية على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية ، فكلّ ثروة يسيطر عليها الفرد يمكنه أن يعتبرها ملكاً له ، ما لم يتعارض ذلك مع حرّية التملّك الممنوحة للآخرين . فالمجال المسموح به من الملكية الخاصة لكلّ فردٍ لا يحدّده إلاّ صيانة حقّ الأفراد الآخرين في حرّية التملّك . وهكذا يستمدّ الفرد مبرّر ملكيّته من كونه حرّاً ، وغير مزاحم للآخرين في حرّياتهم .

وأمّا النظرية العامة للتوزيع التي درسناها فلا تعترف بحرّية التملّك بمفهومها الرأسمالي ، وإنّما تعتبر حقّ الفرد في المصدر الطبيعي الخام مرتبطاً بتملّكه لنتيجة عمله ، أو انتفاعه المباشر المستمرّ بذلك المصدر ، ولهذا يزول الحقّ


صفحه 620

إذا فقد كِلا هذين الأساسين .

فالحقوق الخاصة في المصادر الطبيعية تعتبر رأسمالياً مظهراً من مظاهر حرّية الإنسان التي يتمتّع بها في ظلّ النظام الرأسمالي ، بينما هي في الإسلام مظهر من مظاهر نشاط الإنسان وممارسته لأعمال الانتفاع والاستثمار .

وأمّا الماركسية فهي تؤمن بإلغاء كلّ لون من ألوان الملكية الخاصة للمصادر الطبيعية ، وسائر وسائل الإنتاج ، وتدعو إلى تحرير تلك الوسائل من الحقوق الخاصة ، إذ لم يعدّ لها مبرّر منذ دخل التأريخ المرحلة المحدّدة التي دقّت الصناعة الآلية أجراسها في عصر الإنسان الرأسمالي الحديث .

وإيمان الماركسية بضرورة هذا الإلغاء لا يعني ـ من الناحية النظرية التحليلية ـ أنّ الملكية الخاصة لا مبرّر لها في المفهوم الماركسي إطلاقاً ، وإنّما يعبّر عن إيمانها مذهبياً بأنّ الملكية الخاصة قد استنفدت كلّ أغراضها في حركة التأريخ ، ولم يبقَ لها مجال في تيار التأريخ الحديث ، بعد أن فقدت مبرّراتها وأصبحت قوّة معاكسة للتيّار .

ولكي نقارن بين النظرية الماركسية والإسلام ، يجب أن نعرف ما هي المبرّرات في النظرية الماركسية للملكيّة الخاصة ، وكيف فقدت في عصر الإنتاج الرأسمالي هذه المبرّرات ؟[1]

[1]نريد هنا بالنظرية الماركسية ، النظرية الاقتصادية للمذهب الماركسي لا نظرية ماركس في تفسير التأريخ وتحليله ؛ فإنّ الملكية تدرّس تارّة بوصفها ظاهرة تأريخية ، وهي بهذا الوصف تبرّر ماركسياً على أساس نظرية ماركس في التأريخ ، بظروف التناقض الطبقي وشكل الإنتاج ونوع القوى المنتجة . =


صفحه 621

إنّ الماركسية ترى : أنّ جميع الثروات الطبيعية الخام ليس لها بطبيعتها قيمة تبادلية ، وإنّما لها منافع استعمالية كثيرة ؛ لأنّ القيمة التبادلية لا توجد في ثروة إلاّ نتيجة لعمل بشري متجسّد فيها . فالعمل هو الذي يخلق القيمة التبادلية في الأشياء ، والثروات الخام في وضعها الطبيعي لم تندمج مع عمل إنساني محدّد فلا قيمة لها من الناحية التبادلية. وبهذا تربط الماركسية بين القيمة التبادلية والعمل ، وتقرّر أنّ العامل الذي يمارس مصدراً طبيعياً ، أو ثروة من ثروات الطبيعة ، يمنح المال الذي يمارسه قيمة تبادلية بقدر كمّية العمل الذي ينفقه عليه .

وكما تربط الماركسية بين العمل والقيمة التبادلية ، تربط أيضاً بين القيمة التبادلية والملكية ، فتمنح الفرد الذي يخلق بعمله قيمة تبادلية في المال حقّ ملكية ذلك المال والتمتع بتلك القيمة التي خلقها فيه . فتملّك الفرد للثروة يستمدّ مبرّره النظري في الماركسية من وصفه خالقاً للقيمة التبادلية في تلك الثروة ، نتيجة لما بذله عليها من عمل . وهكذا يصبح للفرد على أساس النظرية هذه حقّ تملّك المصدر الطبيعي ووسائل الإنتاج الطبيعية ، إذا استطاع أن ينفق عليها شيئاً من الجهد ، ويمنحها قيمة تبادلية معيّنة . وهذه الملكية تبدو في الحقيقة على ضوء النظرية الماركسية ملكية للنتيجة التي يسفر عنها العمل ، لا للمصدر الطبيعي منفصلاً عن تلك النتيجة ، ولكن هذه النتيجة التي يملكها العامل ليست هي فرصة الانتفاع بوصفها حالة ناتجة عن العمل ، كما رأينا في النظرية العامة للإسلام في توزيع ما قبل الإنتاج ، بل هي القيمة التبادلية التي تنشأ عن العمل في رأي

= وتدرس الملكية الخاصة تارّة أخرى على أساس اقتصادي بحت لاكتشاف مبرّراتها التشريعية لا المبرّر التأريخي لوجودها . وفي هذه

المرّة يجب التفتيش عن مبرّراتها الماركسية في نظرية ماركس في القيمة والعمل والقيمة الفائضة . (المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 622

الماركسية . فالعامل يمنح المصدر الطبيعي قيمة معيّنة ، ويتملّك هذه القيمة التي أسبغها على المال .

وتعلية على هذا الأساس الماركسي لتبرير الملكية الخاصة تقرّر الماركسية : أنّ هذه الملكية تظلّ مشروعة ما لم تدخل في عصر الإنتاج الرأسمالي ، الذي يدفع فيه المالكون المصادر والوسائل التي يملكونها إلى من لا يملكون شيئاً ، ليعملوا فيها بأجور ويسلّموا الأرباح إلى مالكي تلك المصادر والوسائل ، فإنّ هذه الأرباح سوف تعادل قيمتها خلال زمن قصير نسبياً القيمة التبادلية للمصادر والوسائل . وبذلك يكون المالك قد استوفى كلّ حقّه في تلك المصادر والوسائل ؛ لأنّ حقّه كان مرتبطاً بالقيمة التي نتجت عن عمله في تلك المصادر ، مادام قد حصل على هذه القيمة مجسدة في الأرباح التي تقاضاها ، فقد انقطعت بذلك صلته بالمصادر والوسائل التي كان يملكها . وهكذا تفقد الملكية الخاصة مبرّراتها ، وتصبح غير مشروعة في النظرية الماركسية ، بدخول عصر الإنتاج الرأسمالي أو العمل المأجور .

وعلى هذا الأساس الذي يربط ملكية العامل بالقيمة التبادلية ، تفسح الماركسية لعامل آخر ـ إذا مارس الثروة ـ أن يملك القيمة الجديدة التي تنتج عن عمله ، فإذا ذهب فرد إلى الغابة واقتطع من أخشابها وأنفق على الخشب جهداً حتى جعله لوحاً ، ثمّ جاء آخر فجعل من اللوح سريراً ، أصبح كلّ منهما مالكاً بقدر القيمة التبادلية التي أنتجها عمله . ولهذا تعتبر الماركسية الأجير في النظام الرأسمالي هو المالك لكلّ القيمة التبادلية التي تكتسبها المادّة عن طريق عمله ، ويكون اقتطاع مالك المادة جزءاً من هذه القيمة باسم الأرباح سرقة من الأجير .

فالقيمة مرتبطة بالعمل ، والملكية إنّما هي في حدود القيمة التي تنتج عن عمل المالك .


صفحه 623

هذه هي المبررات الماركسية للملكية الخاصة، التي يمكن تلخيصها في القضيتين التاليتين :

1 ـ القيمة التبادلية مرتبطة بالعمل وناتجة عنه .

2 ـ وملكية العامل مرتبطة بالقيمة التبادلية التي يخلقها عمله .

ونحن نختلف عن الماركسية في كلتا القضيتين .

أمّا القضية الأولى التي تربط القيمة التبادلية بالعمل ، وتجعل منه المقياس الأساسي الوحيد لها ، فقد درسناها بكلّ تفصيل في بحوثنا مع الماركسية من هذا الكتاب ، واستطعنا أن نبرهن على أنّ القيمة التبادلية لا تنبع بصورة أساسية من العمل . وبذلك تنهار جميع اللبنات الفوقية التي شادتها الماركسية على أساس هذه القضية[1].

وأمّا القضية الأخرى التي تربط ملكية الفرد بالقيمة التبادلية التي تتولّد عن العمل ، فهي تتعارض مع اتجاه النظرية العامة للإسلام في توزيع ما قبل الإنتاج ؛ لأنّ الحقوق الخاصة للأفراد في المصادر الطبيعية وإن كانت تقوم في الإسلام على أساس امتلاك الفرد نتيجة عمله ، ولكن نتيجة العمل التي يمتلكها العامل الذي أحيى قطعة من الأرض خلال عمل أسبوع مثلاً ليست هي القيمة التبادلية التي ينتجها عمل أسبوع كما ترى الماركسية ، بل النتيجة التي يملكها العامل في الأرض التي أحياها هي فرصة الانتفاع بتلك الأرض، وعن طريق تملّك هذه الفرصة ينشأ حقّه الخاص في الأرض نفسها ، وما دامت هذه الفرصة قائمة يعتبر حقّه في الأرض ثابتاً ، ولا يجوز لآخر أن يتملّك الأرض بإنفاق عمل جديد عليها ولو ضاعف العمل الجديد قيمتها التبادلية ؛ لأنّ فرصة الانتفاع

[1]راجع : الكتاب الأوّل ، مبحث القيمة أساس العمل .


صفحه 624

بالأرض ملك الأوّل ولا يجوز مزاحمته فيها .

وهذا هو الفارق الأساسي من الناحية النظرية بين الأساس الماركسي الخاص في المصدر الطبيعي ، وبين الأساس الإسلامي . فمردّ الحقّ الخاص على الأساس الأوّل إلى امتلاك العامل القيمة التبادلية التي اكتسبتها الأرض من عمله فحسب ، ومردّه على الأساس الثاني إلى امتلاك العامل الفرصة الحقيقية التي أنتجها العمل في الأرض .

فالمبدأ القائل : إنّ الحقوق الخاصة في المصادر الطبيعية تقوم على أساس العمل ، وأنّ العامل يتملّك النتيجة الواقعية لعمله ، يعكس النظرية الإسلامية .

والمبدأ القائل : إنّ القيمة التبادلية لمصادر الطبيعة تقوم على أساس العمل ، وملكية العامل تحدّدها القيمة التبادلية التي خلقها ، يعكس النظرية الماركسية .

والفرق الرئيسي بين هذين المبدأين هو مصدر كلّ الاختلافات التي سوف نجدها بين الإسلام والماركسية في توزيع ما بعد الإنتاج .

2 ـ ظاهرة الطَّسق وتفسيرها نظرياً :

نجد في البناء العُلْوي الذي ينظم توزيع ما قبل الإنتاج في الإسلام ، ظاهرة خاصة قد يبدو أنّها تميز الأرض عن غيرها من المصادر الطبيعية ، فلا بد من دراستها بصورة خاصة ، وتفسيرها في ضوء النظرية العامة للتوزيع ، أو ربطها بنظرية أخرى من المذهب الاقتصادي في الإسلام .

وهذه الظاهرة هي ( الطَّسق ) ، الذي سمحت الشريعة للإمام بأخذه من الفرد إذا أحيى أرضاً وانتفع بها . فقد جاء في الحديث الصحيح[1]، وفي بعض النصوص

[1]وسائل الشيعة 25 : 414 ـ 415 ، الباب 3 من أبواب إحياء المَوَات ، الحديث 2 .