بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 622

الماركسية . فالعامل يمنح المصدر الطبيعي قيمة معيّنة ، ويتملّك هذه القيمة التي أسبغها على المال .

وتعلية على هذا الأساس الماركسي لتبرير الملكية الخاصة تقرّر الماركسية : أنّ هذه الملكية تظلّ مشروعة ما لم تدخل في عصر الإنتاج الرأسمالي ، الذي يدفع فيه المالكون المصادر والوسائل التي يملكونها إلى من لا يملكون شيئاً ، ليعملوا فيها بأجور ويسلّموا الأرباح إلى مالكي تلك المصادر والوسائل ، فإنّ هذه الأرباح سوف تعادل قيمتها خلال زمن قصير نسبياً القيمة التبادلية للمصادر والوسائل . وبذلك يكون المالك قد استوفى كلّ حقّه في تلك المصادر والوسائل ؛ لأنّ حقّه كان مرتبطاً بالقيمة التي نتجت عن عمله في تلك المصادر ، مادام قد حصل على هذه القيمة مجسدة في الأرباح التي تقاضاها ، فقد انقطعت بذلك صلته بالمصادر والوسائل التي كان يملكها . وهكذا تفقد الملكية الخاصة مبرّراتها ، وتصبح غير مشروعة في النظرية الماركسية ، بدخول عصر الإنتاج الرأسمالي أو العمل المأجور .

وعلى هذا الأساس الذي يربط ملكية العامل بالقيمة التبادلية ، تفسح الماركسية لعامل آخر ـ إذا مارس الثروة ـ أن يملك القيمة الجديدة التي تنتج عن عمله ، فإذا ذهب فرد إلى الغابة واقتطع من أخشابها وأنفق على الخشب جهداً حتى جعله لوحاً ، ثمّ جاء آخر فجعل من اللوح سريراً ، أصبح كلّ منهما مالكاً بقدر القيمة التبادلية التي أنتجها عمله . ولهذا تعتبر الماركسية الأجير في النظام الرأسمالي هو المالك لكلّ القيمة التبادلية التي تكتسبها المادّة عن طريق عمله ، ويكون اقتطاع مالك المادة جزءاً من هذه القيمة باسم الأرباح سرقة من الأجير .

فالقيمة مرتبطة بالعمل ، والملكية إنّما هي في حدود القيمة التي تنتج عن عمل المالك .


صفحه 623

هذه هي المبررات الماركسية للملكية الخاصة، التي يمكن تلخيصها في القضيتين التاليتين :

1 ـ القيمة التبادلية مرتبطة بالعمل وناتجة عنه .

2 ـ وملكية العامل مرتبطة بالقيمة التبادلية التي يخلقها عمله .

ونحن نختلف عن الماركسية في كلتا القضيتين .

أمّا القضية الأولى التي تربط القيمة التبادلية بالعمل ، وتجعل منه المقياس الأساسي الوحيد لها ، فقد درسناها بكلّ تفصيل في بحوثنا مع الماركسية من هذا الكتاب ، واستطعنا أن نبرهن على أنّ القيمة التبادلية لا تنبع بصورة أساسية من العمل . وبذلك تنهار جميع اللبنات الفوقية التي شادتها الماركسية على أساس هذه القضية[1].

وأمّا القضية الأخرى التي تربط ملكية الفرد بالقيمة التبادلية التي تتولّد عن العمل ، فهي تتعارض مع اتجاه النظرية العامة للإسلام في توزيع ما قبل الإنتاج ؛ لأنّ الحقوق الخاصة للأفراد في المصادر الطبيعية وإن كانت تقوم في الإسلام على أساس امتلاك الفرد نتيجة عمله ، ولكن نتيجة العمل التي يمتلكها العامل الذي أحيى قطعة من الأرض خلال عمل أسبوع مثلاً ليست هي القيمة التبادلية التي ينتجها عمل أسبوع كما ترى الماركسية ، بل النتيجة التي يملكها العامل في الأرض التي أحياها هي فرصة الانتفاع بتلك الأرض، وعن طريق تملّك هذه الفرصة ينشأ حقّه الخاص في الأرض نفسها ، وما دامت هذه الفرصة قائمة يعتبر حقّه في الأرض ثابتاً ، ولا يجوز لآخر أن يتملّك الأرض بإنفاق عمل جديد عليها ولو ضاعف العمل الجديد قيمتها التبادلية ؛ لأنّ فرصة الانتفاع

[1]راجع : الكتاب الأوّل ، مبحث القيمة أساس العمل .


صفحه 624

بالأرض ملك الأوّل ولا يجوز مزاحمته فيها .

وهذا هو الفارق الأساسي من الناحية النظرية بين الأساس الماركسي الخاص في المصدر الطبيعي ، وبين الأساس الإسلامي . فمردّ الحقّ الخاص على الأساس الأوّل إلى امتلاك العامل القيمة التبادلية التي اكتسبتها الأرض من عمله فحسب ، ومردّه على الأساس الثاني إلى امتلاك العامل الفرصة الحقيقية التي أنتجها العمل في الأرض .

فالمبدأ القائل : إنّ الحقوق الخاصة في المصادر الطبيعية تقوم على أساس العمل ، وأنّ العامل يتملّك النتيجة الواقعية لعمله ، يعكس النظرية الإسلامية .

والمبدأ القائل : إنّ القيمة التبادلية لمصادر الطبيعة تقوم على أساس العمل ، وملكية العامل تحدّدها القيمة التبادلية التي خلقها ، يعكس النظرية الماركسية .

والفرق الرئيسي بين هذين المبدأين هو مصدر كلّ الاختلافات التي سوف نجدها بين الإسلام والماركسية في توزيع ما بعد الإنتاج .

2 ـ ظاهرة الطَّسق وتفسيرها نظرياً :

نجد في البناء العُلْوي الذي ينظم توزيع ما قبل الإنتاج في الإسلام ، ظاهرة خاصة قد يبدو أنّها تميز الأرض عن غيرها من المصادر الطبيعية ، فلا بد من دراستها بصورة خاصة ، وتفسيرها في ضوء النظرية العامة للتوزيع ، أو ربطها بنظرية أخرى من المذهب الاقتصادي في الإسلام .

وهذه الظاهرة هي ( الطَّسق ) ، الذي سمحت الشريعة للإمام بأخذه من الفرد إذا أحيى أرضاً وانتفع بها . فقد جاء في الحديث الصحيح[1]، وفي بعض النصوص

[1]وسائل الشيعة 25 : 414 ـ 415 ، الباب 3 من أبواب إحياء المَوَات ، الحديث 2 .


صفحه 625

الفقهية للشيخ الطوسي: أنّ للفرد أن يحيي أرضاً مَيتَة وعليه طَسقها (= أُجرتها) يؤدّيه للإمام[1].

فما هو المبرّر النظري لهذا الطَّسق ؟ ولماذا اختصت به الأرض دون غيرها من منابع الثروة فلم يكلف الذين يحيون المنابع الأخرى بدفع شيء من غلتها ؟

والحقيقة أنّ هذا الطَّسق الذي سمح للإمام بفرضه على الأرض الميتة عند إحياء الفرد لها يمكن تكييفه مذهبياً وتفسيره من الناحية النظرية على أساسين :

الأوّل: على أساس النظرية العامة في التوزيع نفسها ، فنحن إذا لاحظنا أنّ الطَّسق أجرة يتقاضاها الإمام على الأرض بوصفها من الأنفال ، وعرفنا إضافة إلى ذلك أنّ الأنفال يستخدمها الإمام في مصالح الجماعة كما سيأتي في بحث مقبل ، وقارنا بين إلزام صاحب الأرض بالطَّسق ، وإلزام صاحب العين والمنجم بالسماح للآخرين بما زاد على حاجته من العين وما لا يتعارض مع حقه في المنجم ، إذا جمعنا كلّ ذلك ، تكامل لدينا بناء عُلْوي من التشريع يسمح لنا باستنتاج مبدأ جديد في النظرية ، يمنح الجماعة حقاً عاماً في الاستفادة من مصادر الطبيعة ؛ لأنّها موضوعة في خدمة الإنسانية بشكل عام( خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )[2]. وهذا الحق العام للجماعة لا يزول باكتساب المصادر الطبيعية طابع الحقوق الخاصة ، وإنّما تحدّد الشريعة طريقة استفادة الجماعة من هذا الحقّ بالشكل الذي لا يتعارض مع تلك الحقوق الخاصة .

ففي المناجم والعيون التي يحييها الأفراد يتاح للجميع الاستفادة منها بشكل مباشر ، لأنّ لكلّ فرد أن يستفيد من عروق المنجم إذا حفر من موضع آخر ، كما أنّ له أن يستقي من عين الماء إذا زادت على

[1]راجع : المبسوط 2 : 29 .

[2]سورة البقرة : 29 .


صفحه 626

حاجة مستنبطها. وأمّا الأرض فلمّا كانت بطبيعتها لا تسمح لانتفاع فردين بها في وقت واحد ، فقد شُرع الطَّسق الذي ينفقه الإمام على مصالح الجماعة ليتاح للآخرين الاستفادة عن هذا الطريق ، بعد أن حال الحقّ الخاص لصاحب الأرض الذي أحياها عن انتفاع الآخرين بتلك الأرض انتفاعاً مباشراً .

الثاني : أنّ نفسر الطَّسق بصورة منفصلة عن النظرية العامة للتوزيع ، وذلك على أساس أنّه ضريبة تتقاضاها الدولة لصالح العدالة الاجتماعية ؛ لأنّنا سوف نرى عند دراسة الأنفال ووظيفتها في الاقتصاد الإسلامي أنّ من أهم أغراض الأنفال في الشريعة الضمان الاجتماعي وحماية التوازن العام . وما دام الطَّسق يعتبر تشريعياً من الأنفال فمن المعقول أن يعتبر ضريبة نابعة من النظرية العامة في العدالة الاجتماعية وما تضمّ من مبادئ الضمان والتوازن العام . وإنّما اختصّت الأرض بهذه الضريبة الضخمة لأهميّتها ولخطورة دورها في الحياة الاقتصادية ، فَشُرِّعت هذه الضريبة وقاية للمجتمع الإسلامي من أعراض الملكيّة الخاصة للأرض ، التي منيت بها المجتمعات غير الإسلامية ، ومقاومة لمآسي الريع العقاري التي ضجّ بها تأريخ الأنظمة البشرية ، ودوره في إشاعة الفروق والتناقضات وتعميقها . ويشابه الطَّسق على هذا الأساس الخمس الذي فرض ضريبة على ما يستخرج من المعدن .

وفي النهاية وقد قدّمنا هذين التفسيرين النظريين لـ : ( الطَّسق ) ، يمكننا أن نردّ أحدهما إلى الآخر في نظرة أشمل وأوسع ، فنفسّر الطَّسق بأنّه ضريبة سمح للإمام بفرضها لأغراض الضمان والتوازن وحماية الأفراد الضعفاء في الجماعة ، ونفسر هذه الأغراض نفسها وحتميّة تنفيذها على الأفراد الأقوياء بما للجماعة من حقّ عام مسبق في مصادر الطبيعة ، يجعل لها على الأفراد الذين يحيون تلك المصادر ويستثمرونها الحقّ في حماية مصالحها وإنقاذ ضعفائها .


صفحه 627

3 ـ التفسير الخُلُقي للملكية في الإسلام :

كنّا ندرس الملكية والحقوق الخاصة حتى الآن على ضوء النظرية العامة لتوزيع ما قبل الإنتاج ، فالبحث كان يقوم على أساس المذهب الاقتصادي . وفي خلال البحث استطعنا أن نقدّم للملكية والحقوق الخاصة تفسيراً نظرياً يعكس وجهة نظر المذهب الاقتصادي في الإسلام . ونريد الآن أن نقدّم للملكية تفسيرها الخُلُقي في الإسلام . وأريد بالتفسير الخُلُقي للملكية الخاصة : استعراض التصوّرات المعنوية التي أعطاها الإسلام عن الملكية ودورها وأهدافها ، وعمل لإشاعتها بين الأفراد لتصبح قوى موجّهة للسلوك ، ومؤثّرة على تصرّفات الأفراد التي تتّصل بملكيّاتهم وحقوقهم الخاصة .

وقبل أن نأخذ بالتفصيلات في التفسير الخُلقي للملكية ، يجب أن نميّز بكلّ وضوح بينه وبين التفسير المذهبي للملكية الذي عالجناه فيما تقدّم من وجهة نظر اقتصادية . ولكي يتاح لنا هذا التمييز يمكننا أن نستعير من تفصيلات التفسير الخُلُقي الآتية مفهوم الخلافة ؛ لنقارن بينه وبين النظرية العامة في التوزيع التي فسّرنا الحقوق الخاصة على أساسها من وجهة نظر المذهب الاقتصادي .

فالخلافة تُضفي طابع الوكالة على الملكية الخاصة ، وتجعل من المالك أميناً على الثروة ووكيلاً عليها من قبل الله تعالى الذي يملك الكون وجميع ما يضمّ من ثروات . وهذا التصوّر الإسلامي الخاص لجوهر الملكية متى تركّز وسيطر على ذهنية المالك المسلم ، أصبح قوّة موجّهة في مجال السلوك ، وقيداً صارماً يفرض على المالك التزام التعليمات والحدود المرسومة من قبل الله عزّ وجلّ ، كما يلتزم الوكيل الخليفة دائماً بإرادة الموكِّل والمستخلِف .


صفحه 628

ونحن إذا فحصنا هذا المفهوم ، وجدنا أنّه لا يفسّر مبرّرات الملكية الخاصة من وجهة نظر مذهبية في الاقتصاد ؛ لأنّ الملكية الخاصة سواء كانت خلافة أم أيّ شيء آخر تثير السؤال عن مبرّراتها المذهبية التي تفسّرها ، فلماذا جعلت هذه الخلافة والوكالة لهذا الفرد دون سواه ؟ ومجرّد كونها وكالة ليس جواباً كافياً على هذا السؤال ، وإنّما نجد الجواب عليه في التفسير الاقتصادي للملكية الخاصة على أسس معيّنة ، كأساس العمل وصلة العامل بنتائج عمله .

وهكذا نعرف أنّ إسباغ طابع الوكالة والخلافة على الملكية الخاصة ـ مثلاً ـ لا يكفي لصوغ نظرية عامة في التوزيع ؛ لأنّه لا يفسّر هذه الظاهرة تفسيراً اقتصادياً ، وإنّما يخلق هذا الطابع نظرة خاصة إلى الملكية تقوم على أساس أنّها مجرّد وكالة أو خِلافة . وهذه النظرة إذا نشأت وسادت وأصبحت عامة لدى أفراد المجتمع الإسلامي ، أصبح لها من القوّة ما يحدّد سلوك الأفراد ، ويعدّل من الانعكاسات النفسية للملكية ويطوّر من المشاعر التي توحي بها الثروة إلى نفوس الأغنياء . وبذلك يصبّ مفهوم الخلافة قوّة محرّكة موجّهة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

فالتفسير الخُلقي للملكية إذن يبرّر تلك التصوّرات عن الملكية التي يتلقّاها كلّ مسلم عادة من الإسلام ، ويتكيّف بها نفسيّاً وروحياً ، ويحدّد مشاعره ونشاطه وفقاً لها .

وأساس هذه التصوّرات هو مفهوم الخلافة الذي أشرنا إليه ، فالمال مال الله وهو المالك الحقيقي ، والناس خلفاؤه في الأرض وأمناؤه عليها وعلى ما فيها من أموال وثروات . قال الله تعالى : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً )[1].

[1]سورة فاطر : 39 .


صفحه 629

والله تعالى هو الذي منح الإنسان هذه الخلافة ، ولو شاء لانتزعها منه( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ )[1].

وطبيعة الخلافة تفرض على الإنسان أن يتلقى تعليماته بشأن الثروة المستخلف عليها ممّن منحه تلك الخلافة . قال الله تعالى :( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ )[2]، كما أنّ من نتائج هذه الخلافة أن يكون الإنسان مسئولا بين يدي من استخلفه خاضعاً لرقابته في كلّ تصرفاته وأعماله ، قال الله تعالى :( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )[3].

والخلافة في الأصل هي للجماعة كلّها ؛ لأنّ هذه الخلافة عبّرت عن نفسها عملياً في إعداد الله تعالى لثروات الكون ووضعها في خدمة الإنسان . والإنسان هنا هو العام الذي يشمل الأفراد جميعاً ، ولذا قال تعالى :( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )[4].

وأشكال الملكية بما فيها الملكية والحقوق الخاصة إنّما هي أساليب تتيح للجماعة ـ بإتباعها ـ أداء رسالتها في أعمار الكون واستثماره . قال الله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ )[5]، فالملكية والحقوق الخاصة التي منحت لبعض دون بعض فاختلفت

[1]سورة الأنعام : 133 .

[2]سورة الحديد : 7 .

[3]سورة يونس : 14 .

[4]سورة البقرة : 29 .

[5]سورة الأنعام : 165 .