بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 63

على أساس المادّية الديالكتيكة !!

وقد مرّ بنا ـ في ( فلسفتنا ) ـ أنّ هذه الثنائية تزوير على البحث الفلسفي يُستهدف من ورائه اتّهام كلّ خصوم المادّية الجدلية بأنّهم تصوّريون مثاليون ، لا يؤمنون بالواقع الموضوعي للعالم ، بالرغم من أنّ الإيمان بهذا الواقع ليس وقفاً على المادّية الجدلية فحسب ، ولا يعني رفضها بحال من الأحوال التشكيك في هذا الواقع أو إنكاره ...

وكذلك القول في حقلنا الجديد ، فإنّ الإيمان بالحقيقة الموضوعية للمجتمع ، ولأحداث التأريخ ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادّي ، فهناك واقع ثابت لأحداث التأريخ وكلّ حدث في الحاضر أو الماضي قد وقع فعلاً بشكل معيّن خارج شعورنا بتلك الأحداث ، وهذا ما نتفق عليه جميعاً . وليس هو من مزايا المادّية التأريخية فحسب ، بل يؤمن به كل من يفسّر أحداث التأريخ أو تطوّراته بالأفكار ، أو بالعامل الطبيعي ، أو الجنسي ، أو بأيّ شيء آخر من هذه الأسباب . كما تؤمن به الماركسية لتي تفسّر التأريخ بتطوّر القوى المنتجة .

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية هو نقطة الانطلاق لكلّ تلك المفاهيم عن التأريخ ، والبديهة الأُولى التي تقوم تلك التفسيرات المختلفة على أساسها .

* * *

وشيء آخر : هو أنّ أحداث التأريخ بصفتها جزءاً من مجموعة أحداث الكون ، تخضع للقوانين العامة التي تسيطر على العالم. ومن تلك القوانين مبدأ العلّية ، القائل : إنّ كلّ حدث ، سواء أكان تأريخياً أو طبيعياً ، أم أيّ شيء آخر ، لا يمكن أن يوجد صدفةً وارتجالاً ، وإنّما هو منبثق عن سبب . فكلّ نتيجة مرتبطة بسببها ، وكلّ حادث متّصل بمقدّماته . وبدون تطبيق هذا المبدأ ـ مبدأ العلّية ـ على المجال التأريخي يكون البحث التأريخي غير ذي معنى .

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التأريخ ، والاعتقاد بأنّها تسير وفقاً


صفحه 64

لمبدأ العلّية هما الفكرتان الأساسيّتان لكلّ بحثٍ علمي في تفسير التأريخ ؛ وإنّما يدور النزاع بين التفاسير والاتّجاهات المختلفة في درس التأريخ ، حول العلل الأساسية والقوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع . فهل هي القوى المنتِجة ، أو الأفكار ، أو الدم ، أو الأوضاع الطبيعية ، أو كلّ هذه الأسباب مجتمعةً ؟ .

والجواب على هذا السؤال ـ أيّاً كان اتجاهه ـ لا يخرج عن كونه تفسيراً للتأريخ ، قائماً على أساس الإيمان بحقيقة الأحداث التأريخية وتتابعها وفقاً لمبدأ العلّية .

* * *

وفيما يلي سنتناول المادّية التأريخية بصفتها طريقة عامة في فهم التأريخ وتفسيره ، وندرسها :

أوّلاً : على ضوء الأسس الفلسفية والمنطقية التي يتكوّن منها مفهوم الماركسية العام عن الكون .

وثانياً : بما هي نظرية عامة تحاول استيعاب التأريخ الإنساني .

وثالثاً : بتفاصيلها ، التي تحدّد مراحل التأريخ البشري ، والقفزات الاجتماعية على رأس كلّ مرحلة .


صفحه 65

2 ـ النظرية على ضوء الأُسس الفلسفية

في ضوء المادّية الفلسفية :

تؤمن الماركسية بأنّ التفسير المادّي للتأريخ من أهم مزايا المادّية الحديثة ؛ إذ لا يمكن بدونه إعطاء التأريخ تفسيراً صحيحاً يتجاوب مع المادّية الفلسفية ، ويتسق مع المفهوم المادّي للحياة والكون . وما دام التفسير المادّي صادقاً ـ في رأي الماركسية ـ على الوجود بصورة عامة فيجب أن يصدق بالنسبة إلى التأريخ ؛ لأنّ التأريخ ليس إلاّ جانباً من جوانب الوجود العام .

وعلى هذا الأساس تعيب الماركسية على مادّية القرن الثامن عشر موقفها من تفسير التأريخ ؛ لأنّ مادّية القرن الثامن عشر الميكانيكية لم توفّق إلى هذا الكشف المادّي الجبّار في الحقل التأريخي ، بل كانت مثالية في مفاهيمها عن التأريخ ، بالرغم من اعتناقها المادّية في المجال الكوني العام . ولماذا كانت في مفهومها التأريخي مثالية ؟ كانت كذلك ـ في رأي الماركسية ـ لأنّها آمنت بالأفكار والمحتويات الروحية للإنسان ، ومنحتها دوراً رئيسياً في التأريخي ، ولم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية التي كانت تعيشها أن تتخطّى هذه العوامل المثالية إلى السبب الأعمق ، إلى القوى المادّية الكامنة في وسائل الإنتاج ، فلم تصل لأجل هذا إلى العلّة المدية للتأريخ ، ولم يحالفها التوفيق في وضع تصميم


صفحه 66

علمي لمادّية تأريخية تتجاوب مع المادّية الكونية ؛ وإنّما ظلّت تتعلّق بالتفسيرات المثالية السطحية التي تدرس السطح التأريخي ولا تنفذ إلى الأعماق . قال أنجلز :

( وبالنسبة إلينا نجد في ميدان التأريخ أنّ المادّية القديمة لا تصدق مع ذاتها ؛ لأنّها تعتبر القوى المثالية المحرِّكة في التأريخ عِللاً نهائية ، وذلك بدلاً من البحث عمّا وراءها ، أيّ البحث عن القوى المحرّكة الفعلية الكامنة وراء هذه القوى المحرّكة ، ويبدو التناقض لا في الاعتراف بهذه القوى المثالية فحسب ، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى حتى يمكن إزاحة الستار عن العلّل المحرّكة )[1].

وأنا لا أريد في مجال بحثي هذا أن أتناول المادّية الفلسفية ؛ لأنّ ذلك ما قمت به في الحلقة الأولى ( فلسفتنا ) ، وإنّما أقصد أن أدرس هذا الربط الذي تزعمه الماركسية ، أو بعض كتّابها ، بين المادّية الفلسفية والمادّية التأريخية ، بطرح السؤال التالي :

هل من الضروري ، على أساس المادّية الفلسفية ، أن نفسّر التأريخ كما تفسّره الماركسية ونشدّ عجلته منذ فجر الحياة إلى الأبد بوسائل الإنتاج ؟

ولدى الجواب على هذا السؤال يجب أن نميّز بوضوح المفهوم الفلسفي للمادّية ، عن مفهومها التأريخي عند الماركسية ؛ فإنّ التباس أحد المفهومين بالآخر هو الذي أدّى إلى التأكيد الآنف الذكر على الارتباط بينهما ، وعلى أنّ كلّ فلسفة مادّية لا تتبنّى تفكير ماركس للتأريخ فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها ، في

[1]التفسير الاشتراكي للتأريخ : 57 .


صفحه 67

ميدان البحث التأريخي ، ولا أن تتحرّر من المثالية في مفاهيمها التأريخية ، تحرراً نهائياً.

والحقيقة هي : أنّ المادّية بمفهومها الفلسفي تعني أنّ المادة بظواهرها المتنوّعة هي الواقع الوحيد الذي يشمل كلّ ظواهر العالم وألوان الوجود فيه ، وليست الروحيات وكل ما يدخل في نطاقها ، من أفكار ومشاعر وتجريدات ، إلاّ نتاجاً مادّياً ، وحصيلة للمادة في درجات خاصة من تطوّرها ونموّها . فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو لا يبدو في منظار المادّية الفلسفية إلا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ ، ولا يوجد واقع خارج حدود المادة ، ووجوهها المختلفة ، وليست هي بحاجة إلى أيّ معنى لا مادّي .

فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية والطبيعة التي يمارسها على أساس هذا المفهوم الفلسفي ، ليست كلّها إلاّ أوجهاً مختلفة للمادة وتطوّراتها ونشاطاتها .

هذه هي المادّية الفلسفية ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون . ولا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط المادّية والقوى المنتجة ، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه نتاجاً للإنسان . فما دام الإنسان وأفكاره ، والطبيعة وقواها المنتجة ، كلّها ضمن حدود المادة ـ كما تزعم المادّية الفلسفية ـ فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ التفسير التأريخي بأيّ حلقة من الحلقات ، فيعتبرها الحلقة الأُولى في التسلسل الاجتماعي . فكما يصحّ أن نبدأ بالأداة المنتِجة فنسبغ عليها صفة الأُلوهية للتأريخ ، ونعتبرها السبب الأعلى لكلّ التيّارات التأريخية ، كذلك يمكن ـ من وجهة النظر المادّية الفلسفية ـ أن نبدأ بالإنسانية بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التأريخ ، فكلاهما في حساب المادّية الفلسفية سواء .

وبهذا يتضح أنّ الاتجاه المادّي في الفلسفة ـ الذي يفسّر الإنسان والطبيعة


صفحه 68

تفسيراً مادّياً ـ لا يحتّم مفهوم الماركسية عن التأريخ ، ولا يفرض النزول بالإنسان إلى درجة ثانوية في السلّم التأريخي ، واعتباره عجينة رخوة تكيّفها أدوات الإنتاج كما تشاء .

فالمسألة التأريخية ـ إذن ـ يجب أن تدرس بصورة مستقلّة عن المسألة الفلسفية للكون .

في ضوء قوانين الديالكتيك :

إنّ قوانين الديالكتيك ، هي القوانين التي تفسّر كلّ تطوّر وصيرورة بالصراع بين الأضداد في المحتوى الداخلي للأشياء . فكلّ شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضة ، ويخوض المعركة مع النقيض ، ويتطوّر طبقاً لظروف الصراع[1].

والماركسية تتّجة في مفهومها الخاص إلى تطبيق قوانين الديالكتيك هذه على الصعيد الاجتماعي ، واستعمال الطريقة الديالكتيكية في تحليل الأحداث التأريخية . فهي ترى أنّ التناقض الطبقي في صميم المجتمع تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك ، القائل : إنّ كلّ شيءٍ يحتوي في أعماقه على تناقضات وأضداد . وتنظر إلى التطوّر الاجتماعي ، بوصفه حركة ديناميكية منبثقة عن التناقضات الداخلية طبقاً لقانون الحركة الديالكتيكية العام ، القائل : إنّ كل كائن يتطوّر لا بحركة ميكانيكية وقوّة خارجية تدفعه من ورائه ، بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه وتنفجر . وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية شيئاً فشيئاً حتى تحين اللحظة المناسبة لتتفجر عن تحوّل شامل ، في

[1]لاحظ : ( فلسفتنا ) ، مبحث : الديالكتيك أو الجدل .


صفحه 69

بناء المجتمع ونظامه وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إنّ التغيرات الكمّية التأريخية تتحوّل إلى تغيّر كيفي آني . وهكذا حاولت الماركسية ، أن تجعل من المجال التأريخي ـ عن طريق مادّيتها التأريخية ـ حقلاً خصباً لقوانين الديالكتيك العامة . ولنقف لحظة لنتبيّن مدى التوفيق الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التأريخي .

إنّ الماركسية استطاعت أن تجعل من طريقتها في التحليل التأريخي طريقة ديالكتيكية إلى حد ما ، ولكنّها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها مع طبيعة الديالكتيك ، وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .

أ ـ ديالكتيكية الطريقة :

لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية في البحث التأريخي ، بل اتّخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة ، كما مرّ في ( فلسفتنا )[1]. غير أنّها لم تنجُ بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك وقانون العلّية.

فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد : أنّ النمو والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من ظواهر الكون دون حاجة إلى قوّة أو علّة خارجية .

ومن ناحية أخري تعترف : بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو

[1]راجع : ( فلسفتنا ) ، مبحث الديالكتيك أو الجدل .


صفحه 70

تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها .

وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التأريخي أيضاً ؛ فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات جذرية في صميم كلّ ظاهرة اجتماعية كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرّر من ناحية أخرى : أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج وطريقته الخاصة ، وأنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها ... ليست إلاّ بُنى فوقية في ذلك الصرح وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها .

فالعلاقة ـ إذن ـ بين هذه البُنى المتنوّعة الألوان وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلول بعلّة . ويعني هذا : أنّ الظاهرات الاجتماعية الفوقية لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنّما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنّا نجد أكثر من هذا ، فإنّ التناقض الذي يطوّر المجتمع ـ في رأي الماركسية ـ ليس هو التناقض الطبقي الذي قد يعتبر ـ بمعنى من المعاني ـ تناقضاً داخلياً للمجتمع ، وإنّما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلاّن ، يقوم التناقض بينهما لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .

وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية وقانون العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن تستعمل في تحليلها طريقة العلّة والمعلول في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم والتي تظل فيها العلّة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علّته ؛ لأنّ هذه السببية ،