بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 648

الشكلية ، فأدرج الربح والأجر في فئة واحدة ؛ اعتقاداً بأنّ الربح في الحقيقة نوع من الأجر على عمل خاص ، وهو عمل التنظيم الذي يباشره صاحب المشروع بتهيئة عناصر الإنتاج المختلفة من رأس مال وطبيعة عمل ، وتوفيقه بينها وتنظيمها في عملية الإنتاج .

ومن ناحية أخرى أعطت النظرية الحديثة في التوزيع للريع مفهوماً أوسع يتعدّى به حدود الأرض ، ويكشف عن ألوان عديدة من الريع في مختلف المجالات . كما رجّح البعض أخذ رأس المال بمعنى شامل يضمّ جميع القوى الطبيعية بما فيها الأرض .

وبالرغم من التعديلات الشكلية فإنّ النظرة الجوهرية في التوزيع الرأسمالي ظلّت ثابتة خلال جميع التعديلات ، ولم تتغيّر من الناحية المذهبية . وهذه النظرة هي ملاحظة جميع عناصر الإنتاج على مستوى واحد ، وإعطاء كلّ واحد من تلك العناصر نصيبه من الثروة المنتجة ، بوصفه مساهماً في العملية ، وفي حدود مشاركته لسائر العناصر في إنجاز تلك الثروة وإنتاجها ، فالعامل يحصل على الأجر بنفس الطريقة وعلى أساس نفس النظرة المذهبية التي يحصل رأس المال بموجبها على فائدة مثلاً ؛ لأنّ كلاً منهما في العرف الرأسمالي عامل إنتاج وقوّة مساهمة في التركيب العضوي للعملية ، فمن الطبيعي أن توزّع المنتجات على عناصر إنتاجها بنسب تقرّرها قوانين العرض والطلب ، وما إليها من القوى التي تتحكّم في التوزيع .

2 ـ النظرية الإسلامية ومقارنتها بالرأسمالية :

وأمّا الإسلام فهو يرفض هذه النظرة الجوهرية في المذهب الرأسمالي رفضاً تامّاً ، ويختلف عنها اختلافاً أساسياً ؛ لأنّه لا يضع عناصر الإنتاج المتعدّدة


صفحه 649

على مستوى واحد ، ولا ينظر إليها بصورة متكافئة ليقرّ توزيع الثروة المنتجة على تلك العناصر بالنسب التي تقرّرها قوانين العرض والطلب كما تصنع الرأسمالية ، بل إنّ النظرية الإسلامية العامة لتوزيع ما بعد الإنتاج تعتبر أنّ الثروة التي تنتج من الطبيعة الخام ملك للإنسان المنتج وحده ـ العامل ـ ، وأمّا وسائل الإنتاج المادّية التي يستخدمها الإنسان في عملية الإنتاج من أرض ورأس مال ومختلف الأدوات والآلات فلا نصيب لها من الثروة المنتجة نفسها ، وإنّما هي وسائل تقدّم للإنسان خدمات في تذليل الطبيعة وإخضاعها لأغراض الإنتاج ، فإذا كانت تلك الوسائل مِلكاً لفردٍ آخر غير العامل المنتج ، كان على الإنسان المنتج أن يكافئ الفرد الذي يملك تلك الوسائل على الخدمات التي جناها المنتج عن طريق تلك الوسائل ، فالمال الذي يعطى لصاحب الأرض ، أو لمالك الأداة ، أو صاحب الآلة التي تساهم في أعمال الإنتاج ، لا يعبّر عن نصيب الأرض والأداة والآلة نفسها في المنتوج بوصفها عنصراً من عناصر إنتاجه ، وإنّما يعني مكافأة لمالكي تلك الوسائل على الخدمات التي قدّموها بالسماح للعامل المنتج باستخدام وسائلهم ، وأمّا إذا لم يكن للوسائل مالك معيّن سوى الإنسان المنتج فلا معنى للمكافأة ؛ لأنّها عندئذ منحة الطبيعة لا منحة إنسان آخر .

فالإنسان المنتج في النظرية الإسلامية لتوزيع ما بعد الإنتاج هو المالك الأصيل للثروة المنتجة من الطبيعة الخام ، ولاحظّ لعناصر الإنتاج المادّية في تلك الثروة ، وإنّما يعتبر الإنسان المنتج مديناً لأصحاب الوسائل التي يستخدمها في إنتاجه فيكلّف بإبراء ذمّته ومكافأتهم على الخدمات التي قدّمتها وسائلهم ، فنصيب الوسائل المادّية المساهمة في عملية الإنتاج يحمل طابع المكافأة على خدمة ، ويعبّر عن دين في ذمّة الإنسان المنتج ، ولا يعني التسوية بين الوسيلة المادّية والعمل الإنساني أو الشركة بينهما في الثروة الناتجة على أساس موحّد .


صفحه 650

ومن خلال مواصلتنا لاكتشاف النظرية العامة لتوزيع ما بعد الإنتاج ، سنعرف المبرّر النظري لتلك المكافأة التي يظفر بها أصحاب الوسائل المادّية من الإنسان المنتج لقاء استخدامه للوسائل التي يملكونها في عملية الإنتاج .

فالفارق كبير بين النظرية الإسلامية لتوزيع ما بعد الإنتاج والنظرية الرأسمالية بهذا الشأن .

ومردّ هذا الفرق إلى اختلاف النظريتين الرأسمالية والإسلامية في تحديد مركز الإنسان ودوره في عملية الإنتاج ، فإنّ دور الإنسان في النظرة الرأسمالية هو دور الوسيلة التي تخدم الإنتاج لا الغاية التي يخدمها الإنتاج ، فهو في صفّ سائر القوى المساهمة في الإنتاج من طبيعة ورأس مال ، ولهذا يتلّقى الإنسان المنتج نصيبه من ثروة الطبيعة ، بوصفه مساهماً في الإنتاج وخادماً له ، ويصبح الأساس النظري للتوزيع على الإنسان العامل والوسائل المادّية التي تساهم معه في عملية الإنتاج واحداً .

وأمّا مركز الإنسان في النظرة الإسلامية فهو مركز الغاية لا الوسيلة ، فليس هو في مستوى سائر الوسائل المادّية لتوزيع الثروة المنتجة بين الإنسان وتلك الوسائل جميعاً على نسق واحد ، بل إنّ الوسائل المادّية تعتبر خادمة للإنسان في إنجاز عملية الإنتاج ؛ لأنّ عملية الإنتاج نفسها إنّما هي لأجل الإنسان . وبذلك يختلف نصيب الإنسان المنتج عن نصيب الوسائل المادّية في الأساس النظري ، فالوسائل المادّية إذا كانت ملكاً لغير العامل وقدّمها صاحبها لخدمة الإنتاج كان من حقّه على الإنسان المنتج أن يكافئه على خدمته ، فالمكافأة هنا دَين على ذمّة المنتج يسدّده لقاء خدمة ، ولا تعني نظرياً مشاركة الوسيلة المادّية في الثروة المنتجة .


صفحه 651

وهكذا يفرض مركز الوسائل المادّية ـ في النظرة الإسلامية ـ عليها تتقاضى مكافأتها من الإنسان المنتج بوصفها خادمة له ، لا من الثروة المنتجة بوصفها مساهمة في إنتاجها ، كما يفرض مركز الإنسان في عملية الإنتاج بوصفه الغاية لها أن يكون وحده صاحب الحقّ في الثروة الطبيعية التي أعدّها الله تعالى لخدمة الإنسان .

ومن أهم الظواهر التي يعكسها هذا الفرق الجوهري بين النظريّتين ـ الإسلامية والرأسمالية ـ موقف المذهبين من الإنتاج الرأسمالي في مجالات الثروة الطبيعية الخام ، فالرأسمالية المذهبية تسمح لرأس المال بممارسة هذا اللون من الإنتاج ، فيكون بمقدور رأس المال أن يستأجر عمّالاً لاحتطاب الخشب من أشجار الغابة أو استخراج البترول من آباره ، ويسدّد إليهم أجورهم ـ وهي كلّ نصيب العامل في النظرية الرأسمالية للتوزيع ـ ويصبح رأس المال بذلك مالكاً لجميع ما يحصل عليه الإجراء من أخشاب أو معادن طبيعية ، ومن حقّه بيعها بالثمن الذي يحلو له .

وأمّا النظرية الإسلامية للتوزيع فلا مجال فيها لهذا النوع من الإنتاج[1]؛ لأنّ رأس المال لا يظفر بشيء عن طريق تسخير الإجراء لاحتطاب الخشب واستخراج المعدن وتوفير الأدوات اللازمة لهم ، مادامت النظرية الإسلامية تجعل

____________[1]لمّا عرفنا في البناء العُلْوي من منع المحقّق الحلّي في الشرائع عن التوكيل في الاحتطاب وما إليه من حيازة المباحات ، ومنع الشيخ الطوسي على ما حكي عن بعض نسخ المبسوط من التوكيل في إحياء الأرض ، وتأكيد المحقّق الإصفهاني في كتاب الإجارة على أنّ المستأجر لا يملك بسبب عقد الإجارة ما يحوزه أجيره من الثروات الطبيعية . (المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 652

مباشرة العمل شرطاً في تملّك الثروة الطبيعية ، وتمنح العامل وحده حقّ ملكية الخشب الذي يحتطبه والمعدن الذي يستخرجه . وبذلك يقضي على تملّك الثروات الطبيعية الخام عن طريق العمل المأجور ، وتختفي سيطرة رأس المال على تلك الثروات التي يمتلكها في ظلّ المذهب الرأسمالي لمجرّد قدرته على دفع الأجور للعامل وتوفير الأدوات اللازمة له ، وتحلّ محلّها سيطرة الإنسان على ثروات الطبيعة .

واختفاء طريقة الإنتاج الرأسمالي هذا في مجال الثروات الطبيعية الخام ليس حادثاً عرضياً أو ظاهرة عابرة وفارقاً جانبياً بين النظرية الإسلامية والمذهب الرأسمالي ، وإنّما يعبّر بشكلٍ واضح وعلى أساس نظري ـ كما عرفنا ـ عن التناقض المستقطب بينهما ، وأصالة المضمون النظري للاقتصاد الإسلامي .

3 ـ استنتاج النظرية من البناء العُلْوي :

عرضنا حتى الآن النظرية الإسلامية لتوزيع ما بعد الإنتاج ونحن نفترضها افتراضاً ، بالقدر الذي تتطلّبه المقارنة بينها وبين النظرية الرأسمالية في أساسها النظري لتوزيع الثروة على عناصر الإنتاج .

ولا بدّ لكي نبرهن على صحة تصوّرنا للنظرية أن نعود الآن إلى البناء العُلْوي المتقدّم في مستهلّ البحث ، لنستنبط منه الجانب الذي افترضناه من النظرية الإسلامية ، ونبرز مدلوله المذهبي ومدى انسجامه مع الصورة التي قدّمناها .

إنّ الأحكام التي استعرضناها في البناء العُلْوي تقرّر :

أولاً : أنّ الموكّل لا يجوز له أن يقطف ثمرات عمل الوكيل في ثروات الطبيعة الخام ، فلو وكّل فرداً في الاحتطاب له من خشب الغابة مثلاً ، لم يجز له أن


صفحه 653

يمتلك الخشب الذي يظفر به وكيله ما دام لم يباشر بنفسه العمل والاحتطاب ؛ لأنّ الملكية التي تنتج عن العمل هي من نصيب العامل وحده . وهذا واضح من الفقرات الثمانية الأولى في البناء العُلْوي .

وثانياً : أنّ عقد الإجارة كعقد الوكالة ، فكما لا يملك الموكِّل الثروات التي يظفر بها وكيله من الطبيعة ، كذلك لا يملك المستأجِر الثروات الطبيعية التي يحوزها أجيره لمجرّد أنّه سدد الأجر اللازم له ؛ لأنّ تلك الثروات لا تملك إلاّ بالعمل المباشر . وهذا واضح من الفقرة السادسة .

وثالثاً : أنّ الإنسان المنتج الذي يمارس ثروات الطبيعة إذا استخدم في عمله أداة أو آلة إنتاج يملكها غيره ، لم يكن للأداة نصيب من الثروة التي يحصل عليها من الطبيعة ، وإنّما يصبح الإنسان المنتج مديناً لصاحب الأداة بمكافأة على الخدمة التي أسداها له خلال عملية الإنتاج ، وأمّا المنتج فهو ملك العامل كلّه . وهذا واضح في الفقرة 9 و 10 و 12 .

وهذه النقاط الثلاث تكفي لاكتشاف النظرية العامّة لتوزيع ما بعد الإنتاج التي يقوم على أساسها البناء العُلْوي لتلك الأحكام كلّها ، كما أنّها تكفي أيضاً للتدليل على صحة اكتشافنا للنظرية وإعطائها نفس المضمون والملامح التي حدّدناها .

فالإنسان المنتِج يملك الثروة المنتَجة من الطبيعة الخام لا بوصفه مساهماً في الإنتاج وخادماً له ، بل لأجل أنّه هو الغرض الذي يخدمه الإنتاج ، ولذلك فهو يستأثر بكلّ الثروة المنتَجة، ولا تشاركه فيها القوى والوسائل الأخرى التي خدمت الإنتاج وساهمت فيه .

وأمّا تلك الوسائل المادّية فلها أجرها على خدماتها من الإنسان العامل


صفحه 654

الذي يمارس الإنتاج ؛ لأنّها تعتبر خادمة له وليست في مستواه[1].

وهكذا نحصل باستخدام البناء العُلْوي المتقدّم على الأساس الإسلامي لتوزيع ما بعد الإنتاج ، ونبرهن في ضوئه على صدق الصورة التي قدّمناها عن النظرية الإسلامية عند مقارنتها بالنظرية الرأسمالية .

ولنواصل الآن اكتشافنا ، ولنأخذ بدراسة جانب آخر من النظرية وإبرازه عن طريق مقارنتها بالماركسية وتحديد أوجه الفرق بينهما .

[1]ويكفينا في الحصول على هذه النتائج من الناحية النظرية ، بناء البحث على أساس النقطتين الأخيرتين من النقاط الثلاث التي لخصنا فيها مدلول البناء العُلْوي ، فحتى إذا لم نعترف بالنقطة الأولى كان البناء النظري الذي شيّدناه صحيحاً ، فلنفترض أنّ الوكيل إذا أنتج لموكّله شيئاً من ثروات الطبيعة الخام ، لم يملك تلك الثروة التي أنتجها ، بل ملكها الموكِّل ـ وهذا ما أرجّحه بوصفي الفقهي (راجع ملحق رقم 15) فإنّ هذا لا يتعارض مع المبدأ القائل : إنّ الإنسان المنتج هو وحده صاحب الحقّ في الثروة التي ينتجها ؛ لأنّ الإنسان المنتج هنا يتنازل بنفسه عن هذا الحقّ ويمنح الثروة شخصاً آخر ، حين يقصد الحصول على الثروة التي ينتجها إنّما يرتبط بالنقطة القائلة من البناء العُلْوي : بأن وسيلة الإنتاج المادّية لا تشارك العامل في الثروة المنتَجة ، وبالنقطة الأخرى التي تقول : إنّ الرأسمالي ليس له أن يمتلك الثروة التي يحوزها العامل لمجرد شراء العمل منه وتجهيزه بالمعدّات اللازمة للإنتاج .

وهكذا يتّضح الفرق جوهرياً بين فكرة تملّك الموكّل الثروة التي يحوزها وكيله ، وبين فكرة تملّك الفرد الثروة التي يحوزها أجيره ، فإنّ الفكرة الثانية رأسمالية بطبيعتها ؛ لأنّها تمنح رأس المال النقدي والإنتاجي الحقّ المباشر في تملّك الثروة بدلاً عن العمل الإنساني ، وعلى عكس ذلك الفكرة الأولى التي تعترف للعامل بحقّه في الثروة ، وتعتبر وكالته عن فرد آخر في احتطاب الخشب من الغابة مثلاً تعبيراً ضمنياً عن منح العامل ملكية الخشب الفردَ الآخر ، وتنازله له عن الثروة . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 655

2 ـ أوجه الفرق بين النظرية الإسلامية والماركسية

البناء العُلْوي :

1 ـ في كتاب الإجارة من الشرائع كتب المحقّق الحلّي يقول : إذا دفع سلعة إلى غيره ليعمل له فيها عملاً ، فإن كان من عادته أن يستأجر لذلك العمل ، كالغسّال والقصّار ، فله أجرة مثل عمله ، وإن لم يكن له ـ أي : للعامل ـ عادة وكان العمل ممّا له أجرة ، فللعامل المطالبة ؛ لأنّه أبصر بنيّته ، وإذا لم يكن ممّا له أجرة بالعادة لم يلتفت إلى مدعيها[1].

وعلّق الشُرّاح على ذلك : أنّ العامل إذا عرف من نيّته التبرّع لم يجز له المطالبة بالأجرة[2].

2 ـ في كتاب الغصب من الجواهر ذكر المحقّق النجفي : أنّ شخصاً ( إذا غصب حبّا فزرعه أو بيضاً فاستفرخه ، فالأكثر يرون أنّه للمغصوب منه ، بل عن الناصرية نفي الخلاف ، بل عن السرائر الإجماع عليه وهو أشبه بأصول المذهب والقواعد ) .

[1]شرائع الإسلام 2 : 188 .

[2]راجع : جواهر الكلام 27 : 335 .