2 ـ النظرية على ضوء الأُسس الفلسفية
في ضوء المادّية الفلسفية :
تؤمن الماركسية بأنّ التفسير المادّي للتأريخ من أهم مزايا المادّية الحديثة ؛ إذ لا يمكن بدونه إعطاء التأريخ تفسيراً صحيحاً يتجاوب مع المادّية الفلسفية ، ويتسق مع المفهوم المادّي للحياة والكون . وما دام التفسير المادّي صادقاً ـ في رأي الماركسية ـ على الوجود بصورة عامة فيجب أن يصدق بالنسبة إلى التأريخ ؛ لأنّ التأريخ ليس إلاّ جانباً من جوانب الوجود العام .
وعلى هذا الأساس تعيب الماركسية على مادّية القرن الثامن عشر موقفها من تفسير التأريخ ؛ لأنّ مادّية القرن الثامن عشر الميكانيكية لم توفّق إلى هذا الكشف المادّي الجبّار في الحقل التأريخي ، بل كانت مثالية في مفاهيمها عن التأريخ ، بالرغم من اعتناقها المادّية في المجال الكوني العام . ولماذا كانت في مفهومها التأريخي مثالية ؟ كانت كذلك ـ في رأي الماركسية ـ لأنّها آمنت بالأفكار والمحتويات الروحية للإنسان ، ومنحتها دوراً رئيسياً في التأريخي ، ولم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية التي كانت تعيشها أن تتخطّى هذه العوامل المثالية إلى السبب الأعمق ، إلى القوى المادّية الكامنة في وسائل الإنتاج ، فلم تصل لأجل هذا إلى العلّة المدية للتأريخ ، ولم يحالفها التوفيق في وضع تصميم
علمي لمادّية تأريخية تتجاوب مع المادّية الكونية ؛ وإنّما ظلّت تتعلّق بالتفسيرات المثالية السطحية التي تدرس السطح التأريخي ولا تنفذ إلى الأعماق . قال أنجلز :
( وبالنسبة إلينا نجد في ميدان التأريخ أنّ المادّية القديمة لا تصدق مع ذاتها ؛ لأنّها تعتبر القوى المثالية المحرِّكة في التأريخ عِللاً نهائية ، وذلك بدلاً من البحث عمّا وراءها ، أيّ البحث عن القوى المحرّكة الفعلية الكامنة وراء هذه القوى المحرّكة ، ويبدو التناقض لا في الاعتراف بهذه القوى المثالية فحسب ، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى حتى يمكن إزاحة الستار عن العلّل المحرّكة )[1].
وأنا لا أريد في مجال بحثي هذا أن أتناول المادّية الفلسفية ؛ لأنّ ذلك ما قمت به في الحلقة الأولى ( فلسفتنا ) ، وإنّما أقصد أن أدرس هذا الربط الذي تزعمه الماركسية ، أو بعض كتّابها ، بين المادّية الفلسفية والمادّية التأريخية ، بطرح السؤال التالي :
هل من الضروري ، على أساس المادّية الفلسفية ، أن نفسّر التأريخ كما تفسّره الماركسية ونشدّ عجلته منذ فجر الحياة إلى الأبد بوسائل الإنتاج ؟
ولدى الجواب على هذا السؤال يجب أن نميّز بوضوح المفهوم الفلسفي للمادّية ، عن مفهومها التأريخي عند الماركسية ؛ فإنّ التباس أحد المفهومين بالآخر هو الذي أدّى إلى التأكيد الآنف الذكر على الارتباط بينهما ، وعلى أنّ كلّ فلسفة مادّية لا تتبنّى تفكير ماركس للتأريخ فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها ، في
[1]التفسير الاشتراكي للتأريخ : 57 .
ميدان البحث التأريخي ، ولا أن تتحرّر من المثالية في مفاهيمها التأريخية ، تحرراً نهائياً.
والحقيقة هي : أنّ المادّية بمفهومها الفلسفي تعني أنّ المادة بظواهرها المتنوّعة هي الواقع الوحيد الذي يشمل كلّ ظواهر العالم وألوان الوجود فيه ، وليست الروحيات وكل ما يدخل في نطاقها ، من أفكار ومشاعر وتجريدات ، إلاّ نتاجاً مادّياً ، وحصيلة للمادة في درجات خاصة من تطوّرها ونموّها . فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو لا يبدو في منظار المادّية الفلسفية إلا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ ، ولا يوجد واقع خارج حدود المادة ، ووجوهها المختلفة ، وليست هي بحاجة إلى أيّ معنى لا مادّي .
فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية والطبيعة التي يمارسها على أساس هذا المفهوم الفلسفي ، ليست كلّها إلاّ أوجهاً مختلفة للمادة وتطوّراتها ونشاطاتها .
هذه هي المادّية الفلسفية ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون . ولا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط المادّية والقوى المنتجة ، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه نتاجاً للإنسان . فما دام الإنسان وأفكاره ، والطبيعة وقواها المنتجة ، كلّها ضمن حدود المادة ـ كما تزعم المادّية الفلسفية ـ فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ التفسير التأريخي بأيّ حلقة من الحلقات ، فيعتبرها الحلقة الأُولى في التسلسل الاجتماعي . فكما يصحّ أن نبدأ بالأداة المنتِجة فنسبغ عليها صفة الأُلوهية للتأريخ ، ونعتبرها السبب الأعلى لكلّ التيّارات التأريخية ، كذلك يمكن ـ من وجهة النظر المادّية الفلسفية ـ أن نبدأ بالإنسانية بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التأريخ ، فكلاهما في حساب المادّية الفلسفية سواء .
وبهذا يتضح أنّ الاتجاه المادّي في الفلسفة ـ الذي يفسّر الإنسان والطبيعة
تفسيراً مادّياً ـ لا يحتّم مفهوم الماركسية عن التأريخ ، ولا يفرض النزول بالإنسان إلى درجة ثانوية في السلّم التأريخي ، واعتباره عجينة رخوة تكيّفها أدوات الإنتاج كما تشاء .
فالمسألة التأريخية ـ إذن ـ يجب أن تدرس بصورة مستقلّة عن المسألة الفلسفية للكون .
في ضوء قوانين الديالكتيك :
إنّ قوانين الديالكتيك ، هي القوانين التي تفسّر كلّ تطوّر وصيرورة بالصراع بين الأضداد في المحتوى الداخلي للأشياء . فكلّ شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضة ، ويخوض المعركة مع النقيض ، ويتطوّر طبقاً لظروف الصراع[1].
والماركسية تتّجة في مفهومها الخاص إلى تطبيق قوانين الديالكتيك هذه على الصعيد الاجتماعي ، واستعمال الطريقة الديالكتيكية في تحليل الأحداث التأريخية . فهي ترى أنّ التناقض الطبقي في صميم المجتمع تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك ، القائل : إنّ كلّ شيءٍ يحتوي في أعماقه على تناقضات وأضداد . وتنظر إلى التطوّر الاجتماعي ، بوصفه حركة ديناميكية منبثقة عن التناقضات الداخلية طبقاً لقانون الحركة الديالكتيكية العام ، القائل : إنّ كل كائن يتطوّر لا بحركة ميكانيكية وقوّة خارجية تدفعه من ورائه ، بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه وتنفجر . وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية شيئاً فشيئاً حتى تحين اللحظة المناسبة لتتفجر عن تحوّل شامل ، في
[1]لاحظ : ( فلسفتنا ) ، مبحث : الديالكتيك أو الجدل .
بناء المجتمع ونظامه وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إنّ التغيرات الكمّية التأريخية تتحوّل إلى تغيّر كيفي آني . وهكذا حاولت الماركسية ، أن تجعل من المجال التأريخي ـ عن طريق مادّيتها التأريخية ـ حقلاً خصباً لقوانين الديالكتيك العامة . ولنقف لحظة لنتبيّن مدى التوفيق الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التأريخي .
إنّ الماركسية استطاعت أن تجعل من طريقتها في التحليل التأريخي طريقة ديالكتيكية إلى حد ما ، ولكنّها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها مع طبيعة الديالكتيك ، وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .
أ ـ ديالكتيكية الطريقة :
لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية في البحث التأريخي ، بل اتّخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة ، كما مرّ في ( فلسفتنا )[1]. غير أنّها لم تنجُ بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك وقانون العلّية.
فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد : أنّ النمو والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من ظواهر الكون دون حاجة إلى قوّة أو علّة خارجية .
ومن ناحية أخري تعترف : بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو
[1]راجع : ( فلسفتنا ) ، مبحث الديالكتيك أو الجدل .
تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها .
وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التأريخي أيضاً ؛ فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات جذرية في صميم كلّ ظاهرة اجتماعية كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرّر من ناحية أخرى : أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج وطريقته الخاصة ، وأنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها ... ليست إلاّ بُنى فوقية في ذلك الصرح وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها .
فالعلاقة ـ إذن ـ بين هذه البُنى المتنوّعة الألوان وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلول بعلّة . ويعني هذا : أنّ الظاهرات الاجتماعية الفوقية لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنّما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنّا نجد أكثر من هذا ، فإنّ التناقض الذي يطوّر المجتمع ـ في رأي الماركسية ـ ليس هو التناقض الطبقي الذي قد يعتبر ـ بمعنى من المعاني ـ تناقضاً داخلياً للمجتمع ، وإنّما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلاّن ، يقوم التناقض بينهما لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .
وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية وقانون العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن تستعمل في تحليلها طريقة العلّة والمعلول في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم والتي تظل فيها العلّة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علّته ؛ لأنّ هذه السببية ،
تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النموّ والتكامل الذاتي في الطبيعة ؛ إذ أنّ المعلول طبقاً لهذه السببية لا يمكن أن يجيء حينئذٍ أثرى من علّته ، وأكثر نموّاً ؛ لأنّ هذه الزيادة في الثراء والنموّ تبقى دون تعليل . وأمّا المعلول الذي يولد من نقيضه فيتطوّر وينمو بحركة داخلية طبقاً لما يحتوي من تناقضات ؛ ليعود إلى النقيض الذي أولده ، فيتفاعل معه ، ويحقّق عن طريقة الاندماج به مركباً جديداً أكثر اغتناءً وثراءً من العلّة والمعلول منفردين . فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلّة والمعلول ؛ لأنّه يتّفق مع الديالكتيك ويعبّر عن الثالوث الديالكتيكي : ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) . فالعلّة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب . والعلّية هنا عملية نموّ وتكامل عن طريق ولادة المعلول من العلّة ، أي : الطباق من الأطروحة . والمعلول في هذه العملية لا يُولد سلبياً ، بل يُولد مزوّداً بتناقضاته الداخلية التي تنمّيه وتجعله يحتضن علّته إليه في مركّب أرقى وأكمل .
وقد استعملت الماركسية علاقات العلّة والمعلول بمفهومهما الديالكتيكي هذا في المجال التأريخي ، فلم تشذّ ـ بصورة عامة ـ عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبنّاها ، وإنّما فسّرت المجتمع على أساس أنّ له قاعدة تقوم عليها ظواهر فوقية تنشأ عن تلك القاعدة وتنمو وتتفاعل مع القاعدة ، وتنتج عن التأثير المتبادل مراحل التطوّر الاجتماعي ، طبقاً لقصّة الأطروحة والطباق والتركيب : ( الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي ) .
وينطبق هذه الوصف على الماركسية ، إذا استثنينا بعض الحالات التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التأريخي بالطريقة الديالكتيكية ، فاضطرت إلى تفسير التطوّر الاجتماعي والأحداث التأريخية في تلك الحالات
تفسيراً ميكانيكياً ، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل ، فلقد كتب أنجلز يقول :
( كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة ، التي ذكرناها آنفاً ، أن تظلّ باقية في الوجود لعدّة آلاف من السنين ، كما هي الحال في الهند وبين السلافيين إلى يومنا هذه ، قبل أن يؤدّي تعاملها مع العالم الخارجي إلى أن تنشأ في أوساطها اللامساواة في المِلكية التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكّك )[1].
ب ـ تزييف الديالكتيك التأريخي :
ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية والسببية بمعناها الديالكتيكي ، وهو : أنّ هذه السببية القائمة على أساس التناقض ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) لا تستند على العلم ، ولا إلى التحليل الفلسفي ، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية ، كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تامّاً . ولا نريد التوسّع في درس هذه النقطة ؛ لأنّنا قمنا بدراسة مفصّلة لذلك في نقدنا العام للديالكتيك ـ راجع فلسفتنا ـ ، وإنّما يعنينا ـ ونحن في المجال التأريخي ـ أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التأريخي ؛ كي يتجلّى عجزه في المجال التأريخي ، كما تجلّى في ( فلسفتنا ) عجزه في المجال الكوني العام . ولنأخذ هذا النموذج من كلام ( ماركس ) إمام الديالكتيك التأريخي ، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك في تفسير
[1]ضد دوهرنك 2 : 8 .