بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 654

الذي يمارس الإنتاج ؛ لأنّها تعتبر خادمة له وليست في مستواه[1].

وهكذا نحصل باستخدام البناء العُلْوي المتقدّم على الأساس الإسلامي لتوزيع ما بعد الإنتاج ، ونبرهن في ضوئه على صدق الصورة التي قدّمناها عن النظرية الإسلامية عند مقارنتها بالنظرية الرأسمالية .

ولنواصل الآن اكتشافنا ، ولنأخذ بدراسة جانب آخر من النظرية وإبرازه عن طريق مقارنتها بالماركسية وتحديد أوجه الفرق بينهما .

[1]ويكفينا في الحصول على هذه النتائج من الناحية النظرية ، بناء البحث على أساس النقطتين الأخيرتين من النقاط الثلاث التي لخصنا فيها مدلول البناء العُلْوي ، فحتى إذا لم نعترف بالنقطة الأولى كان البناء النظري الذي شيّدناه صحيحاً ، فلنفترض أنّ الوكيل إذا أنتج لموكّله شيئاً من ثروات الطبيعة الخام ، لم يملك تلك الثروة التي أنتجها ، بل ملكها الموكِّل ـ وهذا ما أرجّحه بوصفي الفقهي (راجع ملحق رقم 15) فإنّ هذا لا يتعارض مع المبدأ القائل : إنّ الإنسان المنتج هو وحده صاحب الحقّ في الثروة التي ينتجها ؛ لأنّ الإنسان المنتج هنا يتنازل بنفسه عن هذا الحقّ ويمنح الثروة شخصاً آخر ، حين يقصد الحصول على الثروة التي ينتجها إنّما يرتبط بالنقطة القائلة من البناء العُلْوي : بأن وسيلة الإنتاج المادّية لا تشارك العامل في الثروة المنتَجة ، وبالنقطة الأخرى التي تقول : إنّ الرأسمالي ليس له أن يمتلك الثروة التي يحوزها العامل لمجرد شراء العمل منه وتجهيزه بالمعدّات اللازمة للإنتاج .

وهكذا يتّضح الفرق جوهرياً بين فكرة تملّك الموكّل الثروة التي يحوزها وكيله ، وبين فكرة تملّك الفرد الثروة التي يحوزها أجيره ، فإنّ الفكرة الثانية رأسمالية بطبيعتها ؛ لأنّها تمنح رأس المال النقدي والإنتاجي الحقّ المباشر في تملّك الثروة بدلاً عن العمل الإنساني ، وعلى عكس ذلك الفكرة الأولى التي تعترف للعامل بحقّه في الثروة ، وتعتبر وكالته عن فرد آخر في احتطاب الخشب من الغابة مثلاً تعبيراً ضمنياً عن منح العامل ملكية الخشب الفردَ الآخر ، وتنازله له عن الثروة . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 655

2 ـ أوجه الفرق بين النظرية الإسلامية والماركسية

البناء العُلْوي :

1 ـ في كتاب الإجارة من الشرائع كتب المحقّق الحلّي يقول : إذا دفع سلعة إلى غيره ليعمل له فيها عملاً ، فإن كان من عادته أن يستأجر لذلك العمل ، كالغسّال والقصّار ، فله أجرة مثل عمله ، وإن لم يكن له ـ أي : للعامل ـ عادة وكان العمل ممّا له أجرة ، فللعامل المطالبة ؛ لأنّه أبصر بنيّته ، وإذا لم يكن ممّا له أجرة بالعادة لم يلتفت إلى مدعيها[1].

وعلّق الشُرّاح على ذلك : أنّ العامل إذا عرف من نيّته التبرّع لم يجز له المطالبة بالأجرة[2].

2 ـ في كتاب الغصب من الجواهر ذكر المحقّق النجفي : أنّ شخصاً ( إذا غصب حبّا فزرعه أو بيضاً فاستفرخه ، فالأكثر يرون أنّه للمغصوب منه ، بل عن الناصرية نفي الخلاف ، بل عن السرائر الإجماع عليه وهو أشبه بأصول المذهب والقواعد ) .

[1]شرائع الإسلام 2 : 188 .

[2]راجع : جواهر الكلام 27 : 335 .


صفحه 656

وذكر قولاً فقهياً آخر يزعم : أنّ الزرع والفرخ للغاصب ؛ لأنّ البذر والبيض الذي كان يملكه المغصوب منه يعتبر متلاشياً ومضمحلاً ، فيكون الزرع والفرخ شيئاً جديداً يملكه الغاصب بعمله فيهما[1].

وإلى هذا القول ذهب المرغيناني ، حيث قال : ( وإذا تغيّرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعظم منافعها ، زال الملك المغصوب منه عنها ومَلَكها الغاصب )[2].

وقال السرخسي : ( وإن غصب حنطة فزرعها ، ثمّ جاء صاحبها وقد أدرك الزرع أو هو بقل ، فعليه حنطة مثل حنطته ولا سبيل له على الزرع عندنا . وعند الشافعي : الزرع له ؛ لأنّه متولّد من مِلكه )[3].

3 ـ وفي نفس الكتاب[4]جاء : أنّ شخصاً ( إذ غصب أرضاً فزرعها أو غرسها ، فالزرع ونماؤه للزارع بلا خلاف أجده ، بل في التنقيح[5]أنعقد الإجماع عليه وعلى الزارع أجرة الأرض ) .

وقد أكّدت ذلك عدّة أحاديث ، ففي رواية عقبة بن خالد ، أنّه سأل الإمام الصادق : ( عن رجل أتى أرض رجل فزرعها بغير إذنه ، حتى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال : زرعت بغير إذني فزرعك لي ، وعلي ما أنفقت . أله ذلك أم لا ؟ فقال الإمام : للزارع زرعه ، ولصاحب الأرض كِراء أرضه )[6].

[1]جواهر الكلام 37 : 198 .

[2]راجع شرح فتح القدير 8 : 259 .

[3]المبسوط 11 : 94 .

[4]جواهر الكلام 37 : 202 .

[5]التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 4 : 77 .

[6]وسائل الشيعة 25 : 387 ، الباب 2 من أبواب كتاب الغصب ، الحديث الأوّل .


صفحه 657

وقال ابن قدامة : ( وإن غصب أرضاً فغرسها فأثمرت فأدركها ربّها ، بعد أخذ الغاصب ثمرتها ، فهي له ، وإن أدركها والثمرة فيها فكذلك ؛ لأنّها ثمرة شجره فكانت له كما لو كانت في أرضه )[1].

4 ـ جاء في كتاب المزارعة من الجواهر : ( أنّه في كلّ موضع يحكم فيه ببطلان المزارعة يجب لصاحب الأرض أجرة المثل ، ويكون الزرع مِلكاً للعامل نفسه إن كان البذر من العامل ، وأمّا إذا كان البذر من صاحب الأرض فالزرع له أيضاً ـ أي : لصاحب الأرض ـ وعليه أجرة مثل العامل والعوامل ـ أي : وسائل الإنتاج ـ ، ولو كان البذر منهم ـ أي : من العامل وصاحب الأرض ـ فالحاصل بينهما على النسبة )[2].

ويستخلص من هذا التفصيل : أنّ الزرع يملكه صاحب البذر سواء كان هو الزارع أم صاحب الأرض ؛ لأنّ البذر هو الذي يكوّن المادة الأساسية للزرع ، وفي حالة كون البذر من الزارع لا يوجد للأرض حقّ في الزرع وإنّما تجب الأجرة لصاحب الأرض على العامل الزارع الذي استخدم أرضه في زراعة بذره .

ويستفاد الشيء نفسه أيضاً من فقه المبسوط للسرخسي ، إذ ربط ملكية صاحب الأرض للنماء كلّه في حالة بطلان عقد المزارعة بأنّه نماء بذره ، فصاحب الأرض يملك الحاصل بوصفه مالكاً للبذر لا بوصفه مالكاً للأرض )[3].

وقد صرّح الشيخ الطوسي في حالة المزارعة الفاسدة بأنّ الزرع لصاحب البذر ؛ مُعلّلا ذلك : بأنّ الزرع هو نفس البذر غير أنّه نما وزاد ويرجع صاحب .

[1]المغني 5 : 394 .

[2]جواهر الكلام 27 : 47 .

[3]راجع : المبسوط 23 : 116 .


صفحه 658

الأرض على الزارع بمثل أجرة أرضه[1].

5 ـ وفي كتاب المساقاة من الجواهر أنّه في كلّ موضع تفسد فيه المساقاة فللعامل أجرة المثل والثمرة لصاحب الأصل ؛ لأنّ النماء يتبع الأصل في المِلكية[2].

وبيان ذلك : أنّ شخصاً إذا كان يملك أشجاراً تحتاج إلى السقي والملاحظة لتؤتي ثمارها ، فيمكنه دفع تلك الأشجار إلى عامل والارتباط معه بعقد ، يتعهّد فيه العامل برعايتها وسقايتها ويصبح في مقابل ذلك شريكاً لصاحب الأشجار في الثمرة بنسبة تحدد في العقد . ويطلق على هذا النوع من الإنفاق بين صاحب الأشجار والعامل ـ فقهيّاً ـ اسم : المساقاة . وينصّ الفقهاء على وجوب تقيّد الطرفين المتعاقدين بمحتوى العقد ، إذا توفّرت فيه الشروط بشكل كامل ، وأمّا إذا فقد العقد أحد مقوّماته وشروطه ، فلا يكون له أثر من الناحية الشرعية ، وفي هذه الحالة يقرّر النصّ الفقهي الذي قدّمناه : أنّ الثمرة في حال بطلان العقد تكون كلّها مِلكاً لصاحب الأشجار ، وليس للعامل إلاّ الأجرة المناسبة ، التي يطلق عليهما فقهياً اسم : أجرة المثل ؛ جزاءً له على خدماته وجهوده التي بذلها في استثمار الأشجار .

6 ـ عقد المضاربة هو عقد خاص يتّفق فيه العامل مع صاحب العامل على الاتّجار بماله ومشاركته في الأرباح ، فإذا لم يستوف العقد عناصر صحّته لأيّ اعتبار من الاعتبارات يصبح الربح كلّه للمالك ، كما نصّ على ذلك الفقهاء في الجواهر وغيرها ، وليس للعامل إلاّ الأجرة المناسبة في بعض الحالات[3].

[1]المبسوط 2 : 359 .

[2]جواهر الكلام 27 : 76 .

[3]راجع المبسوط 3 : 171 ، وجواهر الكلام 26 : 338 ، ومفتاح الكرامة 7 : 437 ، والمبسوط (للسرخسي) 22 : 22 .


صفحه 659

من النظرية :

كشفنا حتى الآن عن النظرية العامة لتوزيع ما بعد الإنتاج في الإسلام ، بالقدر الذي تطلّبته المقارنة بينها وبين النظرية الرأسمالية في الأساس النظري للتوزيع . ونريد الآن أن نواصل اكتشافنا لمعالم النظرية الإسلامية ومميّزاتها من خلال مقارنتها بالنظرية الماركسية لتوزيع ما بعد الإنتاج وتحديد أوجه الفرق بين النظريتين .

وسوف نبد ـ كما صنعنا في المرحلة السابقة ـ بإعطاء الصورة وإبراز أوجه الفرق بين النظريتين كما نؤمن بها قبل أن نتناول البناء العُلْوي بالبحث ، حتى إذا أتيح لنا أن نتصوّر بوضوح جوانب الاختلاف والمدلول المذهبي لهذا الاختلاف ، عدنا إلى فحص البناء العُلْوي لنستخرج منه الأدلّة التي تدعم تصوّرنا وتدلّ فقهياً على صوابه .

1 ـ ظاهرة ثبات الملكية في النظرية :

ونستطيع أن نلخّص الفرق بين النظرية الإسلامية والنظرية الماركسية في نقطتين جوهريتين :

وإحدى هاتين النقطتين هي : أنّ النظرية الإسلامية لتوزيع ما بعد الإنتاج إنّما تمنح الإنسان العامل كلّ الثروة التي أنتجها إذا كانت المادة الأساسية التي مارسها العامل في عملية الإنتاج ثروة طبيعية لا يملكها فرد آخر ، كالخشب الذي يقتطعه العامل من أشجار الغابة ، أو الأسماك والطيور في البحر والجو التي يصطادها الصائد من الطبيعة ، أو المواد المعدنية التي يستخرجها المنتج من مناجمها ، أو الأرض المَيتَة التي يحييها الزارع ويعدّها للإنتاج ، أو عين الماء التي


صفحه 660

يستنبطها الشخص من أعماق الأرض ، فإنّ كلّ هذه الثروات ليست في وضعها الطبيعي مِلكاً لأحد ، فعملية الإنتاج تعطي الإنسان المنتج حقّاً خاصاً فيها ، ولا تشترك معه الوسائل المادّية للإنتاج في تملّك تلك الثروات كما عرفنا سابقاً .

وأمّا إذا كانت المادة الأساسية التي مارسها الإنسان في عملية الإنتاج مِلكاً أو حقّاً لفردٍ آخر نتيجة لأحد الأسس التي عرضناها في النظرية العامة لتوزيع ما قبل الإنتاج ، فهذا يعني أنّ المادة قد تمّ تملّكها أو الاختصاص بها في توزيع سابق ، فلا مجال لمنحها على أساس الإنتاج الجديد للإنسان العامل ، ولا لأيّ عامل من العوامل التي استخدمها في العملية ، فمن غزل ونسج كمّية من الصوف الذي يملكه الراعي ، ليس له الحق في امتلاك الصوف الذي نسجه ، أو مشاركة الراعي في ملكيّته على أساس عمله الذي أنفقه فيه ، بل يعتبر النسيج كلّه مِلكاً للراعي ؛ ما دام هو الذي يملك مادّته الأساسية وهي الصوف ، فملكية الراعي للصوف الذي أنتجه لا تزول ولا تتضاءل بإنفاق عمل جديد من فرد آخر في غزل الصوف ونسجه . وهذا ما نطلق عليه اسم ظاهرة الثبات في الملكية .

والماركسية على عكس ذلك ، فهي ترى : أنّ العامل الذي يتسلّم المواد من الرأسمالي وينفق جهده عليها يملك من المادة بمقدار ما منحها بعمله من قيمة تبادلية جديدة ، ولأجل هذا كان العامل في رأي الماركسية صاحب الحقّ الشرعي في السلعة المنتجة باستثناء قيمة المادة التي تسلّمها العامل من الرأسمالي قبل عملية الإنتاج .

ومردّ هذا الاختلاف يبن الماركسية والإسلام إلى ربط الماركسي بين الملكية والقيمة التبادلية من ناحية ، وربطها بين القيمة التبادلية والعمل من ناحية أخرى ، فأنّ الماركسية تعتقد ـ من الناحية العلمية ـ أنّ القيمة التبادلية وليدة


صفحه 661

العمل[1]، وتفسّر ـ من الناحية المذهبية ـ ملكية العامل للمادّة التي يمارسها على أساس القيمة التبادلية التي ينتجها عمله في المادة . ونتيجة لذلك يصبح من حقّ أيّ عامل إذا منح المادّة قيمة جديدة أن يملك هذه القيمة التي جسّدها في المادة .

وخلافاً للماركسية يفصل الإسلام بين الملكية والقيمة التبادلية ، ولا يمنح العامل حقّ الملكية في المادة على أساس القيمة الجديدة التي أعطاها العامل للمادة ، وإنّما يضع العمل أساساً مباشراً للملكية كما مرّ بنا في بحث نظرية توزيع ما قبل الإنتاج ، فإذا ملك فردٌ المادة على أساس العمل وكان الأساس لا يزال قائماً ، فلا يسمح لشخص آخر أن يحصل على ملكية جديدة في المادة وإن منحها بعمله قيمة جديدة .

وهكذا نستطيع أن نلخّص النظرية الإسلامية كما يلي : أنّ المادة التي يمارسها الإنسان المنتج إذا لم تكن مملوكة سابقاً فالثروة المنتجة كلّها للإنسان وجميع القوى الأخرى المساهمة في الإنتاج تعتبر خادمة للإنسان وتتلقى المكافأة منه ، لا شريكة في الناتج على أساس مساهمتها في صف واحد مع الإنسان ، وأمّا إذا كانت المادّة مملوكة سابقاً لفردٍ خاص فهي ملكه مهما طرأ عليها من تطوير طبقاً لظاهرة الثبات كما رأينا في مثال الصفوف .

وقد يخيّل للبعض أنّ هذه الملكية ـ أي : تملّك صاحب الصوف لنسيج صوفه واحتفاظ مالك المادة بملكيته لها مهما طرأ عليها من تطوير نتيجة لعمل غيره فيه ـ تعني أنّ الثروة المنتجة يستأثر بها رأس المال والقوى المادّية في الإنتاج نظراً إلى أنّ مادة السلعة المنتجة ـ وهي الصوف في مثالنا ـ تعتبر من الناحية

[1]لتوضيح ذلك راجع : الكتاب الأوّل : دراسة نقدية للمادّية التأريخية [في مبحث] : (4 ـ العوامل الطبيعية والماركسية)