بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 664

استنتاج النظرية من البناء العُلْوي :

والآن بعد أن استعرضنا أوجه الفرق بين النظرتين الإسلامية والماركسية كما نتصوّرها ونفترضها ، يمكننا أن نضع أصابعنا بتحديد على أدلّة هذه الفروق ومبرّراتها من البناء العُلْوي الذي قدّمناه ، كما هي طريقتنا في اكتشاف النظرية من صرحها التشريعي الفوقي .

إنّ كلّ الفقرات التي سبقت في البناء العُلْوي تشترك في ظاهرة واحدة ، وهي : أنّ المادة التي تدخل في عملية الإنتاج ملك لفرد معيّن قبل ذلك ، ولأجل هذا تؤكّد الفقرات جميعاً على بقاء المادّة بعد تطويرها في عملية الإنتاج مِلكاً لصاحبها السابق .

فالسلعة التي يدفعها صاحبها إلى أجير لكي يعمل فيها ويطوّرها في الفقرة الأولى تظلّ ملكاً له وليس للأجير أن يملكها بسبب عمله وإن طوّرها وخلق فيها قيمة جديدة ؛ لأنّها مملوكة بملكية سابقة .

والعامل الذي يغتصب أرض غيره فيزرعها ببذره يمتلك الزرع الناتج كما نصّت عليه الفقرة الثالثة ، ولا نصيب لصاحب الأرض في الزرع ، وذلك لأنّ الزارع هو المالك للبذر والبذر هو العنصر الأساسي من المادّة التي تطوّرت خلال الإنتاج الزراعي إلى زرع . وأمّا الأرض فهي بوصفها قوّة مادّية مساهمة في الإنتاج تعتبر في النظرية الإسلامية خادمة للإنسان الزارع ، فعليه مكافأته ـ أي : مكافأة صاحبه ـ فالإسلام يفرّق إذن بين البذر والأرض ، فيمنح حقّ ملكية الزرع لصاحب البذر دون صاحب الأرض ، بالرغم من أنّ كلاً منهما رأس مال بالمعنى الاقتصادي ، وقوّة مادّية مساهمة في الإنتاج ، وهذا يكشف بوضوح عن الحقيقة التي قرّرناها سابقاً وهي أنّ صاحب المادّة الخام التي يمارسها الإنتاج


صفحه 665

ويطوّرها إنّما يملك تلك المادة بعد تطويرها ؛ لأنّها هي نفس المادة التي كان يملكها ، لا لأنّ المادة الخام تحمل الطابع الرأسمالي في عملية الإنتاج ، وإلاّ لَما ميّز الإسلام بين البذر والأرض وحَرَم صاحب الأرض من ملكية الزرع بينما منحها لصاحب البذر ، بالرغم من اشتراك البذر والأرض في الطابع الرأسمالي بالمعنى العام لرأس المال الذي يشمل كلّ القوى المادّية للإنتاج .

والفقرة الرابعة والخامسة تتّفقان معاً على تقرير المبدأ الذي قرّرته الفقرة الثالثة ، وهو أنّ ملكية الزرع أو الثمرة تمنح لمن يملك المادّة التي تطوّرت خلال الإنتاج إلى زرع أو ثمرة ، ولا تمنح لصاحب الأرض ولا لمالك أيّ قوّة أخرى من القوى التي تساهم في عملية الإنتاج الزراعي وتحمل الطابع الرأسمالي في العملية .

والفقرة الأخيرة تمنح ملكية الربح لصاحب المال إذا بطل عقد المضاربة ، ولا تسمح للعامل بتملّكه أو الاشتراك في ملكيّته ؛ لأنّ هذا الربح وإن كان ـ في الغالب ـ نتيجة للجهد الذي يبذله العامل في شراء السلعة وإعدادها بين يدي المستهلكين بشكل يتيح بيعها بثمن أكبر ، ولكن هذا الجهد ليس إلاّ نظير جهد العامل في غزل الصوف الذي يملكه الراعي أو نسجه لا أثر له في النظرية ما دامت المادّة ـ مال المضاربة أو الصوف ـ مملوكة بملكية سابقة .

بقي علينا أن نشير إلى الفقرة الثانية من البناء العُلْوي بصورة خاصة ، وهي الفقرة التي تتّحدث عن الشخص إذا غصب من آخر بيضاً فاستغلّه في الإنتاج الحيواني أو بذراً فاستثمره في الإنتاج الزراعي ، فإنّ الفقرة تنصّ على أنّ الرأي السائد فقهياً هو : أنّ الناتج ـ الفرخ أو الزرع ـ ملك لصاحب البيض والبذر ، وتشير إلى رأي فقهي آخر ، يقول : أنّ الغاصب الذي مارس عملية الإنتاج هو الذي يملك الناتج .


صفحه 666

وقد رأينا في تلك الفقرة التي استعرضت هذين الرأيين أنّ مردّهما فقهياً إلى الاختلاف بين الفقهاء في تحديد نوع العلاقة بين البيض والطائر الذي خرج من أحشائه . وكذلك بين البذر والزرع الذي نتج عنه . فمن يؤمن بوحدتهما وإنّ الفرق بينهما فرق درجة ، كالفرق بين ألواح الخشب والسرير المتكوّن منها ، يأخذ بالرأي الأوّل ويعتبر الشخص الذي اغتصب منه بيضه وبذره هو المالك للناتج .

ومن يرى أنّ المادة ـ البيض والبذر ـ قد تلاشت في عملية الإنتاج ، وأنّ الناتج شيء جديد في تصوّر العرف العام قام على أنقاض المادّة الأولى بسبب عمل الغاصب وجهده الذي بذله خلال عملية الإنتاج ، فالمالك للناتج في رأيه هو الغاصب ؛ لأنّه شيء جديد لم يملكه صاحب البيض والبذر قبل ذلك ، فمن حقّ العامل ـ وإن كان غاصب ـ أن يمتلكه على أساس عمله .

وليس المهم هنا حلّ هذا التناقض فقهياً بين هذين الرأيين وتمحيص وجهات النظر فيهما ، وإنّما نستهدف الاستفادة من مدلوله النظري في موقفنا المذهبي من النظرية ؛ لأنّ هذا النزاع الفقهي يكشف بوضوح أكثر عن الحقيقة التي كشف عنها فقرات أخرى في البناء العُلْوي ، وهي أنّ منح صاحب الصوف ملكية النسيج وصاحب كلّ مادة ملكية تلك المادة بعد ممارستها في عملية الإنتاج لا يقوم على أساس أنّ الصوف والمادة الأولية نوع من رأس المال في عملية الغزل والنسيج . وإنّما يقوم على أساس ظاهرة الثبات في الملكية التي تقرّر أنّ من يملك مادّة يظلّ محتفظاً بملكية لها مادامت المادة قائمة والمبرّرات الإسلامية للملكية باقية ، فإنّ الفقهاء حين اختلفوا في ملكية الناتج من البيض أو البذر ربطوا موقفهم الفقهي من ذلك بوجهة نظرهم في طبيعة الصلة بين المادة والنتيجة . وهذا يعني أنّ مَن مَنَحَ المغصوب منه ملكية الناتج لم يقل بذلك على أساس مفهوم رأسمالي ، ولم يرجّح ملكية صاحب البيض والبذر لأنّه هو المالك لرأس المال أو


صفحه 667

النوع منه في عملية الإنتاج ؛ إذ لو كان هذا هو الأساس في الترجيح لَما اختلفت النتيجة الفقهية في رأي الفقهاء تبعاً لوحدة المادة والنتيجة وتعدّدهما ؛ لأنّ المادة رأس مال في عملية الإنتاج على كلّ حال ، سواء استهلكت خلال العملية أم تجسّدت في المنتوج الذي أسفر عنه العمل ، فكان لزاماً على الفقهاء من وجهة نظر الرأسمالية أن يمنحوا مالك المادة ـ البيض أو البذر ـ حقّ ملكية الناتج مهما كانت العلاقة بينه وبين المادة ، ولكنّهم خلافاً لوجهة النظر هذه لم يمنحوا مالك المادة ـ كالبذر مثل ـ حقّ ملكية الزرع إلاّ إذا ثبت في العرف العام أنّ المنتوج هو نفس المادة في حالة معيّنة من التطوّر .

وهذا يقرّر بوضوح أنّ منح ملكية السلعة المنتجة لمالك المادة لا العامل يقوم على أساس ما أطلقنا عليه اسم ظاهرة الثبات في الملكية ولا يستمدّ مبرّره الإسلامي من وجهة النظر الرأسمالية التي تقول : إنّ السلعة المنتجة يملكها رأس المال ، وإنّ العامل أجير لدى رأس المال يتقاضى أجره على عمله منه .

وهكذا ندرك بوضوح مدى الفرق النظري بين التفسير الإسلامي لمنح صاحب المادة الأولية في الإنتاج ملكية الثروة المنتجة، وبين تفسيرها على أساس وجهة نظر رأسمالية.


صفحه 668

صفحه 669

3 ـ القانون العام لمكافأة المصادر المادّية للإنتاج

البناء العُلْوي :

1 ـ يجوز للإنسان المنتج أن يستأجر إحدى أدوات الإنتاج وآلاته من غيره ليستخدمها في عمليّاته ويدفع إلى مالك الأداة مكافأة يتّفق عليها معه ، وتعتبر هذه المكافأة أجرة لمالك الأداة على الدور الذي لعبته في عملية الإنتاج ودَيناً في ذمّة الإنسان المنتج يجب عليه تسديده ، بقطع النظر عن مدى ونوع المكاسب التي يحصل عليها في عملية الإنتاج ، وهذا كلّه ممّا اتفق عليه الفقهاء[1].

2 ـ كما يجوز استئجار أداة من أدوات الإنتاج كمحراث أو معمل نسيج ، كذلك يجوز للإنسان المنتِج أن يستأجر أرضاً بأجرة معيّنة من صاحبها الذي يختصّ بها اختصاص حقٍّ أو ملكيّة . فإذا كنت مزارعاً ـ مثلاً ـ أمكنك أن تستخدم أرض غيرك بالاتفاق معه ، وتدفع له نظير ذلك أجرة مكافأة له على الخدمة التي قدّمتها أرضُه في عملية الإنتاج .

وهذا الحكم يتّفق عليه أكثر الفقهاء المسلمين ، ولا خلاف فيه إلاّ مِن بعض

[1]راجع المبسوط 3: 230 ، ومفتاح الكرامة 7 : 82 .


صفحه 670

الصحابة[1]، وعدد قليل من المفكّرين الإسلاميين الذين أنكروا جواز إجارة الأرض ، استناداً إلى روايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)سوف ندرسها في بحث مقبل إن شاء الله تعالى ، ونوضح عدم تناقضها مع الرأي الفقهي السائد .

وكذلك يجوز للإنسان أيضاً أن يستأجر عاملاً لخياطة الثوب وغزل الصوف وبيع الكتاب وشراء صفقة تجارية ، فإذا أنجز الأجير المهمّة التي كلّف بها وجب على من استأجره دفع الأجرة المحدّدة له .

3 ـ شرع الإسلام عقد المزارعة كأسلوب لتنظيم شركة معيّنة بين صاحب الأرض والزارع ، يتعهّد بموجبه الزارع بزرع الأرض ويقاسم صاحب الأرض الناتج الذي يسفر عنه العمل . ويحدّد نصيب كلّ منهما بنسبة مئوية من مجموع الناتج .

ولنأخذ فكرتنا عن عقد المزارعة من نصٍّ للشيخ الطوسي في كتاب الخلاف شرَح فيه مفهوم المزارعة وحدودها المشروعة ، إذ كتب يقول : ( يجوز أن يعطي ـ صاحب الأرض ـ الأرضَ غيره ببعض ما يخرج منها ، بأن يكون منه الأرض والبذر، ومن المتقبّل[2]القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها )[3].

ففي هذا الضوء نعرف أنّ عقد المزارعة شِركة بين عنصرين :

أحدهما : العمل من العامل الزارع . والآخر : الأرض والبذر من صاحب الأرض . وعلى أساس هذا التحديد الذي كتبه الشيخ الطوسي ، يصبح من غير المشروع إنجاز عقد المزارعة بمجرّد تقديم صاحب الأرض لأرضه ، وتكليف

[1]راجع الخلاف 3 : 516 ـ 517 ، المسألة 2 . والمغني 5 : 596 .

[2]المتقبّل : هو العامل الذي يستخدم أرض غيره . (المؤلّف(قدّس سرّه))

[3]الخلاف 3 : 476 .


صفحه 671

العامل بالعمل والبذر معاً ؛ لأنّ مساهمة صاحب الأرض بالبذر أخذت شرطاً أساسياً لعد المزارعة في النصّ السابق ، وإذا تمّ ما يقرّره هذا النصّ بشأن البذر ، فعلى ضوئه يمكننا أن نفهم ما جاء عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)من النهي عن المخابرة ، لأنّ المخابرة[1]هي نوع من المزارعة يكلّف فيه صاحب الأرض بتسليم الأرض دون البذر . وهكذا نعرف من حدود النصّ الذي كتبه الشيخ الطوسي : أنّ تعهّد صاحب الأرض بدفع البذر للعامل يعتبر عنصراً أساسياً في عقد المزارعة ، ولا يصحّ العقد بدون ذلك[2].

وهذا ما ذهب إليه جملة من الفقهاء أيضاً فقد كتب ابن قدامة يقول : ( ظاهر المذهب أنّ المزارعة إنّما تصحّ إذا كان البذر من ربّ الأرض والعمل من العامل ، نصّ عليه أحمد في رواية جماعة ، واختاره عامّة الأصحاب وهو مذهب ابن سيرين والشافعي وإسحاق )[3].

4 ـ المساقاة عقد آخر يشابه عقد المزارعة ، وهو لون من الاتفاق بين شخصين : أحدهما يملك أشجاراً وأغصاناً ، والآخر قادر على ممارسة سقيها حتى تؤتي ثمارها . ويتعهّد العامل في هذا العقد بسقي تلك الأشجار والأغصان حتى تُثمر ، وفي مقابل ذلك يشارك المالك في الثمار بنسبة مئوية تحدّد ضمن العقد . وقد أجاز الإسلام هذا العقد ، كما جاء في كثير من النصوص الفقهية[4].

[1]راجع : سُنن أبي داود 3 : 262 ، كتاب البيوع ، باب المخابرة ، الحديث 2407 .

[2]راجع : المبسوط 3 : 253 .

[3]المغني 5 : 589 .

[4]راجع المبسوط 3 : 207 . والروضة البهية 2 : 507 .