بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 683

يؤاجر تلك الأرض قطعاً على أن يعطيهم البذر والنفقة ، فيكون له في ذلك فضل على إجارته ، وله تربة الأرض أو ليست له . فقال له : ( إذا استأجرت أرضاً فأنفقت فيها شيئاً أو رممّت فيها ، فلا بأس بما ذكرت )[1].

(هـ) حديث أبي بصير عن الصادق(عليه السلام)، أنّه قال : ( إذا تقبّلت أرضاً بذهب أو فضّة ، فلا تقبّلها بأكثر ممّا قبّلتها به ، لأنّ الذهب والفضّة مضمونان )[2].

(و) حديث الحلبي عن الصادق(عليه السلام)، في الرجل يستأجر الدار ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به . قال : ( لا يصلح ذلك إلاّ أن يُحدث فيها شيئاً )[3].

(ز) في حديث إسحاق بن عمار ، أنّ الإمام محمّد الباقر(عليه السلام)كان يقول : ( لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ، ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً )[4].

(ح) روى سماعة قال : سألته(عليه السلام)عن رجل اشترى مرعى يرعى فيه بخمسين درهماً أو أقل أو أكثر ، فأراد أن يدخل معه من يرعى معه فيه ، قبل أن يدخله منهم الثمن ؟ قال : ( فليدخل من شاء ببعض ما أعطى ، وإن أدخل معه بتسعة وأربعين ، وكانت غنمه بدرهم فلا بأس وإن هو رعى فيه قبل أن يدخله بشهر أو شهرين أو أكثر من ذلك ، بعد أن يبيّن لهم فلا بأس . وليس له أن يبيعه بخمسين درهماً ويرعى معهم ، ولا بأكثر من خمسين درهماً ولا يرعى معهم ، إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى عملاً ؛ حفر بئراً أو شقّ نهراً ، تعنّى فيه برضا أصحاب المرعى ،

[1]وسائل الشيعة 19 : 127 ، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة ، الحديث 3 و 4 .

[2]المصدر السابق : 128 ـ 129 ، الحديث 6 ، مع اختلاف يسير .

[3]المصدر السابق : 130 ، الباب 22 من أبواب كتاب الإجارة ، الحديث 4 .

[4]المصدر السابق : 129 ، الحديث 2 .


صفحه 684

فلا بأس ببيعه بأكثر ممّا اشتراه لأنّه قد عمل فيه عملاً ، فبذلك يصلح له[1].[2]

وقد نقل الجُزيري عن الفقهاء الأحناف أنّ الشخص إذا استأجر داراً أو دكّاناً بمبلغ معيّن كجنيه في الشهر فلا يحلّ له أن يؤجّرها لغيره بزيادة[3]، وهذا هو نفس الموقف الذي رأيناه لدى الفقهاء الأماميّين .

وذكر السرخسي الحنفي في مبسوطه عن الشعبي ، في رجل استأجر بيتاً وآجره بأكثر ممّا استأجره به : إنّه لا بأس بذلك إذا كان يفتح بابه ويغلقه ويخرج متاعه ، فلا بأس بالفضل . وعلّق السرخسي على ذلك بقوله : بيّن أنّه إنّما يجوز له أن يستفضل إذا كان يعمل فيه عملاً نحو فتح الباب وإخراج المتاع ، فيكون الفضل له بإزاء عمله ، وهذا فضل اختلف فيه السلف ... وكان إبراهيم يكره الفضل إلاّ أن يزيد فيه شيئاً ، فإن زاد فيه شيئاً طاب له الفضل وأخذنا بقول إبراهيم[4].

وكما لا يجوز لمن استأجر أرضاً أو أداة إنتاج أن يؤاجرها بأجرة أكبر ، كذلك لا يسمح له أيضاً أن يتّفق مع شخص على إنجاز عمل بأجرة معيّنة ثمّ يستأجر للقيام بذلك العمل أجيراً آخر لقاء مبلغ أقلّ من الأجرة التي ظفر بها في الاتفاق الأوّل ، ليحتفظ لنفسه بالفارق بين الأُجرتين .

[1]الفروع من الكافي 5 : 273 ، الحديث 10 .

[2]ليس المقصود بالبيع هنا المدلول الحقيقي الخاص لكلمة البيع ؛ وذلك بقرينة قوله : ( إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى ... برضا أصحاب المرعى ) . فإنّه يدلّ على أنّ للمرعى لأصحابه ، وهذا يتنافى مع افتراض أنّ الراعي قد اشتراه حقيقة . فيجب أن تفهم كلمة البيع بمعنى عام يمكن أن ينطبق على الإجارة .

[3]الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 117 ، مع تصرفٍ يسير .

[4]المبسوط [للسرخسي] 15 : 78 .


صفحه 685

ففي رواية محمّد بن مسلم أنّه سأل الصادق(عليه السلام): عن الرجل يتقبّل بالعمل فلا يعمل فيه ، ويدفعه إلى آخر فيربح فيه ؟ قال : ( لا ، إلاّ أن يكون قد عمل شيئاً )[1].

وفي حديث آخر : أنّ أبا حمزة سأل الإمام الباقر(عليه السلام): ( عن الرجل يتقبّل العمل فلا يعمل فيه ، ويدفعه إلى آخر يربح فيه ؟ قال : لا )[2].

وفي نصّ ثالث ، سئل الإمام(عليه السلام): عن الرجل الخياط يتقبّل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل ؟ قال الإمام : لا بأس قد عمل فيه )[3].

وعن مجمع أنّه قال : قلت لأبى عبد الله الصادق(عليه السلام): أتقبّل الثياب أخيطها ثمّ أعطيها الغلمان بالثلثين ؟ فقال : أليس تعمل فيها ؟ فقلت : اقطعها واشتري لها الخيوط . قال : لا بأس )[4].

وفي حديث أنّ صائغاً قال لأبي عبد الله الصادق(عليه السلام)أتقبّل العمل ثمّ اقبّله من غلمان يعملون معي بالثلثين ؟ فأجاب الإمام(عليه السلام): أنّ ذلك لا يصلح إلاّ بأن تعالج معهم فيه[5].

النظرية :

درسنا في المجال النظري سابقاً العمل حين يمارس مادّة غير مملوكة

[1]وسائل الشيعة 19 : 32ـ 134 ، الباب 23 من أبواب كتاب الإجارة ، الحديث الأوّل .

[2]المصدر السابق : الحديث 4 .

[3]المصدر السابق : الحديث 5 .

[4]المصدر السابق : الحديث 6 .

[5]المصدر السابق : الحديث 7 .


صفحه 686

بصوره مسبقة لشخص آخر ، فاستطعنا أن نكتشف بكلّ وضوح أنّ النظرية الإسلامية لتوزيع ما بعد الإنتاج تمنح الإنسان العامل في هذه الحالة كلّ الثروة التي مارسها في عملية الإنتاج ، ولا تشرك فيها العناصر المادّية ؛ لأنّها قُوى تخدم الإنسان المنتِج ، وليست في مستواه فهي تتلقّى مكافأتها من الإنسان ولا تشترك معه في المنتوج .

ودرسنا أيضاً العمل حين يمارس مادّة مملوكة لفرد آخر ، كما إذا غزل العامل الصوف الذي يملكه الراعي وعرفنا من رأي النظرية في هذه الحالة أنّ المادة تظلّ مِلكاً لصاحبها ، وليس للعمل ولا لكلّ العناصر المادّية التي تساهم في عملية الإنتاج نصيب فيها ، وإنّما يجب على مالك المادّة مكافأة تلك العناصر على الخدمات التي قدّمتها إليه في تطوير المادة وتحسينها .

ونريد الآن من خلال البناء العُلْوي الجديد أن ندرس هذه المكافأة التي تحصل عليها العناصر أو مصادر الإنتاج في هذه الحالة ، ونكتشف حدودها ونوعيّتها ، وبالتالي أساسها النظري .

وبتحديد نوع المكافأة التي يسمح لمصادر الإنتاج ـ من عملٍ وأرضٍ وأداةٍ إنتاجٍ ورأس مال ـ بالحصول عليها نعرف المدى الذي سمح به الإسلام من الكسب نتيجة لملكية أحد مصادر الإنتاج ، وما هي المبرّرات النظرية في الإسلام لهذا الكسب القائم على أساس ملكية تلك المصادر .

1 ـ تنسيق البناء العُلْوي:

ولنستخلص في عملية تنسيق للبناء العُلْوي الجديد النتائج العامة التي يؤدّي إليها ، ثمّ نوحّد بين تلك النتائج في مركب نظري مترابط .

فالعمل وفقاً لهذا البناء العُلْوي من التشريع الإسلامي قد سمح له بأسلوبين


صفحه 687

لتحديد المكافأة التي يستحقّها ، وترك للعامل الحقّ في اختيار أيهما شاء .

أحدهما : أسلوب الأجرة .

والآخر : أسلوب المشاركة في الأرباح أو الناتج .

فمن حقّ العامل أن يطلب مالاً محدّداً نوعاً وكمّاً مكافأة له على عمله ، كما يحقّ له أنّ يطالب بإشراكه في الربح والناتج ، ويتّفق مع صاحب المال على نسبة مئوية من الربح أو الناتج ، تحدّد لتكون مكافأة له على عمله ، ويمتاز الأسلوب الأوّل بعنصر الضمان ، فالعامل إذا اقتنع بأن يكافأ بقدر محدّد من المال ـ وهذا ما نطلق عليه اسم الأجر والأجرة ـ وهذا القدر المحدّد له بقطع النظر عن نتائج العمل وما يسفر عنه الإنتاج في مكاسب أو خسائر . وإمّا إذا اقترح العامل أن يشارك صاحب المال في الناتج والأرباح بنسبة مئوية بأمل الحصول عن هذا الطريق على مكافأة أكبر ، فقد ربط مصيره بالعملية التي يمارسها ، وفقد بذلك الضمان ، إذ من المحتمل أن لا يحصل على شيء إذا لم يوجد ربح ، ولكنه في مقابل تنازله عن الضمان يفوز بمكافأة منفتحة ، غير محدّدة تفوق الأجر المحدّد في أكثر الأحيان ؛ لأنّ الربح أو الناتج كمّية قد تزيد وقد تنقص ، فتعيين المكافأة على العمل في الربح أو الناتج بنسبة مئوية يعني تبعيتها في الزيادة والنقصان . فلكلّ من الأسلوبين مزيّته الخاصة .

وقد نظّم الإسلام الأسلوب الأوّل ـ الأجر ـ بتشريع أحكام الإجارة ، كما رأينا في الفقرة الأولى . ونظّم الأسلوب الثاني ـ المشاركة في الربح أو الناتج ـ بتشريع أحكام المزارعة والمساقاة والمضاربة والجُعالة ، كما مرّ في الفقرات ( 3 و4 و 6 و 10 ) ففي عقد المزارعة يمكن للعامل أن يتّفق مع صاحب الأرض والبذر على استخدام الأرض في زراعة ذلك البذر ، ومقاسمة الناتج بينهما . وفي


صفحه 688

عقد المساقاة يمكن للعامل أن يعقد مع صاحب الأشجار عقداً يتعهّد فيه بسقيها في مقابل منحه نسبة مئوية في الثمرة . وفي عقد المضاربة يسمح للعامل بأن يتّجر لصاحب المال ببضاعته على أن يقاسمه أرباح تلك البضاعة . وفي الجُعالة يجوز لتاجر الأخشاب مثلاً أن يعلن استعداده لمنح أي شخص يصنع سريراً من تلك الأخشاب نصف قيمة السرير ، فتصبح مكافأة العامل بموجب ذلك مرتبطة بمصير العملية التي يمارسها .

وفي كلا الأسلوبين لتحديد مكافأة العامل لا يجوز لصاحب المال أن يضع عليه شيئاً من الخسارة ، بل يتحمّل صاحب المال الخسارة كلّها ، وحسب العامل من الخسارة إذا ارتبط معه على أساس المضاربة أن تضيع جهوده سدى .

وأمّا أدوات الإنتاج ـ أي : الأشياء والآلات التي تستخدم خلال العملية ، كالمغزل والمحراث مثلاً إذ يستعملان في غزل الصوف وحرث الأرض ـ فمكافأتها تنحصر شرعاً في أسلوب واحد وهو الأجر ، فإذا أردت أن تستخدم محراثاً يملكه غيرك أو شبكة توجد عند شخص خاص ، فلك أن تستأجر المحراث أو الشبكة من صاحبها كما مرّ في الفقرة الثانية من البناء العُلْوي المتقدّم ، وليس لصاحب المحراث أو الشبكة أن يطالب بمكافأة عن طريق إشراكه في الأرباح .

فالتمتّع بنسبة مئوية من الربح الذي سمح به للعمل حُرمت منه أدوات الإنتاج ، فليس من حقّ مالك الأداة أن يضارب عاملا عليها ، أي : أن يدفع إليه شبكة الصيّد مثلا ليصطاد بها ويشاركه في الأرباح ، كما رأينا في الفقرة[10]من البناء العُلْوي ، كما لا يصلح لمن يملك محراثاً وبقراً آلة زراعية أن يزارع عليها ، فيدفعها إلى المزارع ليستخدمها في عملياته ويقاسمه الناتج ، كما سبق في الفقرة[3]من البناء ، إذ عرفنا من نصّ فقهي للشيخ الطوسي : أنّ عقد المزارعة إنّما يقوم بين فردين ، أحدهما : يتقدّم بالأرض والبذر . والآخر : يتقدّم بالعمل . فلا يكفي


صفحه 689

لإنجازه أن يقوم الأوّل بدفع أداة الإنتاج فحسب ، وكذلك الأمر في الجُعالة أيضاً ، التي كانت تسمح لصانع الأسرّة الخشبية أن يشارك صاحب الخشب في الأرباح ، كما تقدّم في فقرة[10]فإنّ صاحب الخشب يمكنه أن يجعل نصف الأرباح لكلّ من يعمل من خشبه أسرّة ، ولكن لم يسمح له بجُعالة يمنح فيها نصف الأرباح لمن يزوّده بأدوات الإنتاج ، التي يحتاجها في تقطيع الخشب وتركيب السرير منه ؛ لأنّ الجُعالة في الإسلام عبارة عن مكافأة يحدّدها الشخص مسبقاً على عمل يودّ تحقيقه ، وليس مكافأة على أيّ خدمة مهما كان نوعها (*) .

وعلى أي حال ، فأداة الإنتاج لا تساهم في الأرباح وإنّما تتقاضى الأجور فقط . فالكسب الناتج عن ملكية الأداة أضيق حدوداً من الكسب الناتج عن العمل ؛ لأنّه ذو لون واحد بينما سمح للعمل بأسلوبين من الكسب .

وعلى العكس من أدوات الإنتاج رأس المال التجاري ، فإنّه لم يسمح له بالكسب على أساس الأجور ، فلا يجوز لصاحب النقد أن يقرض نقده بفائدة ، أي : أن يدفعه للعامل ليتاجر به ويتقاضى من العامل أجراً على ذلك ، لأنّ الأجر يتمتّع بميزة الضمان ، وعدم الارتباط بنتائج العملية وما تكتنفها من خسائر وأرباح ، وهذا هو الرِّبا المحرّم شرعاً كما مرّ في فقرة[7]. وإنّما يجوز لصاحب النقد أو السلعة أن يدفع ماله إلى العامل ليتاجر به ويتحمّل وحده الخسارة ، بينما يقاسمه الأرباح بنسبة مئوية إذا حقّقت العملية ربحاً ، فالمشاركة في الربح مع تحمّل أعباء الخسارة هو الأسلوب الوحيد الذي سمح لرأس المال التجاري باتّخاذه .

وبهذا نعرف أنّ أداة الإنتاج ورأس المال التجاري متعاكسان في الأسلوب المشروع للكسب ، فلكلّ منهما أسلوبه بينما يجمع العامل الأسلوبين .

(*) راجع : الملحق رقم 16 .


صفحه 690

وأمّا الأرض فهي كأداة الإنتاج يسمح لها بالكسب على أساس الأجور ولا يسمح لها بالمشاركة في الناتج وأرباح العملية الزراعية .

صحيح أنّ صاحب الأرض في عقد المزارعة يساهم في الأرباح بنسبة مئوية ، ولكنّا عرفنا من النصّ الفقهي للشيخ الطوسي في الفقرة[3]أنّ عقد المزارعة إنّما يسمح به بين شخصين أحدهما العامل والآخر هو الذي يقدّم الأرض والبذر ، فصاحب الأرض في عقد المزارعة هو مالك البذر أيضاً على رأي الشيخ الطوسي ـ كما يبدو من النصّ المتقدّم ـ وليست مشاركته في الناتج على أساس الأرض ، بل على أساس ملكيّته للمادة وهي البذر .

2 ـ الكسب يقوم على أساس العمل المنفق :

ومن اليسير علينا بعد تنسيق البناء العُلْوي وتلخيص ظواهره العامة أن نصل إلى الجانب المذهبي من النظرية ، الذي يربط بين تلك الظواهر ويوحّد بينها ، وأن نعرف القاعدة التي تفسّر ألوان الكسب الناتج عن ملكية مصادر الإنتاج ، وتبرّر السماح ببعضهما والمنع عن البعض الآخر .

والقاعدة التي تجمع كلّ تشريعات البناء العُلْوي على الكشف عنها أو مواكبتها ، وهي أنّ الكسب لا يقوم إلاّ على أساس إنفاق عمل خلال المشروع ، فالعمل المنفق هو المبرّر الأساسي الوحيد لحصول صاحبه على مكافأة من صاحب المشروع الذي أنفق العمل لحسابه ، وبدون المساهمة من شخص بإنفاق عمل لا مبرّر لكسبه .

ولهذه القاعدة مدلولها الإيجابي ومدلولها السلبي ، فهي تقرّر من ناحية إيجابية أنّ الكسب على أساس العمل المنفق جائز . وتقرّر من ناحية سلبية إلغاء الكسب الذي لا يقوم على أساس إنفاق عمل في المشروع .