بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 698

التي شرحت لنا تحريم الإسلام كلّ لون من ألوان القرض بفائدة .

والفائدة تعتبر في العرف الرأسمالي الذي يسمح بها : أجرة رأس المال النقدي الذي يسلفه الرأسماليون للمشاريع التجارية وغيرها لقاء أجر سنوي يحدد بنسبة مئوية من المال المسلف ، ويطلق على هذا الأجر اسم الفائدة . ولا يختلف في مفهومه القانوني كثيراً عن الأجر الذي يحصل عليه أصحاب العقارات وأدوات الإنتاج نتيجة لإيجار تلك العقارات والأدوات . فكما يمكنك أن تستأجر داراً تسكنها برهة من الوقت ثمّ تدفعها إلى صاحبها مع أجرة معيّنة ، كذلك يسمح لك في العرف الذي يؤمن بالفائدة أن تقترض كمّية من النقد لتستخدمها في أغراض تجارية أو استهلاكية ثمّ تدفع نفس الكمّية أو كمّية مماثلة مع أجرة محدّدة إلى الشخص الذي استقرضت المال منه .

والإسلام بتحريمه لقرض الفائدة وسماحه بالكسب الناتج عن إيجار العقارات وأدوات الإنتاج ، كشف لنا عن فرق نظري بين رأس المال النقدي وبين أدوات الإنتاج والعقارات . وهذا الفرق يجب تفسيره في ضوء النظرية وعلى أساس القاعدة التي نمارس الآن اكتشافها ؛ لنعرف السبب الذي دعا المذهب الاقتصادي إلى إلغاء أجرة رأس المال ، أو بكلمة أخرى : إلغاء الكسب المضمون الناتج من ملكية رأس المال النقدي ، بينما يسمح بأجرة أدوات الإنتاج ويبيح الكسب المضمون الناتج عن ملكية هذه الأدوات . فلماذا جاز لمالك الأداة أن يجني من ورائها وعن طريق إيجارها كسباً مضموناً دون عناء ، ولم يجز للرأسمالي أن يجني من وراء نقده وعن طريق إقراضه كسباً مضموناً دون عناء ؟ هذا السؤال الذي تحتم علينا الجواب عنه فعلاً .

والحقيقة أنّ الجواب على هذا السؤال لا يتوقّف على أكثر من الرجوع إلى القاعدة بصيغتها التي اكتشفناها وبمدلولها الإيجابي والسلبي . فالكسب المضمون


صفحه 699

ـ الأجر ـ الناتج عن ملكية أدوات الإنتاج يندرج في المدلول الإيجابي للقاعدة ؛ لأنّ الأداة مختزن لعمل سابق سوف يكون للمستأجر الحقّ في استهلاك قسط منه خلال استخدام الأداة في عملية الإنتاج التي يباشرها ، فالأجرة التي يدفعها إلى صاحب الأداة في الحقيقة هي أجرة على عمل سابق ، وبالتالي تعتبر كسباً يقوم على أساس عمل منفق ، فيجوز وفقاً للقاعدة في مدلولها الإيجابي .

وأمّا الكسب المضمون الناتج عن ملكية رأس المال النقدي ـ الفائدة ـ فليس ما يبرّره نظرياً ، لأنّ التاجر الذي يستقرض ألف دينار لمشروع تجاري بفائدةٍ معيّنة سوف يدفع ألف دينار في الوقت المحدّد إلى الدائن دون أن يستهلك منها ذرّة . وفي هذه الحال تصبح الفائدة كسباً غير مشروع ؛ لأنّه لا يقوم على أساس أيِّ عمل منفق ، فيندرج في المدلول السلبي للقائدة .

وهكذا نعرف أنّ الفرق بين الفائدة على رأس المال النقدي وبين الأجرة على أدوات الإنتاج في التشريع الإسلامي ناتج عن اختلاف بين طبيعة الانتفاع برأس المال المسلف وطبيعة الانتفاع بأدوات الإنتاج المستأجرة .

فانتفاع المقترض برأس المال لا يؤدّي بطبيعته إلى استهلاك شيء منه أومن العمل المتجسد فيه ، لأنّه مسئول بحكم عقد القرض عن دفع المبلغ في الوقت المحدّد والنقد الذي يدفع وفاء القرض في قوة النقد المقترض دون أي تفاوت .

وأمّا انتفاع المستأجر بالأداة التي استأجرها خلال عملية الإنتاج مثلا فهو يؤدّى إلى استهلاكها بدرجة ما ، استهلاك العمل المجسد فيها ، ولأجل ذلك كان لصاحب الأداة أن يحصل على كسب عن طريق إيجار الأداة بسبب العمل المنفق والجهد المستهلك خلال استخدام الأداة ، ولم يكن للرأسمالي أن يحصل على كسب من هذا القبيل لأنه يسترجع ماله كما هو بدون استهلاك .


صفحه 700

ويمكننا أن نضيف إلى مجموعة الأحكام التي قدّمناها للكشف عن الترابط بين البناء والنظرية حكماً آخر ، سبق أن تقدّم في فقرة[6]، وهو الحكم الذي يقضي بعدم السماح للعامل في عقد المضاربة بالإتّفاق مع عامل آخر على أن يقوم الأخير بالعمل لقاء نسبة مئوية من الأرباح أقل من النسبة التي حصل عليها العامل الأوّل . ومن الواضح أنّ المنع عن هذه العملية يتّفق كلّ الاتفاق مع المدلول السلبي للقاعدة التي نمارس اكتشافها ، وهو رفض الكسب الذي لا يقوم على أساس العمل المنفق ؛ لأنّ العامل الأوّل حين ينجز العملية الآنفة الذكر سوف يحتفظ لنفسه بالتفاوت بين النسبتين المئويّتين ، ويكون هذا التفاوت كسباً بدون عمل منفق ، فمن الطبيعي أن يلغى وفقاً للقاعدة العامّة .

6 ـ لماذا لا تشترك وسائل الإنتاج في الربح :

بقي علينا أن نواجه سؤالاً أخيراً بشأن أحكام المشاركة في الأرباح من البناء العُلْوي المتقدّم . ولنمهّد لهذا السؤال باستخلاص المعلومات التي اكتشفناها حتى الآن . فقد عرفنا أنّ الكسب لا يسمح به في نظرية توزيع ما بعد الإنتاج في الإسلام إلاّ على أساس العمل المنفق . والعمل المنفق نوعان : عملٌ مباشرٌ يوجد وينفق في وقت واحد كعمل الأجير . وعمل منفصل مختزن يوجد بصورة مسبقة وينفق خلال انتفاع المستأجر به ، كالعمل المختزن في الدار أو أداة الإنتاج الذي ينفق ويستهلك خلال سُكنى المستأجر فيها والانتفاع بها .

وعرفنا أيضاً أنّ ملكية رأس المال النقدي ليست مصدراً للكسب ، ولأجل ذلك كان القرض بالفائدة محرّماً لأنّ الفائدة لا تقوم على أساس عمل منفق ، واستطعنا أن نستوعب جميع ألوان الأجور الثابتة ، ما كان منها جائزاً كأجرة الدار ، وما كان منها محرّماً كالفائدة الرّبوية ، ونطبق القاعدة بنجاح عليها بمدلولها .


صفحه 701

الإيجابي والسلبي ، ولكنّا لم نقل حتى الآن شيئاً عن تفسير غير الأجور الثابتة من ألوان الكسب التي عرضها البناء العُلْوي المتقدّم ، وأعني بذلك المشاركة في الربح ، وربط المصير بنتائج العملية من فوز أو خسران ، فالعامل في عقد المضاربة ليس له أجر ثابت يتقاضاه على كلّ حال من صاحب المال ، وإنّما هو شريك في الأرباح ، فكسبه يتحدّد ويتمدّد وفقاً لنتائج العملية ، وكذلك العامل في عقد المزارعة أو في عقد المساقاة ، فقد سمح له بالكسب على أساس المشاركة في الأرباح أو الناتج ، كما سبق في فقرات ( 6 ‚ 3 ‚ 4 ) ولأجل هذا قلنا في مستهلّ البحث : إنّ العمل قد سمح له بنوعين من الكسب : أحدهما : الأجر . والآخر : المشاركة في الربح .

كما أنّ صاحب المال التجاري في عقد المضاربة ، وصاحب الأرض في عقد المزارعة ، وصاحب الشجر والأغصان في عقد المُساقاة ، قد سمح لهم أيضاً بالكسب على أساس الربح ، فلكلّ منهم نصيبه من الربح تبعاً لما يتّفق عليه في تلك العقود ، كما سبق في الفقرات التي أشرنا إليها آنفاً .

وفي مقابل هذا حُرمت أدوات الإنتاج من المشاركة في الربح ، ولم تسمح لها الشريعة بالكسب على هذا الأساس ، وإنّما أعطتها فرصة الكسب على أساس الأجر الثابت . فمن يملك أداة الإنتاج ليس له أن يدفعها إلى العامل على أساس المشاركة في الناتج أو الربح كما سبق في فقرة[11]من البناء العُلْوي المتقدّم ، التي جاء فيها أنّ من يملك شبكة صيد أو أيّ آلة أخرى لا يجوز دفعها إلى العامل على أساس المشاركة فيما يصطاد ، فإذا اصطاد بها العامل شيئاً كان الصيد كلّه له ولم يكن لصاحب الشبكة شيء منه .

فهذه ظواهر واضحة في البناء العُلْوي . ومن حقّ البحث علينا أن نطرح بشأنها السؤال التالي :

لماذا سمح للعمل بالكسب على أساس المشاركة في الربح


صفحه 702

ولم يسمح بذلك لأدوات الإنتاج ؟ وكيف حُرِمت أدوات الإنتاج من هذا اللون من الكسب بينما أتيح لصاحب المال التجاري أو صاحب الأرض أو صاحب الشجر أن يحصل عليه ؟

والحقيقة أنّ الفرق بين العمل وأدوات الإنتاج الذي يسمح للعمل بالمشاركة في الناتج دون وسائل الإنتاج ، ينبع من نظرية توزيع ما قبل الإنتاج ، فقد عرفنا في تلك النظرية أنّ العمل ـ ممارسة أعمال الانتفاع والاستثمار ـ هو السبب العام للحقوق الخاصة في ثروات الطبيعة الخام ، ولا يوجد من وجهة نظر المذهب الاقتصادي سبب آخر للملكية واكتساب الحقّ الخاص فيها . كما عرفنا أيضاً أنّ الثروة الطبيعية إذا اكتسب فيها الفرد حقّاً خاصاً بممارسة العمل ظلّ حقّه ثابتاً مادام نوع العمل الذي اكتسب على أساسه الحقّ باقياً . وفي هذه الحال لا يسمح لفرد آخر باكتساب حقّ خاص في تلك الثروة بإنفاق عمل جديد كما شرحته نظرية توزيع ما قبل الإنتاج بكلّ تفصيل . ولكن هذا لا يعني أنّ العمل الجديد يختلف بطبيعته عن العمل الأوّل ، بل إنّ كلاً منهما يعتبر بمفرده سبباً كافياً لتملّك العامل للمادّة التي عمل فيها . وإنّما جرّد العمل الجديد من التأثير باعتباره سبق العمل الأوّل زمنياً وتأثيره قبل ذلك في تملّك العامل الأوّل للمادّة فحقّ العامل الأوّل بسبب سبقه الزمني هو الذي يعزل العمل الثاني عن التأثير . ولأجل هذا يصبح من الطبيعي أن يستعيد العمل الثاني تأثيره ويؤدّي مفعوله إذا تخلّى العامل عن حقّه وهذا هو ما يحدث تماماً في عقود المزارعة والمساقاة والمضاربة والجُعالة ، ففي عقد المزارعة مثلا ينفق العامل جهداً ويمارس عملا في استغلال البذر وتطويره إلى زرع ، وهذا العمل الذي يمارسه إنّما لا يعطيه حقّ ملكية الزرع لأنّ المادة التي يمارس عمله فيه ـ البذر ـ مملوكة لشخص سابق ، وهو صاحب الأرض ، فإذا سمح صاحب الأرض


صفحه 703

للعامل في عقد المزارعة بأن يقتطف ثمار عمله وتنازل عن حقّه في نصف المادّة مثلاً ، لم يبقَ ما يحول عن تملّك العامل لنصف الزرع .

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ مشاركة العامل في الناتج هي في الحقيقة تعبير عن دور العمل الذي يمارسه في المادة ـ البذر أو الشجر أو المال التجاري مثلاً ـ وعن الحقّ الذي ينتج عن ممارسته بموجب النظرية العامة لتوزيع ما قبل الإنتاج . وإنّما يعطَّل هذا الدور أو الحقّ أحياناً بسبب دور أو حقٍّ سابقٍ زمنياً يتمتّع به شخص آخر . فإذا تنازل هذا الشخص عن حقّه في عقد كعقد المزارعة وغيرها من عقود الشركة بين العامل وصاحب المال ، لم يعد ما يمنع عن إعطاء العامل حقّه في المادة ـ وفي حدود تنازل مالكها السابق ـ نتيجة لممارسة العمل فيها .

وأمّا أدوات الإنتاج فهي تختلف أساسياً عن العمل الذي يمارسه العامل بموجب تلك العقود . فإنّ الزارع الذي ارتبط مع صاحب الأرض والبذر بعقد مزارعة يمارس عملاً وينفق جهداً حلال عملية الزرع ، فيكون من حقّه أن يملكه في الحدود التي سمح بها في العقد ، وأمّا مالك الشبكة الذي يدفعها إلى الصياد ليصطاد بها فهو لا يمارس عملاً في عملية الصيد ، ولا ينفق جهداً في الاستيلاء على الحيوان ، وإنّما الذي يمارس العمل وينفق الجهد هو الصيّاد وحده ، فلا يوجد إذن مبرّر لاكتساب صاحب الشبكة حقّ ملكية الصيد ؛ لأنّ المبرر لذلك هو ممارسة العمل وصاحب الشبكة لم يمارس عملاً في الصيد ليحصل على هذا الحقّ ، وسماح الصيّاد له بهذا الحقّ لا يكفي لمنحه إياه ما دام لا ينطبق على النظرية العامة في التوزيع ، فليس حقّ الصيّاد هنا هو الذي يحول دون تملك صاحب الشبكة للصيد ، وإنّما الذي يحول دون ذلك هو عدم وجود المبرّر النظري .


صفحه 704

وهكذا نعرف الفرق من هذه الناحية بين العمل المباشر والعمل المختزن ، فالعمل المباشر ممارسة من العامل للمادة تبرّر تملّكه لشيء منها ، إذا تنازل مالكها السابق عن حقّ السبق الزمني . وأمّا العمل المخزن في أداة الإنتاج فهو ليس ممارسة من صاحب الأداة في العملية ، فلا يكون له حقّ الملكية في المادة سواء تنازل الممارس للعمل ـ الصيّاد مثلاً ـ عن حقّه أم لا وإنّما له حقّ الأجرة كمكافأة وتعويض عما تبدّد من عمله المختزن خلال العملية .

وعلى هذا الضوء نستطيع أن ندرك أيضاً الفرق بين أصحاب أدوات الإنتاج الذين لم يسمح لهم بالمشاركة في الناتج ، وبين صاحب الأرض في عقد المزارعة ، وصاحب المال التجاري في عقد المضاربة ، ونحوهما ممن يسمح له بنصيب من الربح ، فإنّ هؤلاء المالكين الذين سمح لهم بنصيب من الربح أو الناتج يملكون في الحقيقة المادة التي يمارسها العامل . فصاحب الأرض يملك البذر الذي يزرعه العامل[1]وصاحب المال التجاري يملك السلعة التي يتّجر بها العامل ، وقد عرفنا في نظرية توزيع ما قبل الإنتاج أنّ ملكية شخص للمادّة لا تزول بتطوير تلك المادة من قبل شخص آخر أو منحها منافع جديدة . فمن الطبيعي أن يصبح لصاحب البذر أو المال حقّه في الناتج أو الربح مادام يملك المادّة التي يمارسها العامل .

واستقراء الحالات التي سمح فيها للمالك بتملك الناتج والربح كما في المزارعة والمضاربة والمساقاة ونحوها يدعم صحة التفسير الذي نتقدّم به لهذه الملكية ؛ لأنّ جميع تلك الحالات تشترك في ظاهرة واحدة وهي أنّ المادة التي يمارسها العامل ملك لصاحب المال بصورة مسبقة .

[1]بموجب النصّ الفقهي المتقدّم عن الشيخ الطوسي . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 705

[4 ـ] الملاحظات

1 ـ دور المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي :

إنّ الاكتشافات التي مرّت عن نظرية توزيع ما بعد الإنتاج تقرّر بوضوح : أنّ النظرية لا تعترف بالمخاطرة بوصفها عاملاً من عوامل الكسب ، وليس في ألوان الكسب التي سمحت بها النظرية ما يستمدّ مبرّره النظري من عنصر المخاطرة .

فإنّ المخاطرة في الحقيقة ليست سلعة يقدّمها المخاطر إلى غير ليطالب بثمنها ، ولا عملاً ينفقه المخاطر على مادة ليكون من حقّه تملّكها أو المطالبة بأجر على ذلك من مالكها ، وإنّما هي حالة شعورية خاصة تغمر الإنسان وهو يحاول الإقدام على أمر يخاف عواقبه ، فإمّا أن يتراجع انسياقاً مع خوفه ، وإمّا أن يتغلّب على دوافع الخوف ويواصل تصميمه ، فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق ، واختار بملء إرادته تحمّل مشاكل الخوف بالإقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلاً ، فليس من حقّه أن يطالب بعد ذلك بتعويض مادّي عن هذا الخوف مادام شعوراً ذاتياً وليس عملا مجسّداً في مادّة ولا سلعة منتَجة .

صحيحٌ أنّ التغلّب على الخوف في بعض الأحيان قد يكون ذا أهمّية كبيرة