بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 704

وهكذا نعرف الفرق من هذه الناحية بين العمل المباشر والعمل المختزن ، فالعمل المباشر ممارسة من العامل للمادة تبرّر تملّكه لشيء منها ، إذا تنازل مالكها السابق عن حقّ السبق الزمني . وأمّا العمل المخزن في أداة الإنتاج فهو ليس ممارسة من صاحب الأداة في العملية ، فلا يكون له حقّ الملكية في المادة سواء تنازل الممارس للعمل ـ الصيّاد مثلاً ـ عن حقّه أم لا وإنّما له حقّ الأجرة كمكافأة وتعويض عما تبدّد من عمله المختزن خلال العملية .

وعلى هذا الضوء نستطيع أن ندرك أيضاً الفرق بين أصحاب أدوات الإنتاج الذين لم يسمح لهم بالمشاركة في الناتج ، وبين صاحب الأرض في عقد المزارعة ، وصاحب المال التجاري في عقد المضاربة ، ونحوهما ممن يسمح له بنصيب من الربح ، فإنّ هؤلاء المالكين الذين سمح لهم بنصيب من الربح أو الناتج يملكون في الحقيقة المادة التي يمارسها العامل . فصاحب الأرض يملك البذر الذي يزرعه العامل[1]وصاحب المال التجاري يملك السلعة التي يتّجر بها العامل ، وقد عرفنا في نظرية توزيع ما قبل الإنتاج أنّ ملكية شخص للمادّة لا تزول بتطوير تلك المادة من قبل شخص آخر أو منحها منافع جديدة . فمن الطبيعي أن يصبح لصاحب البذر أو المال حقّه في الناتج أو الربح مادام يملك المادّة التي يمارسها العامل .

واستقراء الحالات التي سمح فيها للمالك بتملك الناتج والربح كما في المزارعة والمضاربة والمساقاة ونحوها يدعم صحة التفسير الذي نتقدّم به لهذه الملكية ؛ لأنّ جميع تلك الحالات تشترك في ظاهرة واحدة وهي أنّ المادة التي يمارسها العامل ملك لصاحب المال بصورة مسبقة .

[1]بموجب النصّ الفقهي المتقدّم عن الشيخ الطوسي . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 705

[4 ـ] الملاحظات

1 ـ دور المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي :

إنّ الاكتشافات التي مرّت عن نظرية توزيع ما بعد الإنتاج تقرّر بوضوح : أنّ النظرية لا تعترف بالمخاطرة بوصفها عاملاً من عوامل الكسب ، وليس في ألوان الكسب التي سمحت بها النظرية ما يستمدّ مبرّره النظري من عنصر المخاطرة .

فإنّ المخاطرة في الحقيقة ليست سلعة يقدّمها المخاطر إلى غير ليطالب بثمنها ، ولا عملاً ينفقه المخاطر على مادة ليكون من حقّه تملّكها أو المطالبة بأجر على ذلك من مالكها ، وإنّما هي حالة شعورية خاصة تغمر الإنسان وهو يحاول الإقدام على أمر يخاف عواقبه ، فإمّا أن يتراجع انسياقاً مع خوفه ، وإمّا أن يتغلّب على دوافع الخوف ويواصل تصميمه ، فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق ، واختار بملء إرادته تحمّل مشاكل الخوف بالإقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلاً ، فليس من حقّه أن يطالب بعد ذلك بتعويض مادّي عن هذا الخوف مادام شعوراً ذاتياً وليس عملا مجسّداً في مادّة ولا سلعة منتَجة .

صحيحٌ أنّ التغلّب على الخوف في بعض الأحيان قد يكون ذا أهمّية كبيرة


صفحه 706

من الناحية النفسية والخُلُقية ، ولكنّ التقييم الخُلُقي شيء، والتقييم الاقتصادي شيءٌ آخر .

وقد وقع الكثير في الخطأ تأثّراً بالتفكير الرأسمالي المذهبي ، الذي يتّجه إلى تفسير الربح وتبريره على أساس المخاطرة ، فقالوا : إنّ الربح المسموح به لصاحب المال به عقد المضاربة يقوم على أساس الخاطرة نظرياً ؛ لأنّ صاحب المال وإن كان لم ينفق عملاً ولكنّه تحمّل أعباء المخاطرة وعرّض نفسه للخسارة بدفعه المال إلى العامل ليتّجر به ، فكان على العامل أن يكافئه على مخاطرته بنسبة مئوية من الربح يتّفقان عليها في عقد المضاربة .

ولكنّ الحقيقة كما جَلَتها البحوث السابقة ، هي أنّ الربح الذي يحصل عليه المالك نتيجة لاتّجار العامل بأمواله ، ليس قائماً على أساس المخاطرة ، وإنّما يستمدّ مبرّره من ملكية صاحب المال للسعلة التي اتّجر بها العامل . فإنّ هذه السلعة وإن كانت قيمتها تزداد غالباً بالعمل التجاري الذي ينفقه العامل عليها ، من نقلها إلى السوق وإعدادها بين أيدي المستهلكين ، ولكنّها تبقى مع ذلك ملكاً لصاحب المال ؛ لأنّ كلّ مادّة لا تخرج عن ملكيّتها لصاحبها بتطوير شخص آخر لها . وهذا ما أطلقنا عليه اسم ظاهرة الثبات في الملكية .

فحقّ صاحب المال في الربح نتيجة لملكيّته للمادّة التي مارسها العامل وربح عن طريق بيعها ، فهو نظير حقّ مالك اللوح في السرير الذي يصنع من لوحه . ولأجل هذا يعتبر الربح من حقّ صاحب المال ولو لم يمارس نفسياً أيّ لون من ألوان المخاطرة ، كما إذا اتّجر شخص بأموال فرد آخر دون علمه وربح في تجارته ، فإنّ بإمكان صاحب المال في هذه الحالة أن يوافق على ذلك ويستولي


صفحه 707

على الأرباح ، كما أنّ من حقّه أن يعترض ويستحصل على ماله أو ما يساويه من العامل . فاستيلاء المالك على الأرباح في هذا المثال لا يقوم على أساس المخاطرة ؛ لأنّ ماله مضمون على أيّ حال ، وإنّما خاطر العامل بإقدامه على ضمان المال والتعويض عنه في حالة الخسارة .

وهذا يعني أنّ حقّ صاحب المال في الربح ليس من الناحية النظرية نتيجة للمخاطرة ولا تعويضاً عنها ، أو مكافأة لصاحب المال على مقاومته لمخاوفه ، كما نقرأ عادّة لكتّاب الرأسمالية التقليديّة الذين يحاولون أن يُضفوا على المخاطرة سمات البطولة ، ويجعلوا منها سبباً مبرّراً للحصول على كسب في مستوى هذه البطولة .

وهناك عدّة ظواهر في الشريعة تبرهن على موقفها السلبي من المخاطرة ، وعدم الاعتراف لها بدور إيجابي في تبرير الكسب .

فالفائدة الرِّبوية مثلاً قد اعتاد الكثير على تبريرها وتفسيرها بعنصر المخاطرة ، الذي يشتمل عليه القرض ـ كما سنتناول ذلك في الملاحظة الآتية ـ ؛ لأنّ إقراض الدائن لماله نوع من المغامرة التي قد تفقده ماله ، إذا عجز المدين في المستقبل عن الوفاء وتنكّب له الحظ ، فلا يظفر الدائن بشيء ، فكان من حقّه أن يحصل على أجر ومكافأة له على مغامرته بماله لأجل المدين ، وهذه المكافأة هي الفائدة .

والإسلام لم يقرّ هذا اللون من التفكير ، ولم يجد في المخاطرة المزعومة مبرّراً للفائدة التي يحصل عليها صاحب المال من المدين ، ولهذا حرّمها تحريماً حاسماً .


صفحه 708

وحرمة القمار[1]وتحريم الكسب القائم على أساسه ، جانبٌ آخر من جوانب الشريعة التي تبرهن على موقفها السلبي من عنصر المخاطرة . لأنّ الكسب الناتج عن المقامرة لا يقوم على أساس عمل من أعمال الانتفاع والاستثمار ، وإنّما يرتكز على أساس المخاطرة وحدها ، فالفائز يحصل على الرهان لأنّه غامر بماله وأقدم على دفع الرهان لخصمه ، إذا خسر الصفقة .

ويمكننا أن نضيف إلى إلغاء القمار إلغاءَ الشركة في الأبدان أيضاً ، فقد نصّ كثير من الفقهاء على بطلانها ، كالمحقّق الحلّي في الشرائع[2]، وابن حزم في المحلّى[3].

ويريدون بهذه الشركة أن يتّفق اثنان أو أكثر على ممارسة كلّ واحد منهم عمله الخاص ، والاشتراك فيما يحصلون عليه من مكاسب ، كما إذا قرّر طبيبان أن يمارس كلّ واحد منهما عمله في عيادته ، ويحصل في نهاية الشهر مثلاً على نصف مجموع الأجور التي كسبها الطبيبان معاً خلال ذلك الشهر .

وإلغاء هذه الشركة يتّفق مع الموقف السلبي العام للشريعة من عنصر المخاطرة ؛ لأنّ الكسب فيها يقوم على أساس المخاطرة لا العمل . فالطبيبان في المثال المتقدّم إنّما يقدمان على هذا النوع من الشركة ، لأنّهما لا يعلمان سلفاً كمّية الأجور التي سوف يحصلان عليها . فكلّ واحد منهما يحتمل أنّ أجور صاحبه سوف تزيد على أجوره . كما يحتمل العكس ، ولهذا يقدّم على الشركة موطّناً نفسه على التنازل عن شيء من أجوره إذا زادت على أجور صاحبه في سبيل أن

[1]وسائل الشيعة 17 : 164 ، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به

[2]شرائع الإسلام 2 : 130 ، 134.

[3]المحلّى 6 : 412 .


صفحه 709

يحصل على شيء من أجور صاحبه في حالة تفوّق شريكه عليه . ونتيجة لذلك يكون من حقّ الطبيب الأقل دخلاً أن يحصل على جزء من كسب الطبيب الآخر وثمار عمله ؛ لأنّه غامر في البدء وأقدم على دفع شيء من كسبه إذا اختلفت النتيجة . وهذا يعني أنّ كسب الطبيب الأقلّ دخلاً ينبع من عنصر المخاطرة ، ولا يرتكز على عمل منفق ، فإلغاء الشريعة له وحكمها ببطلان شركة الأبدان تؤكّد مفهومها السلبي عن المخاطرة .

2 ـ المبرّرات الرأسمالية للفائدة ونقدها :

مرّ بنا قبل لحظة أنّ المخاطرة التي يقف منها الإسلام موقفاً سلبياً ، هي أحد المبرّرات التي استندت إليها الرأسمالية لتفسير الفائدة وحقّ الرأسمالي في فرضها على المدين . وعرفنا أيضاً أنّ تبرير الفائدة بعنصر المخاطرة خطأ من الأساس في نظر الإسلام ؛ لأنّه لا يعتبر المخاطرة أساساً مشروعاً للكسب ، وإنّما يربط الكسب بالعمل المباشر أو المختزن .

والرأسمالية في تبريرها هذا للفائدة تتناسى دور الرهن في ضمان المال للدائن وإزالة عنصر الخاطرة من علمية القرض ، فما رأيها في القروض المدعمة برهن وضمانات كافية ؟

ولم يقتصر المفكّرون الرأسماليون على ربط الفائدة بعنصر المخاطرة وتفسيرها في هذا الضوء ، بل قدّموا لها عدّة تفسيرات لتبريرها من الناحية المذهبية .

فقد قال بعض المفكّرين الرأسماليين : إنّ الفائدة يدفعها المدين إلى


صفحه 710

الرأسمالي تعويضاً له عن حرمانه من الانتفاع بالمال المُسلَف ، ومكافأة له على انتظاره طيلة المدّة المتّفق عليها ، أو أجرة يتقاضاها الرأسمالي نظير انتفاع المدين بالمال الذي اقترضه منه ، كالأجرة التي يحصل عليها مالك الدار من المستأجر لقاء انتفاعه بسكناها .

ونحن ندرك في ضوء النظرية الإسلامية ـ كما حدّدناه ـ التناقض بين هذه المحاولة وطريقة التفكير الإسلامي في التوزيع ؛ لأنّنا عرفنا أنّ الإسلام لا يعترف بالكسب تحت اسم الأجر أو المكافأة إلاّ على أساس إنفاق عمل مباشر أو مختزن ، وليس للرأسمالي عمل مباشر أو مختزن ينفقه ويمتصّه المقترض ليدفع إليه أجرة ذلك ، مادام المال المقترض سوف يعود إلى الرأسمالي دون أن يتفتّت أو يستهلك منه شيء ، فلا مبرّر إسلامياً للاعتراف بالفائدة ؛ لأنّ الكسب بدون عمل منفق يتعارض مع تصوّرات الإسلام عن العدالة .

وهناك من يبرّر الفائدة بوصفها تعبيراً عن حقّ الرأسمالي في شيءٍ من الأرباح التي جناها المقترض عن طريق ما قدّم إليه من مال .

وهذا القول لا موضع له في القروض التي ينفقها المدين على حاجاته الشخصية ، ولا يربح بسببها شيئاً ، وإنّما يبرهن على جواز حصول الرأسمالي على شيء من الأرباح حين يدفع المال إلى من يتّجر به ويستثمره . وفي هذه الحالة يقرّ الإسلام حقّ الرأسمالي في ذلك ، ولكن هذا الحقّ يعني اشتراك صاحب المال والعامل في الأرباح ، وربط حقّ الرأسمالي بنتائج العملية . وهو معنى المضاربة في الإسلام التي يتحمّل فيها الرأسمالي الخسارة وحدها ، ويشارك العامل في الأرباح ، إذا حصلت بنسبة مئوية يتّفقان عليها في العقد .

وهذا يختلف بصورة جوهرية عن الفائدة بمفهومها الرأسمالي التي تضمن له


صفحه 711

أجر منفصلاً عن نتائج العملية التجارية .

وجاءت الرأسمالية أخيراً على يد بعض رجالاتها بأقوى مبرّراتها للفائدة ، إذ فسّرتها بوصفها تعبيراً عن الفارق بين قيمة السلع الحاضرة وقيمة سلع المستقبل ، اعتقاداً منها بأنّ للزمن دوراً إيجابياً في تكوين القيمة ، فالقيمة التبادلية لدينار اليوم أكبر من القيمة التبادلية لدينار المستقبل ، فإذا أقرضت غيرك ديناراً إلى سنة ، كان من حقّك في نهاية السنة أن تحصل على أكثر من دينار ، لتستردّ بذلك ما يساوي القيمة التبادلية للدينار الذي أقرضته ، وكلّما بعد ميعاد الوفاء ازدادت الفائدة التي يستحقّها الرأسمالي تبعاً لازدياد الفرق بين قيمة الحاضر وقيمة المستقبل ، بامتداد الفاصل الزمني بينها وابتعاده.

والفكرة في هذا التبرير الرأسمالي تقوم على أساس خاطئ ؛ وهو ربط توزيع ما بعد الإنتاج بنظرية القيمة ، فإنّ نظرية توزيع ما بعد الإنتاج في الإسلام منفصلة عن نظرية القيمة . ولهذا رأينا أنّ كثيراً من العناصر التي تدخل في تكوين القيمة التبادلية للسلعة المنتجة ليس لها نصيب من تلك السلعة في التوزيع الإسلامي ، وإنّما لها أجور تتقاضاها من صاحب السلعة ، نظير خدماتها له في عملية الإنتاج .

فالتوزيع على الأفراد في الإسلام لا يرتكز على أساس القيمة التبادلية لكي يمنح كلّ عنصر من عناصر الإنتاج نصيباً من الناتج يتفق مع دوره في تكوين القيمة التبادلية ، وإنّما يرتبط توزيع الثروة المنتجة في الإسلام بمفاهيمه المذهبية وتصوّراته عن العدالة .

فلا يجب من وجهة نظر الإسلام أن يدفع إلى الرأسمالي فائدة على القرض حتى إذا صحّ أن سلع الحاضر أكبر قيمة من سلع المستقبل ؛ لأنّ هذا لا يكفي