بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 710

الرأسمالي تعويضاً له عن حرمانه من الانتفاع بالمال المُسلَف ، ومكافأة له على انتظاره طيلة المدّة المتّفق عليها ، أو أجرة يتقاضاها الرأسمالي نظير انتفاع المدين بالمال الذي اقترضه منه ، كالأجرة التي يحصل عليها مالك الدار من المستأجر لقاء انتفاعه بسكناها .

ونحن ندرك في ضوء النظرية الإسلامية ـ كما حدّدناه ـ التناقض بين هذه المحاولة وطريقة التفكير الإسلامي في التوزيع ؛ لأنّنا عرفنا أنّ الإسلام لا يعترف بالكسب تحت اسم الأجر أو المكافأة إلاّ على أساس إنفاق عمل مباشر أو مختزن ، وليس للرأسمالي عمل مباشر أو مختزن ينفقه ويمتصّه المقترض ليدفع إليه أجرة ذلك ، مادام المال المقترض سوف يعود إلى الرأسمالي دون أن يتفتّت أو يستهلك منه شيء ، فلا مبرّر إسلامياً للاعتراف بالفائدة ؛ لأنّ الكسب بدون عمل منفق يتعارض مع تصوّرات الإسلام عن العدالة .

وهناك من يبرّر الفائدة بوصفها تعبيراً عن حقّ الرأسمالي في شيءٍ من الأرباح التي جناها المقترض عن طريق ما قدّم إليه من مال .

وهذا القول لا موضع له في القروض التي ينفقها المدين على حاجاته الشخصية ، ولا يربح بسببها شيئاً ، وإنّما يبرهن على جواز حصول الرأسمالي على شيء من الأرباح حين يدفع المال إلى من يتّجر به ويستثمره . وفي هذه الحالة يقرّ الإسلام حقّ الرأسمالي في ذلك ، ولكن هذا الحقّ يعني اشتراك صاحب المال والعامل في الأرباح ، وربط حقّ الرأسمالي بنتائج العملية . وهو معنى المضاربة في الإسلام التي يتحمّل فيها الرأسمالي الخسارة وحدها ، ويشارك العامل في الأرباح ، إذا حصلت بنسبة مئوية يتّفقان عليها في العقد .

وهذا يختلف بصورة جوهرية عن الفائدة بمفهومها الرأسمالي التي تضمن له


صفحه 711

أجر منفصلاً عن نتائج العملية التجارية .

وجاءت الرأسمالية أخيراً على يد بعض رجالاتها بأقوى مبرّراتها للفائدة ، إذ فسّرتها بوصفها تعبيراً عن الفارق بين قيمة السلع الحاضرة وقيمة سلع المستقبل ، اعتقاداً منها بأنّ للزمن دوراً إيجابياً في تكوين القيمة ، فالقيمة التبادلية لدينار اليوم أكبر من القيمة التبادلية لدينار المستقبل ، فإذا أقرضت غيرك ديناراً إلى سنة ، كان من حقّك في نهاية السنة أن تحصل على أكثر من دينار ، لتستردّ بذلك ما يساوي القيمة التبادلية للدينار الذي أقرضته ، وكلّما بعد ميعاد الوفاء ازدادت الفائدة التي يستحقّها الرأسمالي تبعاً لازدياد الفرق بين قيمة الحاضر وقيمة المستقبل ، بامتداد الفاصل الزمني بينها وابتعاده.

والفكرة في هذا التبرير الرأسمالي تقوم على أساس خاطئ ؛ وهو ربط توزيع ما بعد الإنتاج بنظرية القيمة ، فإنّ نظرية توزيع ما بعد الإنتاج في الإسلام منفصلة عن نظرية القيمة . ولهذا رأينا أنّ كثيراً من العناصر التي تدخل في تكوين القيمة التبادلية للسلعة المنتجة ليس لها نصيب من تلك السلعة في التوزيع الإسلامي ، وإنّما لها أجور تتقاضاها من صاحب السلعة ، نظير خدماتها له في عملية الإنتاج .

فالتوزيع على الأفراد في الإسلام لا يرتكز على أساس القيمة التبادلية لكي يمنح كلّ عنصر من عناصر الإنتاج نصيباً من الناتج يتفق مع دوره في تكوين القيمة التبادلية ، وإنّما يرتبط توزيع الثروة المنتجة في الإسلام بمفاهيمه المذهبية وتصوّراته عن العدالة .

فلا يجب من وجهة نظر الإسلام أن يدفع إلى الرأسمالي فائدة على القرض حتى إذا صحّ أن سلع الحاضر أكبر قيمة من سلع المستقبل ؛ لأنّ هذا لا يكفي


صفحه 712

مذهبياً لتبرير الفائدة الرِّبوية التي تعبر عن الفارق بين القيمتين ، ما لم تنفق الفائدةٍ مع التصورات التي يتبنّاها المذهب عن العدالة .

وقد عرفنا سابقاً أنّ الإسلام لا يقرّ من الناحية المذهبية كسباً لا يبرّره إنفاق عمل مباشر أو مختزن ، والفائدة من هذا القبيل ؛ لأنّها تبعاً للتفسير الرأسمالي الأخير نتيجة لعامل الزمن وحده دون عمل منفق . فمن حقّ المذهب أن يمنع الرأسمالي عن استغلال الزمن في الحصول على كسب ربوي حتى لو اعترف المذهب بدور إيجابي لعامل الزمن في تكوين القيمة .

وهكذا نعرف أنّ ربط عدالة التوزيع والنظرية القيمة خطأ ، وهذا الخطأ يعبّر عن عدم التمييز بين البحث المذهبي والبحث العلمي .

3 ـ التحديد من سيطرة المالك على الانتفاع :

في الإسلام تحديدات متعدّدة لسيطرة المالك على التصرّف في ماله ، وهذه التحديدات تختلف مصادرها النظرية ، فبعضها نابع عن نظرية توزيع ما قبل الإنتاج ، كالتحديد الزمني لسيطرة المالك على ماله بامتداد حياته ، ومنعه عن تقرير مصير الثروة التي يملكها بعد وفاته ، كما سبق في بحوث تلك النظرية .

وبعض تلك التحديدات نتيجة لنظرية توزيع ما بعد الإنتاج ، كالتحديد من سيطرة الرأسمالي على رأس المال الذي يملكه ، بمنعه من الاكتساب به على أساس ربوي ، وعدم السماح له بقروض الفائدة ، فإنّ هذا التحديد قد نشأ نتيجة لنظرية توزيع ما بعد الإنتاج ، التي اشتملت على ربط الكسب بالعمل المنفق ـ المباشر أو المختزن ـ كما رأينا قبل قليل .

وهناك تحديدات في الاقتصاد الإسلامي ترتبط بالمفهوم الديني والخُلُقي


صفحه 713

عن الملكية الخاصة ، فإنّ حقّ الفرد في التملّك ينظر إليه دينياً وخُلُقياً بوصفه نتيجة لعضوية الفرد في الجماعة التي أعدّ الله الطبيعة وثرواتها لها وفي خدمتها ، فلا يجوز أن تنتقض الملكية الخاصة على أساسها وتصبح عاملا من عوامل الإضرار بالجماعة وسوء حالها ؛ لأنّها بذلك تخرج عن وصفها مظهراً من مظاهر انتفاع الجماعة ، وحقّاً للفرد بوصفه عضواً في الجماعة التي أعدّت ثروات الكون لانتفاعها ، فمن الطبيعي على هذا الأساس أن تحدّد سيطرة المالك على التصرّف في ماله ، بعدم استغلالها فيما يضرّ الآخرين ويسيء إلى الجماعة .

وعلى العكس من ذلك حقّ الملكية على أساس رأسمالي ، فإنّه لا ينظر إليه بوصفه مظهراً من مظاهر انتفاع الجماعة ، وإنّما يعبّر رأسمالياً عن حقّ الفرد في أكبر نصيب ممكن من الحرّية في جميع المجالات ، فمن الطبيعي أن لا يحدّد إلاّ بحرّية الآخرين ، فللفرد أن يستغلّ أمواله كيف يشاء ما لم يَسلب الآخرين حرّيتهم الشكلية[1].

فإذا كنت تملك مثلاً مشروعاً ضخماً ، فبإمكانك على أساس المفهوم الرأسمالي عن الملكيّة الخاصة أن تتّبع في مشروعك مختلف الأساليب التي تتيح لك القضاء على المشاريع الصغيرة والقذف بها خارج نطاق السوق ، بشكل يؤدّي إلى دمارها وضرر أصحابها ؛ لأنّ ذلك لا يتعارض مع حرّيتهم الشكلية التي تحرص الرأسمالية على توفيرها للجميع[2].

[1]لتوضيح معنى الحرّية الشكلية والحرّية الحقيقية راجع صفحة 309 من اقتصادنا الكتاب الأوّل . (المؤلّف(قدّس سرّه))

[2]تصرّف المالك في ماله بشكل يؤدّى إلى الإضرار بالآخرين على نوعين :

أحدهما : التصرّف الذي يضرّ شخصاً آخر ضرراً مالياً مباشراً ، بإنقاص شيء من أمواله =


صفحه 714

وقد جاء المبدأ التشريعي الذي يحدّد إسلامياً تصرّفات المالك في ماله بعدم إضرار الآخرين ، في مجموعة من الروايات والأحاديث ، نذكر منها ما يلي :

1 ـ جاء في عدّة روايات : أنّ سمرة بن جندب كان له عذق ، وكان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الأنصار ، فكان يجيىء ويدخل إلى عذقه بغير إذن من الأنصاري . فقال الأنصاري : يا سمرة ، لا تزال تفجأنا على حال لا نحب أن

= كما إذا حفرت في أرض لك حفيرة تؤدّى إلى انهدام دار مجاورة لفرد آخر .

والآخر : التصرّف المضرّ بشكل غير مباشر الذي يؤدّي إلى سوء حال الآخرين دون أن ينقص فعلا شيئاً من أموالهم ، كالأساليب التي يتّبعها المشروع الرأسمالي الكبير في تدمير المشاريع الصغيرة ، فإنّ هذه الأساليب لا تفقد صاحب المشروع الصغير شيئاً من بضاعته التي يملكها فعلا ، وإنّما قد تضطرّه إلى تصريفها بأرخص الأثمان والانسحاب من الميدان والعجز عن مواصلة العمل .

أمّا النوع الأوّل فهو يندرج في القاعدة الإسلامية العامة ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فيمنع المالك وفقاً لهذه القاعدة من ممارسة ذلك النوع التصرّف .

وأمّا النوع الثاني فاندراجه في تلك القاعدة العامة يرتبط بتحديد مفهوم القاعدة عن الضرر . فإذا كان الضرر يعني النقص المباشر في المال أو النفس كما يرى كثير من الفقهاء ـ فلا يندرج هذا النوع في القاعدة ؛ لأنّه ليس إضراراً بهذا المعنى . وإذا كان الضرر بمعنى سوء الحال كما جاء في كتب اللغة ، فهو مفهوم أوسع من النقص المالي المباشر ، ويمكن على هذا الأساس إدراج النوع الثاني في هذا المفهوم ، والقول بتحديد سلطة المالك على ماله ومنعه من ممارسة كلا النوعين المتقدّمين من التصرّفات المضرّة ؛ لأنّها جميعاً تؤدّي إلى سوء حال الآخرين ، ومردّ سوء الحال إلى النقص أيضاً كما أوضحناه في بحوثنا الأصولية ودللنا على شمول القاعدة له . ( المؤلّف(قدّس سرّه)) راجع بحوث في علم الأصول 5 : 489 والعناوين 1 : 308 .


صفحه 715

تَفْجأنا عليه ، فإذا دخلت فاستأذن . فقال : لا أستأذن في طريقٍ وهو طريقي إلى عذقي . فشكاه الأنصاري إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)فأرسل إليه رسول الله فأتاه ، فقال : إنّ فلاناً قد شكاك وزعم أنك تمرّ عليه وعلى أهله بغير إذن ، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل . فقال : يا رسول الله ، استأذن في طريقي إلى عِذقي ؟! فقال له النبي(صلى الله عليه وآله): خلّ عنه ولك مكانه عِذق في مكان كذا وكذا . فقال : لا ... فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّك رجلٌ مضارٌّ ، ولا ضَرَرَ ولا ضِرار على مؤمن ، ثمّ أمر بها رسول الله فقلعت ورمى بها إليه[1].

2 ـ وعن الصادق(عليه السلام): ( أنّ رسول الله قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : أنّه لا يمنع نفع الشيء . وقضى بين أهل البادية : أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء ، وقال : لا ضرر ولا ضِرار )[2].

وروى الشافعي ، بسنده إلى أبي هريرة : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : ( من منع فضول الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة ) . وعلّق على الحديث قائلاً : ( ففي هذا الحديث ما دلّ على أنّه ليس لأحدٍ أن يمنع فضل مائه ، وإنّما يمنع فضل رحمة الله بمعصية الله ، فلّما كان منع فضل الماء معصية لم يكن لأحدٍ منع فضل الماء )[3].

3 ـ وعن الصادق (عليه السلام ) أيضاً أنّه سُئل عن جدار الرجل وهو ستره بينه وبين جاره سقط عنه فامتنع من بنائه . قال : ( ليس يجبر على ذلك ، إلاّ أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحقّ ، أو شرط في أصل الملك ، ولكن يقال

[1]الفروع من الكافي 5 : 294 ، الحديث 8 .

[2]الفروع من الكافي 5 : 293 ، الحديث 6 .

[3]الأمّ 4 : 49 .


صفحه 716

لصاحب المنزل : اشتر على نفسك حقّك إن شئت ) . قيل له : فإن كان الجدار لم يسقط ، ولكنّه هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره بغير حاجة منه إلى هدمه ؟ قال : ( لا يترك ؛ وذلك أنّ رسول الله قال : لا ضَرر ولا ضِرار ، وإن هدمه كلّفه أن يبنيه ).[1]

4 ـ وفي مسند الإمام أحمد عن عبادة أنّه قال : عن رسول الله قضى أن : لا ضَرر ولا ضِرار . وقضى : أنّه ليس لعرق ظالم حقّ ، و قضى بين أهل المدينة في النخل : لا يمنع نفع بئر . و قضى بين أهل البادية : أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلأ[2].

[1]مستدرك الوسائل 17 : 118 ، الباب 9 من أبواب إحياء الموات ، الحديث الأوّل .

[2]مسند أحمد بن حنبل 5 : 327 .


صفحه 717

نظرية الإنتاج

صلة المذهب بالإنتاج .

تنمية الإنتاج .

لماذا ننتج .

الصلة بين الإنتاج والتوزيع .

الصلة بين الإنتاج والتداول .

لمن ننتج ؟