بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 740

ج ـ السياسة الاقتصادية لتنمية الإنتاج :

هذه هي الخدمات التي قدّمها الإسلام بوصفه المذهبي لتنمية الإنتاج وزيادة الثروة . وترك بعد ذلك للدولة أن تدرس الشروط الموضوعية للحياة الاقتصادية ، وتحصي ما في البلاد من ثروات طبيعية ، وتستوعب ما يختزنه للمجتمع من طاقات وما يعيشه من مشاكل ، وتضع على ضوء ذلك كلّه وفي الحدود المذهبية ، السياسة الاقتصادية التي تؤدّي إلى زيادة الإنتاج ونموّ الثروة ، وتضمن يسر الحياة ورخاء المعيشة .

وعلى هذا الأساس نعرف علاقة المذهب بالسياسة الاقتصادية التي ترسمها الدولة وتحدّدها إلى مدى خمس سنوات أو سبع أو أكثر أو أقل للوصول إلى أهداف معيّنة في نهاية تلك المدّة . فإنّ هذه السياسة ليست جزءاً من المذهب ، ولا من وظيفة المذهب وضعها وتحديدها ؛ لأنّها تختلف باختلاف الظروف الموضوعية ، ونوع الإمكانات التي يملكها المجتمع ، وطبيعة المشاكل والصعاب التي لا بدّ من التغلّب عليها .

فالبلاد الكثيفة السكّان بدرجةٍ كبيرةٍ ـ مثلاً ـ تختلف عن البلاد القليلة السكّان الواسعة الأرجاء في إمكاناتها ومشاكلها وأساليب التغلّب على هذه المشاكل وتعبئة تلك الإمكانات ، وهكذا يكون لكلّ ظرفٍ موضوعي أثره في تحديد السياسة التي يجب إنتاجها .

ولهذا كان لزاماً على المذهب أن يترك رسم تفاصيل هذه السياسة إلى الدولة ، لتصنع التصميم الذي يتّفق مع الظروف التي تكتنفها ، ويقتصر المذهب على وضع الأهداف الرئيسية للسياسة الاقتصادية ، وحدودها العامة ، وإطارها المذهبي الشامل ، الذي يجب على الدولة التقيّد به ووضع سياستها ضمنه .


صفحه 741

لمـاذا ننتـج

كنا ندرس من نظرية الإنتاج النقطة المتّفق عليها مذهبياً بين مختلف الاتجاهات الفكرية للمذاهب الاقتصادية ، بدأنا بها لنجعل منها المحور الذي ننطلق منه لدراسة الخلافات المذهبية وتفاصيلها .

فقد عرفنا أنّ مبدأ تنمية الإنتاج واستثمار الطبيعة إلى أبعد حدٍ من المبادئ الأساسية في النظرية الإسلامية، ومن الأهداف التي يتّفق فيها الإسلام مع سائر المذاهب .

ولكنّ هذه المذاهب بالرغم من اتّفاقها على هذا المبدأ تختلف في مواجهة التفصيلات وطريقة التفكير فيها ؛ تبعاً لاختلاف قواعدها الفكرية وإطارها الحضاري العام ، ومفاهيمها عن الكون والحياة والمجتمع .

فهناك مثلاً الاختلاف بين تلك المذاهب في الهدف الأصيل من تنمية الثروة ودورها في حياة الإنسان ، فسؤال لماذا ننتج ؟ وما هو دور الثروة ؟ يجيب عليه كلّ مذهب بطريقته الخاصة ، وِفقاً لأساسه الفكري والنظرة العامة التي يتبنّاها .

ونحن في دراستنا للمذهب في الإسلام ، أو حين ندرس


صفحه 742

أيّ مذهب اقتصادي آخر وموقفه من الإنتاج ، لا يكفينا أن نعرف إيمان المذهب بمبدأ تنمية الإنتاج والثروة ، بل يجب أن نستوعب الأساس الفكري لذلك ، الذي يشرح مفهوم المذهب عن الثروة ودورها وأهدافها . فإنّ تنمية الثروة تتكيّف وفقاً لأساسها الفكري والنظرة العامة التي ترتبط بها . فقد تختلف تنمية الثروة على أساس فكري معيّن عن تنميتها على أساس فكريّ آخر ، تبعاً لما يفرضه الأساس الفكري من إطار للتنمية وأساليب لتحقيقها.

وفي سبيل تحديد الأساس الفكري للتنمية لا يمكن أن نفصل المذهب الاقتصادي ، بوصفه جزءاً من مركب حضاري كامل ، عن الحضارة التي ينتمي إليها ومفاهيمها عن الحياة والكون .

وعلى هذا الأساس سوف نأخذ الرأسمالية والاقتصاد الإسلامي وندرس مفاهيمها عن الإنتاج ودوره وأهدافه ، لا بوصفها مذهبين اقتصاديين فحسب ، بل بوصفها ـ إضافة إلى ذلك ـ واجهتين لحضارتين مختلفتين ، لنقدّم الأساس الفكري لتنمية الإنتاج من وجهة نظر الإسلام ، مقارناً بالأساس الفكري لتنمية الثروة في الرأسمالية .

ففي الحضارة المادّية الحديثة التي مثّلت الرأسمالية تأريخياً واجهتها المذهبية الاقتصادية ، تعتبر تنمية الثروة عادة هدفاً أصيلاً وغاية أساسية ؛ لأنّ المادّة هي كلّ شيء في المقاييس التي يسير عليها إنسان هذه الحضارة في حياته فهو لا يرى غاية وراءها ولهذا يسعى إلى تنمية لأجل الثروة نفسها وتحقيقاً لأكبر قدر ممكن من الرخاء المادّي .

كما أنّ الرأسمالية تنظر في الأساليب التي تتبعها لتحقيق هذا الهدف إلى تنمية الثروة بوضعها الكلّي ، وبشكل منفصلٍ عن التوزيع فهي ترى أنّ الهدف


صفحه 743

يتحقّق إذا ازداد مجموع ثروة المجتمع ، بقطع النظر عن مدى انتشار هذه الثروة في المجتمع ، وعن نصيب أفراده من اليسر والرخاء الذي توفّره تلك الثروة ، ولهذا شجّع المذهب الرأسمالي على استخدام الآلة الصناعية في عهد الصناعة الآلية ؛ لأنّها تساهم في زيادة الثروة الكلّية للمجتمع ولو عطّلت الآلاف ممّن لم يكن يملك الآلة الجديدة ، وأدّت إلى انهيار مشاريعهم .

فالثروة في الحضارة المادّية هدف أصيل ، ونموّ الثروة في المفهوم الرأسمالي يقاس بازدياد مجموع الثروة الكلّية في المجتمع .

والمشكلة الاقتصادية ترتبط في التفكير الرأسمالي بندرة الإنتاج ، وعدم سخاء الطبيعة ، وإحجامها عن تلبية كلّ الطلبات ، ولأجل هذا كان علاج المشكلة مرتبطاً بتنمية الإنتاج ، واستغلال قوى الطبيعة وكنوزها إلى أبعد حدٍّ ، بالقضاء على مقاومتها ومضاعفة إخضاعها للإنسان .

وللإسلام موقفه المختلف في كلّ ذلك .

فلا نموّ الثروة هو الهدف الأصيل في الإسلام ، وإن كان ممّا يستهدفه .

ولا ينظر الإسلام إلى نموّ الثروة بشكلٍ منفصلٍ عن التوزيع وعلى أساس الثروة الكلّية .

ولا المشكلة الاقتصادية تنبع من ندرة الإنتاج ، ليكون علاجها الأساسي بتنمية مجموع الثروة الكلّية .

وفيما يلي تفصيل الموقف الإسلامي .

1 ـ مفهوم الإسلام عن الثروة :

ففيما يتّصل بالنظر إلى الثروة كهدف أصيل ، يمكننا أن نحدّد نظرة الإسلام


صفحه 744

إلى الثروة في ضوء النصوص التي عالجت هذه الناحية ، وحاولت أن تشرح المفهوم الإسلامي للثروة .

وهذه النصوص يمكن تصنيفها إلى فئتين ، وقد يجد الدارس لأوّل وهلةً تناقضاً بينهما في معطياتهما الفكرية عن الثروة وأهدافها ودورها ، ولكنّ عملية التركيب بين تلك المعطيات تحلّ التناقض ، وتبلور المفهوم الكامل للإسلام عن تنمية الثروة بكلا حدّيه .

ففي إحدى الفئتين تندرج النصوص التالية :

أ ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ( نِعمَ العونُ على تقوى الله الغِنى )[1].

ب ـ وعن الإمام الصادق(عليه السلام): ( أنَّ نِعمَ العون على الآخرة الدنيا )[2].

ج ـ وعن الإمام الباقر(عليه السلام): ( أنَّ نِعمَ العون الدنيا على طلب الآخرة )[3].

د ـ وعن الرسول الله(صلى الله عليه وآله): ( اللّهمّ بارك لنا في الخبز ، ولا تفرّق بيننا وبينه ، ولولا الخبز ما صليّنا ، ولا صمنا ، ولا أدّينا فرائض ربّنا )[4].

هـ ـ وعن الصادق(عليه السلام): ( لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من حلال ؛ يكفّ به وجهه ، ويقضي به دينه ، ويصل به رَحِمَه )[5].

و ـ وقال رجل للصادق(عليه السلام): والله إنّا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها . فقال له : ( تحبّ أن تصنع بها ماذا ؟ قال أعود بها على نفسي وعيالي ، وأصِل بها

[1]وسائل الشيعة : 17 : 76 ، الباب 28 من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث 3 .

[2]المصدر السابق : 29 ـ 31 ، الباب 6 من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث 2 .

[3]المصدر السابق : الحديث 5 .

[4]المصدر السابق : الحديث 6 .

[5]المصدر السابق : 33 ـ 34 ، الباب 7 من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث الأوّل .


صفحه 745

وأتصدّق بها وأحجّ واعتمر ، فقال له الإمام : ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة )[1].

ز ـ وفي الحديث : ( ليس منّا من ترك دنياه لآخرته أو آخرته لدنياه )[2].

وتضم الفئة الثانية النصوص الآتية :

أ ـ عن الرسول(صلى الله عليه وآله): ( من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته )[3].

ب ـ وعن الصادق(عليه السلام): ( رأس كلّ خطيئةٍ حُبّ الدنيا )[4].

ج ـ وعن الصادق(عليه السلام)أيضاً : ( أبعد ما يكون العبد من الله إذا لم يهمّه إلاّ بطنه وفرجه )[5].

د ـ وعن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): ( أنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا )[6].

ومن اليسير لكلّ أحد أن يلاحظ التفاوت بين الفئتين ، فالدنيا والثروة والغنى : ( نِعم العون على الآخرة ) في الفئة الأولى . بينما هي : ( رأس كلّ خطيئة ) في الفئة الثانية .

ولكنّ هذا التناقض يمكن حلّه بعملية تركيب ، فالثروة وتنميتها نِعمَ العون على الآخرة ، وهي رأس كلّ خطيئة لأنّها ذات حدّين . وإطارها النفسي هو

[1]المصدر السابق : الحديث 3 .

[2]المصدر السابق : 76 ، الباب 28من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث الأوّل .

[3]وسائل الشيعة 16 : 9 ، الباب 61 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 5 .

[4]الأصول من الكافي 2 : 315 ، الحديث الأوّل .

[5]وسائل الشيعة 16 : 20 ، الباب 64 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 2 .

[6]المصدر السابق : 12 ، الباب 62 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 4 .


صفحه 746

الذي يبرز هذا الحدّ أو ذاك . فالثروة في رأى الإسلام وتنميتها هدف من الأهداف المهمّة ولكنّه هدف طريق لا هدف غاية ، فليست الثروة هي الهدف الأصيل الذي تضعه السماء للإنسان الإسلامي على وجه الأرض ، وإنّما هي وسيلة يؤدّي بها الإنسان الإسلامي دور الخلافة ، ويستخدمها في سبيل تنمية جميع الطاقات البشرية والتسامي بإنسانية الإنسان في مجالاتها المعنوية والمادّية ، فتنمية الثروة والإنتاج لتحقيق الهدف الأساسي من خلافة الإنسان في الأرض هي نِعمَ العون على الآخرة ، ولا خير فيمن لا يسعى إليها ، وليس من المسلمين ـ بوصفهم حملة رسالة في الحياة ـ من تركها وأهملها .

وأمّا تنمية الثروة والإنتاج لأجل الثروة بذاتها ، وبوصفها المجال الأساسي الذي يمارس الإنسان فيه حياته ويغرق فيه ، فهي رأس كلّ خطيئة ، وهي التي تبعد الإنسان عن ربّه ، ويجب الزهد فيها .

فالإسلام يريد من الإنسان الإسلامي أن ينمّي الثروة ليسيطر عليها ، وينتفع بها في تنمية وجوده ككلّ ، لا لتسيطر عليه الثروة ، وتستلم منه زمام القيادة ، وتمحو من أمامه الأهداف الكبرى .

فالثروة وأساليب تنميتها التي تحجب الإنسان الإسلامي عن ربّه وتنسيه أشواقه الروحية ، وتعطّل رسالته الكبرى في إقامة العدل على هذا الكوكب ، وتشدّه إلى الأرض ، لا يقرّها الإسلام . والثروة وأساليب التنمية التي تؤكّد صلة الإنسان الإسلامي بربّه المنعم عليه ، وتهيئ له عبادته في يسر ورخاء ، وتفسح المجال أمام كلّ مواهبه وطاقته للنمو والتكامل ، وتساعد على تحقيق مُثُله في العدالة والأخوّة والكرامة ، هي الهدف الذي يضعه الإسلام أمام الإنسان الإسلامي ، ويدفعه نحوه .


صفحه 747

2 ـ ربط تنمية الإنتاج بالتوزيع :

وفيما يتّصل بالفكرة الرأسمالية عن إنماء الإنتاج التي تنظر إلى عملية تنمية الثروة بصورة منفصلة عن نوع توزيعها فإنّ الإسلام يرفض هذه النظرة ، ويربط تنمية الثروة ـ كهدف ـ بالتوزيع ، ومدى ما يحقّق نمو الثروة لأفراد الأمّة من يسر ورخاء ؛ لأنّ تنمية الثروة في مفهوم الإسلام هدفُ طريقٍ لا هدف غايةٍ كما عرفنا في الفقرة السابقة ، فما لم تساهم عمليات التنمية في إشاعة اليسر والرخاء بين الأفراد ، وتوفّر لهم الشروط التي تمكّنهم من الانطلاق في مواهبهم الخيّرة وتحقيق رسالتهم ، فلن تؤدّي تنمية الثروة ودورها الصالح في حياة الإنسان .

ولهذا نجد أنّ كتاب الإمام على(عليه السلام)إلى حاكم مصر ـ الذي حدّد فيه الإمام لواليه البرنامج الإسلامي الذي يجب عليه تطبيقه ـ حين أراد أن يتحدّث عن تنمية الثروة بوصفها هدفاً من أهداف مجتمع المتّقين ـ على حد تعبير الكتاب ـ لم يصوّر تكديساً هائلاً للثروة ، وإنّما صوّر اليسر والرخاء يعمّ حياة الأفراد جميعاً في مجتمع المتّقين . وهذا تأكيد على أنّ تنمية الثروة ليست هدفاً إلاّ بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم ، وأمّا حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس ، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور ، فسوف تكتسب الثروة نوعاً من الصنمية ، وتصبح هدف غاية لا هدف طريق ، ويصدق عليها قول النبيّ(صلى الله عليه وآله)وهو يعبّر عن هذا اللون من الثروة ويحذر من أخطارها :

(إنّ الدنانير الصفر والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قَبلَكم)[1].

[1]مجمع الزوائد (للهيثمي) 3 : 122 ، والمعجم الوسيط للطبراني (للطبراني) 3 : 28 ، الحديث 2043 ، مع اختلاف يسير .