وأتصدّق بها وأحجّ واعتمر ، فقال له الإمام : ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة )[1].
ز ـ وفي الحديث : ( ليس منّا من ترك دنياه لآخرته أو آخرته لدنياه )[2].
وتضم الفئة الثانية النصوص الآتية :
أ ـ عن الرسول(صلى الله عليه وآله): ( من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته )[3].
ب ـ وعن الصادق(عليه السلام): ( رأس كلّ خطيئةٍ حُبّ الدنيا )[4].
ج ـ وعن الصادق(عليه السلام)أيضاً : ( أبعد ما يكون العبد من الله إذا لم يهمّه إلاّ بطنه وفرجه )[5].
د ـ وعن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): ( أنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا )[6].
ومن اليسير لكلّ أحد أن يلاحظ التفاوت بين الفئتين ، فالدنيا والثروة والغنى : ( نِعم العون على الآخرة ) في الفئة الأولى . بينما هي : ( رأس كلّ خطيئة ) في الفئة الثانية .
ولكنّ هذا التناقض يمكن حلّه بعملية تركيب ، فالثروة وتنميتها نِعمَ العون على الآخرة ، وهي رأس كلّ خطيئة لأنّها ذات حدّين . وإطارها النفسي هو
[1]المصدر السابق : الحديث 3 .
[2]المصدر السابق : 76 ، الباب 28من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث الأوّل .
[3]وسائل الشيعة 16 : 9 ، الباب 61 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 5 .
[4]الأصول من الكافي 2 : 315 ، الحديث الأوّل .
[5]وسائل الشيعة 16 : 20 ، الباب 64 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 2 .
[6]المصدر السابق : 12 ، الباب 62 ، من أبواب جهاد النفس ، الحديث 4 .
الذي يبرز هذا الحدّ أو ذاك . فالثروة في رأى الإسلام وتنميتها هدف من الأهداف المهمّة ولكنّه هدف طريق لا هدف غاية ، فليست الثروة هي الهدف الأصيل الذي تضعه السماء للإنسان الإسلامي على وجه الأرض ، وإنّما هي وسيلة يؤدّي بها الإنسان الإسلامي دور الخلافة ، ويستخدمها في سبيل تنمية جميع الطاقات البشرية والتسامي بإنسانية الإنسان في مجالاتها المعنوية والمادّية ، فتنمية الثروة والإنتاج لتحقيق الهدف الأساسي من خلافة الإنسان في الأرض هي نِعمَ العون على الآخرة ، ولا خير فيمن لا يسعى إليها ، وليس من المسلمين ـ بوصفهم حملة رسالة في الحياة ـ من تركها وأهملها .
وأمّا تنمية الثروة والإنتاج لأجل الثروة بذاتها ، وبوصفها المجال الأساسي الذي يمارس الإنسان فيه حياته ويغرق فيه ، فهي رأس كلّ خطيئة ، وهي التي تبعد الإنسان عن ربّه ، ويجب الزهد فيها .
فالإسلام يريد من الإنسان الإسلامي أن ينمّي الثروة ليسيطر عليها ، وينتفع بها في تنمية وجوده ككلّ ، لا لتسيطر عليه الثروة ، وتستلم منه زمام القيادة ، وتمحو من أمامه الأهداف الكبرى .
فالثروة وأساليب تنميتها التي تحجب الإنسان الإسلامي عن ربّه وتنسيه أشواقه الروحية ، وتعطّل رسالته الكبرى في إقامة العدل على هذا الكوكب ، وتشدّه إلى الأرض ، لا يقرّها الإسلام . والثروة وأساليب التنمية التي تؤكّد صلة الإنسان الإسلامي بربّه المنعم عليه ، وتهيئ له عبادته في يسر ورخاء ، وتفسح المجال أمام كلّ مواهبه وطاقته للنمو والتكامل ، وتساعد على تحقيق مُثُله في العدالة والأخوّة والكرامة ، هي الهدف الذي يضعه الإسلام أمام الإنسان الإسلامي ، ويدفعه نحوه .
2 ـ ربط تنمية الإنتاج بالتوزيع :
وفيما يتّصل بالفكرة الرأسمالية عن إنماء الإنتاج التي تنظر إلى عملية تنمية الثروة بصورة منفصلة عن نوع توزيعها فإنّ الإسلام يرفض هذه النظرة ، ويربط تنمية الثروة ـ كهدف ـ بالتوزيع ، ومدى ما يحقّق نمو الثروة لأفراد الأمّة من يسر ورخاء ؛ لأنّ تنمية الثروة في مفهوم الإسلام هدفُ طريقٍ لا هدف غايةٍ كما عرفنا في الفقرة السابقة ، فما لم تساهم عمليات التنمية في إشاعة اليسر والرخاء بين الأفراد ، وتوفّر لهم الشروط التي تمكّنهم من الانطلاق في مواهبهم الخيّرة وتحقيق رسالتهم ، فلن تؤدّي تنمية الثروة ودورها الصالح في حياة الإنسان .
ولهذا نجد أنّ كتاب الإمام على(عليه السلام)إلى حاكم مصر ـ الذي حدّد فيه الإمام لواليه البرنامج الإسلامي الذي يجب عليه تطبيقه ـ حين أراد أن يتحدّث عن تنمية الثروة بوصفها هدفاً من أهداف مجتمع المتّقين ـ على حد تعبير الكتاب ـ لم يصوّر تكديساً هائلاً للثروة ، وإنّما صوّر اليسر والرخاء يعمّ حياة الأفراد جميعاً في مجتمع المتّقين . وهذا تأكيد على أنّ تنمية الثروة ليست هدفاً إلاّ بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم ، وأمّا حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس ، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور ، فسوف تكتسب الثروة نوعاً من الصنمية ، وتصبح هدف غاية لا هدف طريق ، ويصدق عليها قول النبيّ(صلى الله عليه وآله)وهو يعبّر عن هذا اللون من الثروة ويحذر من أخطارها :
(إنّ الدنانير الصفر والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قَبلَكم)[1].
[1]مجمع الزوائد (للهيثمي) 3 : 122 ، والمعجم الوسيط للطبراني (للطبراني) 3 : 28 ، الحديث 2043 ، مع اختلاف يسير .
وعلى هذا الأساس فالإسلام حين يضع تنمية الإنتاج هدفاً للمجتمع يجعل نصب عينيه ارتباط هذه التنمية باليسر والرخاء العام . ولهذا يرفض من أساليب التنمية ما يتعارض مع ذلك ، ويضرّ بالناس بدلاً عن تيسير الحياة لهم .
ويمكننا أن نقدّر على هذا الضوء : أنّ الإسلام لو كان قد استلم زمام القيادة بدلاً عن الرأسمالية في عصر ولادة الآلة البخارية ، لما سمح باستعمال الآلة الجديدة التي ضاعفت الإنتاج بقدر ما أطاحت بالآلاف من الصنّاع اليدويين ، إلاّ بعد أن يتغلّب على المشاكل والإضرار التي تجلبها الآلة لهؤلاء ؛ لأنّ التنمية التي تحقّقها الآلة قبل التغلّب على تلك المشاكل والإضرار سوف لن تكون هدف طريق بل هدف غاية .
3 ـ تصوّر الإسلام للمشكلة الاقتصادية :
وأخيراً ، فإنّ الإسلام يرى أنّ المشكلة الاقتصادية القائمة على أساس تصوّر واقعي للأمور ، لم تنشأ من ندرة موارد الإنتاج وبخل الطبيعة .
صحيح أنّ موارد الإنتاج في الطبيعة محدودة ، وحاجات البشر كثيرة ومتنوّعة .
وحقّاً أنّ مجتمعاً أسطورياً يتمتّع بموارد غير محدودة وافرة وفرة الهواء يظل سليماً من المشاكل الاقتصادية ، ولا يوجد فيه فقير ؛ لأنّ كل فرد فيه قادر على إشباع جميع رغباته في هذا الفردوس .
ولكنّ هذا لا يعني أنّ المشكلة الاقتصادية التي تعانيها البشرية في الواقع نابعة من عدم وجود هذا الفردوس ، بل ليست محاولة تفسيرها على هذا الأساس إلاّ لوناً من التهرّب عن مواجهة الوجه الواقعي للمشكلة القابل للحلّ بإبراز وجهها
الأسطوري الذي لا يمكن حلّه بحال من الأحوال ، ليكون ذلك مبرّراً للاعتراف بحتمية المشكلة وحصر علاجها النسبي في تنمية الإنتاج بوصفها عملية مقصودة بذاتها ، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى وضع النظام الاقتصادي في إطار المشكلة ، بدلاً عن اكتشاف النظام الذي يقضي عليها ، كما صنعت الرأسمالية حين أبرزت الوجه الأسطوري للمشكلّة ، فخيّل لها أنّ الطبيعة ما دامت بخيلة أو عاجزة عن إشباع حاجات الإنسان جميعاً فمن الطبيعي أن تتصادم هذه الحاجات وتتعارض ، وعندئذٍ لا بدّ من وضع نظام اقتصادي ينسق تلك الحاجات ويحدّد ما يجب إشباعه منها .
إنّ الإسلام لا يقرّ ذلك كلّه ، وينظر إلى المشكلة من ناحيتها الواقعية القابلة للحلّ ، كما نجد ذلك في قوله تعالى :
( اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )[1].
فإنّ هذا الآيات الكريمة بعد أن استعرضت مصادر الثروة التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان ، أكدت أنّها كافية لإشباع الإنسان وتحقيق سؤله( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ )، فالمشكلة الواقعية لم تنشأ عن بَخَل الطبيعة ، أو عجزها عن تلبية حاجات الإنسان ، وإنّما نشأت من الإنسان نفسه ، كما تقرّره الآية الأخيرة :( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ). فظلم الإنسان في توزيع الثروة
[1]سورة إبراهيم : 32 ـ 34 .
وكفرانه للنعمة ؛ بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضّل الله بها عليه استغلالاً تامّاً ، هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الإنسان البائس منذ أبعد عصور التأريخ . وبمجرّد تفسير المشكلة على أساس إنساني يصبح بالإمكان التغلّب عليها ، والقضاء على الظلم وكفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة ، وتعبئة كلّ القوى المادّية لاستثمار الطبيعة ، واستكشاف كلّ كنوزها[1].
[1]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا : 380 ـ 381 . (المؤلّف(قدّس سرّه))
الصِلة بين الإنتاج والتوزيع
هل توجد صلة بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع ؟
هذا هو السؤال الذي يختلف في الإجابة عليه الإسلام والماركسية اختلافاً أساسياً على الصعيد المذهبي للاقتصاد . فالماركسية تؤكّد وجود هذه الصلة ، وتؤمن بأنّ كلّ شكل من أشكال الإنتاج يَفرض ـ وفقاً لقانون التطوّر ـ نوعاً خاصاً من التوزيع ، وهو النوع الذي ينسجم مع ذلك الشكل من الإنتاج ، ويواكب نموّه وتطوّره . وإذا اتّخذ الإنتاج شكلاً جديداً لا يتّفق في حركته مع علاقات التوزيع التي فرضها الشكل السابق تحتم على علاقات التوزيع هذه أن تُخلّي مكانها ـ بعد تناقض وصراع مرير ـ لعلاقات جديدة في التوزيع ، تُلائم الشكل السائد من الإنتاج ، وتساعده على النموّ والتحرّك .
وهكذا ترى الماركسية : أنّ نظام التوزيع يتبع دائماً شكل الإنتاج ، ويتكيّف وفقاً لحاجاته . وهذه التبعية قانون طبيعي صارم للتأريخ ، لا يمكن تبديله أو تعديله . فالقضية الأساسية في حياة الإنسان هي أن ينتج ، وأن يسيّر الإنتاج وينمو باطراد . أمّا كيف يوزّع الناتج ؟ ومن هم الذين يُمنحون حقّ ملكية الوسائل المنتَجة ؟ وهل يتمّ التوزيع على أساس ملكية الرقيق ؟ أو الملكية الإقطاعية أو
الملكية البرجوازية أو ملكية البروليتاريا ؟ فكلّ هذا تقرّره مصلحة الإنتاج نفسه . فالإنتاج يتّخذ في كلّ مرحلة تأريخيّة الأسلوب الموقّت من التوزيع الذي يمكنه من النموّ في إطاره .
وقد درسنا هذه النظرية الماركسية بإسهاب ، في الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، واستطعنا أن نخرج من دراستنا بنتائج معاكسة للنظرية ؛ تدينها فلسفياً وعلمياً ، وتبرهن على عجزها عن تفسير التأريخ[1]. كما عرفنا في بعض البحوث السابقة موقف الإسلام من هذه النظرية ، ورفضه تبعية التوزيع لشكل الإنتاج[2].
توجيه الإنتاج لضمان عدالة التوزيع :
والإسلام حين ينكر تبعية التوزيع لأشكال الإنتاج ، وتكيّفه تبعاً لها بقوّة القانون الطبيعي للتأريخ ، كما تزعم الماركسية ، لا يقطع الصلة بالمرة بين التوزيع وشكل الإنتاج . ولكن الصلة في رأي الإسلام بين التوزيع والإنتاج ليست علاقة تبعية وفقاً لقانون طبيعي ، وإنّما هي صلة يفرضها المذهب ، ويحدّد فيها الإنتاج لحساب التوزيع بدلاً عن تكييف التوزيع طبقاً لحاجات الإنتاج ، كما تقرّره النظرية الماركسية .
وتقوم الفكرة في هذه الصلة على أساس النقاط التالية:
أولاً : أنّ الاقتصاد الإسلامي يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها ثابتة وصالحة في كلّ زمان ومكان ، لا يختلف في ذلك عصر الكهرباء والذرّة عن
[1]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : نظرية المادّية التأريخية . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .
[2]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .