بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 751

الصِلة بين الإنتاج والتوزيع

هل توجد صلة بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع ؟

هذا هو السؤال الذي يختلف في الإجابة عليه الإسلام والماركسية اختلافاً أساسياً على الصعيد المذهبي للاقتصاد . فالماركسية تؤكّد وجود هذه الصلة ، وتؤمن بأنّ كلّ شكل من أشكال الإنتاج يَفرض ـ وفقاً لقانون التطوّر ـ نوعاً خاصاً من التوزيع ، وهو النوع الذي ينسجم مع ذلك الشكل من الإنتاج ، ويواكب نموّه وتطوّره . وإذا اتّخذ الإنتاج شكلاً جديداً لا يتّفق في حركته مع علاقات التوزيع التي فرضها الشكل السابق تحتم على علاقات التوزيع هذه أن تُخلّي مكانها ـ بعد تناقض وصراع مرير ـ لعلاقات جديدة في التوزيع ، تُلائم الشكل السائد من الإنتاج ، وتساعده على النموّ والتحرّك .

وهكذا ترى الماركسية : أنّ نظام التوزيع يتبع دائماً شكل الإنتاج ، ويتكيّف وفقاً لحاجاته . وهذه التبعية قانون طبيعي صارم للتأريخ ، لا يمكن تبديله أو تعديله . فالقضية الأساسية في حياة الإنسان هي أن ينتج ، وأن يسيّر الإنتاج وينمو باطراد . أمّا كيف يوزّع الناتج ؟ ومن هم الذين يُمنحون حقّ ملكية الوسائل المنتَجة ؟ وهل يتمّ التوزيع على أساس ملكية الرقيق ؟ أو الملكية الإقطاعية أو


صفحه 752

الملكية البرجوازية أو ملكية البروليتاريا ؟ فكلّ هذا تقرّره مصلحة الإنتاج نفسه . فالإنتاج يتّخذ في كلّ مرحلة تأريخيّة الأسلوب الموقّت من التوزيع الذي يمكنه من النموّ في إطاره .

وقد درسنا هذه النظرية الماركسية بإسهاب ، في الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، واستطعنا أن نخرج من دراستنا بنتائج معاكسة للنظرية ؛ تدينها فلسفياً وعلمياً ، وتبرهن على عجزها عن تفسير التأريخ[1]. كما عرفنا في بعض البحوث السابقة موقف الإسلام من هذه النظرية ، ورفضه تبعية التوزيع لشكل الإنتاج[2].

توجيه الإنتاج لضمان عدالة التوزيع :

والإسلام حين ينكر تبعية التوزيع لأشكال الإنتاج ، وتكيّفه تبعاً لها بقوّة القانون الطبيعي للتأريخ ، كما تزعم الماركسية ، لا يقطع الصلة بالمرة بين التوزيع وشكل الإنتاج . ولكن الصلة في رأي الإسلام بين التوزيع والإنتاج ليست علاقة تبعية وفقاً لقانون طبيعي ، وإنّما هي صلة يفرضها المذهب ، ويحدّد فيها الإنتاج لحساب التوزيع بدلاً عن تكييف التوزيع طبقاً لحاجات الإنتاج ، كما تقرّره النظرية الماركسية .

وتقوم الفكرة في هذه الصلة على أساس النقاط التالية:

أولاً : أنّ الاقتصاد الإسلامي يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها ثابتة وصالحة في كلّ زمان ومكان ، لا يختلف في ذلك عصر الكهرباء والذرّة عن

[1]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : نظرية المادّية التأريخية . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .

[2]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 753

عصر البخار ، ولا عصر البخار عن عصر الطاحونة الهوائية والعمل اليدوي . فعلى كلّ هذه العصور مثلاً ـ تصحّ القاعدة القائلة : إنّ من حقّ العامل أن يقطف ثمار عمله .

وثانياً : أنّ عمليات الإنتاج التي يمارسها الفرد ، تعتبر مرحلة تطبيق لتلك القواعد العامة في التوزيع . فإحياء الأرض المَيتَة ، واستنباط عين الماء ، واقتطاع الخشب ، واستخراج المعادن ، كلّها عمليات إنتاج . وهي في نفس الوقت تؤدّي إلى تطبيق القواعد العامة للتوزيع على الثروات المنتَجة . فمجال الإنتاج ـ إذن ـ هو ظرف تطبيق قواعد التوزيع .

وثالثاً : إنّ الإنتاج إذا ارتفع مستواه وازدادت وسائله وإمكاناته ، نمت سيطرة الإنسان على الطبيعة ، وأصبح بإمكان الفرد المجهّز بقوى الإنتاج أن يمارس نشاطه في نطاق أوسع من المجالات التي كانت تتاح له قبل نموّ الإنتاج وارتفاع مستواه .

وتعلية على هذه النقاط نعرف : أنّ تطوّر الإنتاج ونموّ قِواه ، يتيح للإنسان أكثر فأكثر استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، خلال عمليات الإنتاج التي يمارسها . وقد يبلغ هذا الاستغلال إلى درجة تشكّل خطراً على التوازن العام ومُثُل العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ولنأخذ مثالاً على ذلك من إحياء الأرض : فإنّ الإنسان في عصور العمل اليدوي لم يكن يستطيع أن يُحيي مساحات شاسعة من الأرض ؛ لأنّ النظرية لا تأذن له باستخدام الأجرة في هذا السبيل ، وهو لا يمكنه بأدوات عصر ما قبل الآلة أن يباشر الإحياء إلاّ في حدود خاصة ، ولهذا لم يكن في مقدوره أن يسيء استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، ولا أن يمتلك مساحات خطيرة من الأرض ، وفقاً للقاعدة التي تمنح المُحيي حقّاً في الأرض التي أحياها .


صفحه 754

ولكنّ عصر الآلة يمدّ الفرد بالقدرة على إحياء تلك المساحات الخطيرة ، وإساءة استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، فلا بدّ في هذه الحالة من توجيه التطبيق الوِجهة التي تتّفق مع مُثُل العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ومن هنا نشأت الصلة المذهبية في الإسلام بين الإنتاج والتوزيع ، ومردّها في الحقيقة إلى فكرة التطبيق الموجّه ، التي تحدّد الإنتاج بوصفه عملية تطبيق لقواعد التوزيع تحديداً يضمن عدالة التوزيع واتساقه مع مُثُل الإسلام وأهدافه .

وقد جسّد الإسلام فكرة التطبيق الموجّه التي تحدّد الإنتاج لحساب التوزيع ، في إعطاء وليّ الأمر الحقّ في التدخّل للحدّ من تطبيق القاعدة والمنع عن الأعمال التي تؤدّي إلى استغلال قواعد التوزيع استغلالاً سيئاً ، ففي مثال الأرض الذي قدمناه يملك ولي الأمر الحقّ في منع الفرد من ممارسة الإحياء إلاّ في حدود تعيّن وِفقاً لتصوّر الإسلام للعدالة الاجتماعية كما يقرّره مبدأ تدخّل الدولة الذي سوف ندرسه بتفصيل في بحثٍ مقبلٍ[1].

وهكذا نعرف أن تطوّر الإنتاج ونموّه ، قد يفرض على وليّ الأمر التدخّل في توجيه الإنتاج ، والتحديد من مجالات تطبيق القواعد العامة للتوزيع ، دون أن يمسّ جوهر القواعد نفسها .

وهذا يعني أنّ مبدأ تدخل الدولة الذي يسمح لها بتوجيه التطبيق ، هو القاعدة التي ضمن بها الإسلام صلاحية قواعده العامة في التوزيع ، وانسجامها مع تصوّراته للعدالة الاجتماعية في كلّ زمان ومكان .

[1]سيأتي في مبحث : مبدأ تدخّل الدولة .


صفحه 755

الصلة بين الإنتاج والتداول

الإنتاج كما نعرف هو : عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان[1].

[1]وبالتعبير التقليدي في الاقتصاد هو : خلق منفعة جديدة .

وإنّما آثرنا التعبير الأوّل في تعريف الإنتاج لأنّ الذي يعرّفونه بالصيغة الثانية يقعون في تعميم غير مقصود ؛ لأنّهم يفسّرون المنفعة بأنّها صفة في الشيء تجعله صالحاً لإشباع أيّ حاجة كانت . ويقولون : إنّ هذه الصفة ليست صفة ذاتية أو موضوعية في الشيء ، وإنّما تتولّد عن مجرّد الرغبة فيه ، ولو كانت الرغبة تقوم على خطأ في تقدير الموقف ، كالرغبة في عقاقير نتيجة لاعتقاد خاطئ بأثرها في الوقاية من الوباء .

وتعريف الإنتاج والمنفعة بهذا الشكل يدرج في الإنتاج : عمل الفرد في إقناع الجمهور بفائدة مادّة معيّنة في الوقاية أو العلاج ؛ لأنّ هذا العمل يخلق منفعة جديدة ويؤدّى إلى تمتّع تلك المادة بصفة إشباع لرغبة عامة ، بالرغم من أنّ الفرد لم يمارس المادة في أيّ نشاط اقتصادي .

وهذا هو التعميم الذي يُمنى به التعريف التقليدي . ولهذا قلنا : إنّ الإنتاج هو تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان . وبهذا يتوقّف اكتساب العمل طابع الإنتاج على خلقه المنفعة وممارسته الطبيعة بلون من الألوان . (المؤلّف قدّس سره)


صفحه 756

والتداول بمعناه المادّي : نقل الأشياء من مكان إلى آخر ، وبمعناه القانوني ـ وهو الذي نقصده بهذا البحث ـ يعبّر عن مجموع عمليات التجارة التي تتمّ عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه .

ومن الواضح : أنّ التداول بمعناه المادّي نوع من عمليات الإنتاج ؛ لأنّ نقل الثروة من مكان إلى مكان يخلق في كثير من الأحيان منفعة جديدة ، ويعتبر تطويراً للمادّة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان ، سواء كان النقل عمودياً ـ كما في الصناعات الاستخراجية ، التي يمارس الإنتاج فيها عملية نقل المواد الأولية من أعماق الأرض إلى سطحها ـ أو أفقياً ، كما في نقل السلع المنتجة إلى الأماكن القريبة من المستهلكين وإعدادها في متناول أيديهم ، فإنّ نقلها بهذا الشكل نوع من التطوير إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان .

وأمّا التداول بمعناه القانوني ونقل الحقوق أو الملكية من فردٍ لآخر ، كما نشاهد في عمليات التجارة ، فهو بوصفه عملية قانونية لا بدّ أن يكتسب مفهومه وتحدد علاقته بالإنتاج على أساس مذهبي .

ولهذا يمكننا أن ندرس رأي الإسلام في الصلة بين الإنتاج والتداول ، وطبيعة العلاقة التي يقيمها بينها في مخطّطه المذهبي العام .

ومفهوم الإسلام عن التداول وصلته بالإنتاج مذهبياً لا يساهم في تصور مذهبي شامل فحسب ، بل يلعب أيضاً دوراً مهمّاً في وضع السياسة العامة في مجال التوزيع وملء الفراغ الذي تركه الإسلام للدولة لكي تملأه حسب الظروف .

مفهوم الإسلام عن التداول :

والذي يبدو من دراسة نصوص المفاهيم والأحكام ، واتجاهها التشريعي العام أنّ التداول في نظر الإسلام من حيث المبدأ شعبة من الإنتاج ، ولا ينبغي أن


صفحه 757

ينفصل عن مجاله العام .

وهذا المفهوم الإسلامي ، الذي سوف نلمحه في عدّة نصوص وأحكام ، يتّفق تماماً مع قصّة التداول تأريخياً ونشوئه ، والحاجات الموضوعية التي ولدته .

فإنّ التداول في أكبر الظن لم يكن موجوداً على نطاق واسع في المجتمعات التي كان كلّ فرد فيها يكتفي عادة بما ينتجه مباشرة في إشباع حاجاته البسيطة ؛ لأنّ الإنسان الذي يعيش هذا الاكتفاء الذاتي لا يشعر بحاجة غالباً إلى الحصول على منتجات فرد آخر ليمارس مع ذلك الفرد لوناً من ألوان التداول والتبادل . وإنّما نشأ التداول في حياة الإنسان نتيجة لتقسيم العمل الذي أصبح كلّ فرد بموجبه يمارس فرعاً خالصاً من فروع الإنتاج ، وينتج في ذلك الفرع كمّية أكبر من حاجته ويحصل على سائر السلع التي يحتاجها من منتجي تلك السلع عن طريق التبادل ، وإعطائهم حاجاتهم من منتُوجه لقاء الحصول على منتوجاتهم ، فإنّ تنوّع الحاجات وكثرتها فرض تقسيم العمل بهذا الشكل ، وبالتالي أدّى إلى انتشار التداول ووجوده في حياة الإنسان على نطاق واسع .

فمنتِج الحنطة ـ مثلاً ـ يقتصر على إنتاجها ويسد حاجته من الصوف بحمل كمّية من الحنطة الفائضة عن الحاجة ، إلى مُنتِج الصوف الذي يحتاج بدوره إلى حنطة ، فيدفع إليه حاجته من الحنطة ويتسلّم منه مقابل ذلك الكمّية التي يريدها من الصوف .

ونلاحظ في هذه الصورة : أنّ منتج الحنطة التقى بالمستهلك مباشرة ، كما أنّ الراعي بوصفه منتِجاً للصوف اتصل في عملية التداول بالمستهلك للصوف دون وسيط ، فالمستهلك ـ وفقاً لهذه الصورة ـ هو دائماً منتجٌ باعتبار آخر .

وتطوّر التداول بعد ذلك ، فوجد الوسيط بين المنتج والمستهلك ، وأصبح


صفحه 758

منتِج الصوف لا يبيع الصوف مباشرة لمنتِج الحنطة في مثالنا السابق ، بل أخذ شخص ثالث يقوم بدور الوساطة بينهما ، فيشتري الكمّيّات المنتَجة من الصوف ، لا لاستهلاكها في حاجته الخاصة ، بل لإعدادها وجعلها في متناول أيدي المستهلكين . فبدلا عن أن يتّصل منتج الحنطة بمنتج الصوف ابتداءً ، أصبح يلتقي بهذا الوسيط الذي أعدّ الصوف في السوق وهيأه للبيع ، ويتّفق معه على الشراء . ومن هنا نشأت عمليات التجارة وأصبح الوسيط يوفّر كثيراً من الوقت والجهد على المنتِجين والمستهلِكين .

وفي هذا الضوء نعرف أنّ التداول أو نقل الملكية في كلا الدورين ـ دور التقاء المنتجين مباشرة ودور الوسيط التاجر ـ كان يسبقه عمل من أعمال الإنتاج ، ممّن ينقل ملكية المال إلى غيره ويحصل على ثمنه . ففي الدور الأوّل : كان منتِج الصوف يمارس بنفسه عملية إنتاج الصوف ، ثمّ يبيعه وينقل ملكيته إلى آخر بعِوض . وفي الدور الثاني : كان الوسيط يمارس عملية نقل الصوف إلى السوق ، والمحافظة عليه وإعداده في متناول يد المستهلك متى أراد . وهذا لون من الإنتاج كما عرفنا قبل لحظات .

وهذا يعني أنّ الفوائد التي يجنيها البائع من نقل ملكية المال إلى غيره بعوض ـ وهي ما نسمّيه الآن بالأرباح ـ كانت نتيجة لعمل إنتاجي يمارسه البائع ، ولم تكن نتيجة لنفس عملية نقل الملكية .

ولكن سيطرة الدوافع الأنانية على التجارة أدّت إلى تطوّيرها وانحرافها عن وضعها الطبيعي ، الذي كان ناتجاً عن حاجة موضوعية سليمة ، وبخاصة في عصر الرأسمالية الحديثة ونتج عن ذلك انفصال التداول والتبادل في كثير من الأحيان عن الإنتاج ، وأصبح نقل الملكية عملية تقصد لذاتها دون أن يسبقها أيّ عمل