حنطة وبنصفه وَرِقاً ـ أي : نقداً ـ فقال : لا بأس إذا أخذ منه الوَرِق كما أعطاه )[1]، أي : بقدر مئة درهم .[2]
3 ـ جاء في نصوص نبوية كثيرة النهي عن تلقّي الركبان ، وعن بيع الحاضر للبادي . ففي الحديث : ( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : لا يتلقّى أحدكم تجارةً خارجاً من المِصر ، ولا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ )[2].
وروى الشافعي بسنده إلى جابر : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : ( لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، دَعُوا النّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) كما روى بسنده إلى أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : ( لا تلقّوا السلع )[4].
وتلقّي الركبان هو : خروج التاجر إلى خارج البلد ليستقبل أصحاب البضائع ويشتري منه بضائعهم ، قبل أن يدخلوا البلد ، ويرجع إلى المدينة فيبيع السلع على الناس . وبيع الحاضر لأهل البادية : أن يتولّى تاجر المدينة شأن
[1]وسائل الشيعة 18 : 309 ـ 310 ، الباب 11 من أبواب السلف ، الحديث 16 .[2]هذه النصوص إنّما تدلّ على الحكم المقصود إذا كانت تستهدف بالنهي الوارد فيها منع المشتري عن بيع ما اشتراه سلفاً قبل قبضه وبعد حلول أجله بثمن أكبر . وأمّا إذا كانت النصوص تريد بيان ما للمشتري المطالبة به إذا فسخ العقد استناداً إلى حقّه في الخيار نتيجة لعدم تسليم البائع له السلعة في الوقت المحدّد ، فيكون معنى النهي فيها : أنّ المشتري إذا لم يتسلّم السلعة التي اشتراها سلفاً في الوقت المحدّد وفسخ العقد ، فليس له إلاّ استرجاع نفس الثمن الذي سلّمه البائع سابقاً . وعلى هذا التقدير لا تبقى في النصوص دلالة على النهي عن البيع بثمن أكبر قبل القبض . (المؤلّف قدّس سره)
[3]وسائل الشيعة 17 : 443 ـ 444 ، الباب 36 من أبواب آداب التجارة ، الحديث 5 ، والباب 37 ، الحديث الأوّل .
[4]الأُمّ 3 : 92 ـ 93 .
القرويين ، الذين يقدّمون المدينة وهم يحملون منتجاتهم من فواكه وألبان وغيرها ، فيشتريها منهم ثمّ يبيعها ويتّجر بها[1]. وواضح أنّ النهي عن هاتين العمليتين يحمل طابع الاتجاه الإسلامي الذي نحاول إثباته ؛ لأنّ النهي يستهدف الاستغناء عن الوسيط ودوره الطفيلي ، الذي يحول به دون مواجهة صاحب السلعة للمستهلك مباشرة ، لا لشيء إلاّ ليربح الوسيط على أساس إقحام نفسه بينهما . فالوساطة هنا لا يرحّب بها الإسلام ؛ لأنّها وساطة متكلّفة لا تعبّر عن أيّ محتوى إنتاجي لعمليات التجارة ، بل عن هدف في مجرّد المبادلة لأجل الربح .
[1]راجع : الروضة البهية 2 : 225 . وجواهر الكلام 22 : 470 .
لمـن نُنتِـج ؟
أودّ البدء بإبراز موقف الرأسمالية من هذا السؤال ؛ ليتاح عن طريق مقارنة الموقف الإسلامي به إعطاء الجواب من وجهة نظر الإسلام بملامحه المحدّدة ، وسماته المميّزة .
الموقف الرأسمالي :
المذهب الرأسمالي يعتمد في توجيه الإنتاج على جهاز الثمن ، الذي تحدّده قوانين العرض والطلب في السوق الحرّة ؛ لأنّ الاقتصاد الرأسمالي الحرّ يقوم على أساس المشاريع الخاصة التي يديرها الأفراد وتخضع لإرادتهم ، وكلّ واحد من هؤلاء يدير مشروعه ويخطّط إنتاجه وفقاً لمصلحته ورغبته في أكبر قدر ممكن من الربح . فحاسّة الربح هي التي تكيّف لدى كلّ فردٍ إنتاجه وتوجّه نشاطه . والربح يتبع حركة الثمن في السوق ، فكلّما اطّلع صاحب المشروع على ارتفاع ثمن سلعة اتّجه إلى إنتاجها بقدرٍ كبير ؛ أملاً في الحصول على الوفير من الربح . ومن الواضح أنّ ارتفاع ثمن السلعة في السوق يعكس في الظروف السليمة زيادة الطلب عليها . وبهذا تضمن الرأسمالية ربط الإنتاج بالطلب ؛ لأنّ الربح هو الذي يحرّك الإنتاج ، وارتفاع الثمن هو الذي يُغري المشاريع الرأسمالية بالربح ،
وزيادة الطلب هي التي تؤدّي إلى ارتفاع الثمن ، فيكون الإنتاج في النهاية موجّهاً من قبل المستهلكين ومكيّفاً طِبقاً لحاجاتهم التي تعبّر عن نفسها في زيادة الطلب وارتفاع الثمن . وفي هذا الضوء تجيب الرأسمالية على سؤال : لمن نُنتِج ؟ : أنّ الإنتاج لأجل المستهلكين وحاجاتهم ، ويتناسب طرداً وعكساً واتجاهاً مع هذه الحاجات .
نقد الموقف الرأسمالي :
هذه هي الصورة الظاهرية للإنتاج الرأسمالية ، أو هي الصورة المشرِقة التي يحاول الرأسماليون إبراز الإنتاج الرأسمالي في إطارها الزاهي ، ليبرهنوا على التوافق والتلاقي في ظلّ النظام الرأسمالي بين خطّي الإنتاج والطلب ، وحركتيهما العامّتين .
ولكنّ هذه الصورة ، بالرغم من صدقها جزئياً ، لا تستطيع أن تخفي التناقض الصارخ في ظلّ النظام الرأسمالي بين الإنتاج والطلب . فهي تشرح الترابط في تسلسل متعدّد الحلقات بين الإنتاج والطلب ، ولكنّها لا تحدّد مدلول الطلب ، ولا تكتشف عن مفهوم الرأسمالية عن هذا الطلب الذي يتحكّم في الإنتاج ويواجهه بواسطة رفع ثمن السلع .
والحقيقة أنّ الطلب في المفهوم الرأسمالي هو تعبير نقدي أكثر من كونه تعبيراً بشريّاً عن حاجة من الحاجات ؛ لأنّه لا يشمل إلاّ قسماً خاصاً من الطلب ، وهو ذلك الطلب الذي يؤدّي إلى ارتفاع ثمن السلعة في السوق ، أي : الطلب الذي يتمتّع بالقوّة الشرائية ، ويمتلك رصيداً نقديّاً قادراً على إشباعه ، وأمّا تلك الطلبات المجرّدة عن تلك القوّة النقدية التي لا تستطيع أن تغزو السوق الرأسمالية ، ولا تؤدّي إلى رفع ثمن السلعة لعدم امتلاكها الثمن ، فنصيبها الإهمال مهما كانت
مُلِحَّة وضرورية ، ومهما عمَّت واستوعبت ؛ لأنّ الطلب لا بدّ أن يبرهن عليه الطالب بالنقد الذي يقدّمه ، وما لم يقدّم هذا البرهان فلا حقّ له في توجيه الإنتاج ، ولا كلمة له في الحياة الاقتصادية الرأسمالية ، وإن نبع من صميم الواقع البشري وضروراته الملحّة .
وبمجرّد أن نعرف مفهوم الرأسمالية هذا عن الطلب ، تتبدّد فجأة كلّ تلك الأحكام الذهبية التي نسجها أنصار الاقتصاد الحرّ حول الإنتاج الرأسمالي وتكيّفه وفقاً للحاجة والطلب ؛ لأنّ القوّة الشرائية في المجتمع الرأسمالي تتوفّر ـ بدرجات عالية ـ في القلّة المحظوظة التي تسيطر على ثروات البلاد ، وتنخفض لدى غيرهم ، وتهبط هبوطاً كبيراً في مستوى القاعدة التي تتكوّن منها أكثرية المجتمع الرأسمالي . ونتيجة هذا التفاوت الهائل في القوّة الشرائية ـ من وجهة نظر المذهب الرأسمالي ـ أن تَحتَكِر الطلبات ذات القوّة الشرائية الضخمة توجيهَ الإنتاج ، وتُملي إرادتها عليه ؛ لأنّها هي التي تغري أصحاب المشاريع وتسيل لعابهم بما تؤدّي إليه من ارتفاع الأثمان ، وتحرم الطلبات الحياتية للجمهور من ذلك ؛ لعدم تمتّعها بقوّة شرائية مغرية .
ولمّا كانت الطلبات التي تتمتّع بالقوة الشرائية الضخمة قادرة على جلب كلّ السلع الضرورية والكمالية ، وأدوات اللهو ووسائل الترف من السوق الرأسمالي ، بينما تعجز الطلبات الفقيرة حتى عن جلب السلع الضرورية بصورة كاملة ، فسوف يؤدّي ذلك إلى تجنيد المشاريع الرأسمالية كلّ طاقاتها لإشباع تلك الطلبات المترَفة ، والرغبات النهِمة التي لا تكفّ عن التفنّن في إشباع نهمها ، وتطلب الجديد تلو الجديد من أدوات البطر ووسائل المتعة واللذّة ، وتبقى طلبات الكثرة الكاثرة من الناس على السلع الضرورية ومواد الحياة قائمة دون أن تلقى عناية من الإنتاج الرأسمالي ، اللّهم إلاّ في الحدود التي توفّر للكبار الأيدي العاملة . وهكذا
تمتلئ الأسواق الرأسمالية بألوان من سلع الترف والكماليات ، بينما تفقد أحياناً الكمّية الكافية من السلع الضرورية التي تستطيع أن تشبع الجميع إشباعاً كاملاً .
هذه هي الرأسمالية في موقفها من الإنتاج ، والطريقة التي تعتمد عليها في تحديد حركته .
الموقف الإسلامي :
1 ـ يحتم الإسلام على الإنتاج الاجتماعي أن يوفّر إشباع الحاجات الضرورية لجميع أفراد المجتمع ، بإنتاج كمّية من السلع القادرة على إشباع تلك الحاجات الحياتية بدرجة من الكفاية التي تسمح لكلّ فرد بتناول حاجته الضرورية منها . وما لم يتوفّر مستوى الكفاية والحدّ الأدنى من السلع الضرورية ، لا يجوز توجيه الطاقات القادرة على توفير ذلك إلى حقل آخر من حقول الإنتاج . فالحاجة نفسها ذات دور إيجابي في حركة الإنتاج ، بقطع النظر عن القدرة الاقتصادية لهذه الحاجة ورصيدها النقدي .
2 ـ كما يحتمّ الإسلام أيضاً على الإنتاج الاجتماعي أن لا يؤدّى إلى الإسراف ؛ لأنّ الإسراف محرّمٌ[1]في الشريعة ، سواء حصل بتصرّف شخصي من الفرد أو بتصرّف عام من المجتمع خلال حركة الإنتاج ، فكما يحرّم على الفرد أن يستعمل العطور الثمينة في غسل ساحة داره ؛ لأنّه إسراف ، كذلك يحرّم على المجتمع أو على منتجي العطور ـ بتعبير آخر ـ أن ينتجوا من العطور كمّية تزيد على حاجة المجتمع وقدرته الاستهلاكية والتجارية ؛ لأنّ إنتاج الفائض لون من
[1]وسائل الشيعة 15 : 329 ـ 330 ، الباب 46 من أبواب جهاد النفس ، الحديث 33 ، 36 .
الإسراف ، وتبديد الأموال بدون مبرّر .
3 ـ يسمح الإسلام للإمام بالتدخل في الإنتاج للمبرّرات الآتية :
أوّلاً : لكي تضمن الدولة الحدّ الأدنى من إنتاج السلع الضرورية ، والحدّ الأعلى الذي لا يجوز التجاوز عنه ؛ لأنّ من الواضح أنّ سير مشاريع الإنتاج الخاصة وفقاً لإرادة أصحابها دون توجيه مركزي من قبل السلطة الشرعية يؤدّي في عصور الإنتاج المعقّد والضخم إلى تسيب الإنتاج الاجتماعي ، وتعرّضه للإسراف والإفراط من جانب ، وللتفريط بالحدّ الأدنى من جانب آخر . فلا بدّ لضمان سير الإنتاج الاجتماعي بين الحدّين من الأشراف والتوجيه .
وثانياً : لأجل أن تُملأ منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف ، فإنّ منطقة الفراغ تضمّ جميع ألوان النشاط المباحة بطبيعتها ، فلولي الأمر أن يتدخّل في هذه الألوان من النشاط ، ويحدّد منها في ضوء الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي . وسوف نتحدّث بتفصيل عن منطقة الفراغ هذه ، وحدودها ودورها في البحث المقبل . والذي نعنيه هنا : أنّ الصلاحيات الممنوحة لولي الأمر في ملء منطقة الفراغ تجعل من حقّه التدخّل في حركة الإنتاج والأشراف عليها ، وتحديدها ضمن منطقة الفراغ المتروكة للدولة .
وثالثاً : أنّ التشريع الإسلامي بشأن توزيع الثروات الطبيعة الخام يفسح المجال بطبيعته للدولة لكي تتدخّل وتهيمن على الحياة الاقتصادية كلّها ؛ لأنّ تشريع الإسلام بهذا الشأن يجعل من المباشرة في العمل شرطاً أساسياً في تملّك الثروة الطبيعية الخام واكتساب الحقّ الخاص فيه ـ على قولٍ فقهيّ سبق في بعض الأبنية العُلْوية ـ وهذا يعني بطبيعته عدم إمكان قيام الفرد ، مهما كانت إمكاناته ، بالمشاريع الكبرى في استثمار الطبيعة وثرواتها العامة ، مادام لا يكتسب حقّه فيها إلاّ بالمباشرة . فيتعيّن على إنتاج الثروات الطبيعية الخام والصناعات
الاستخراجية أن تتمّ بتنظيم من السلطة الشرعية ؛ ليتاح عن طريقها إقامة مشاريع كبرى لاستثمار تلك ، وإذا تمّت للدولة الهيمنة على الصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الأولية الخام ، كان لها بالتالي السيطرة وبصورة غير مباشرة على مختلف فروع الإنتاج في الحياة الاقتصادية ؛ لأنّها تتوقف غالباً على الصناعات الاستخراجية ، وإنتاج المواد الأوّلية ، فيمكن لولي الأمر أن يتدخّل في مختلف تلك الفروع بصورة غير مباشرة عن طريق هيمنته على المرحلة الأولى والأساسية من الإنتاج ، أي : إنتاج المواد الطبيعة .