الزكاة ثمانين درهماً ؟ قال : نعم ، وزده . قلت : أعطيه مئة ؟ قال : نعم ،[1]وأغنه إن قدرت على أن تغنيه )[2].
و ـ عن معاوية بن وهب : ( قال : قلت للصادق(عليه السلام)يُروَى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله): أنّ الصدقة لا تحلّ لغني ، ولا لذي مِرّة سوي . فقال : لا تحلّ لغني )[3].
ز ـ عن أبي بصير : ( قال : قلت للإمام جعفر الصادق(عليه السلام)أنّ شيخاً من أصحابنا يقال له : عمر . سأل عيسى بن أعين وهو محتاج ، فقال له عيسى بن أعين : أمَا أنّ عندي من الزكاة ، ولكن لا أعطيك منها ، لأنّي رأيتك اشتريت لحماً وتمراً . فقال له عمر : إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحماً وبدانقين تمراً ، ثمّ رجعت بدانقين لحاجة .. ( تقول الرواية أنّ الإمام حينما استمع إلى قصّة عمر وعيسى بن أعين ، وضع يده على جبهته ساعة ، ثمّ رفع رأسه ) وقال : إنّ الله تعالى نظر في أموال الأغنياء ، ثمّ نظر في الفقراء ، فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به . ولو لم يكفهم لزادهم . بل يعطيه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوج ويتصدّق ويحجّ )[4].[5]
ح ـ عن حمّاد بن عيسى : ( أنّ الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)قال ـ وهو
[1]يلاحظ هنا أنّ القوة الشرائية للدرهم في عصر تلك النصوص تزيد كثيراً عن القوّة الشرائية للعملة النقديّة التي نطلق عليها اسم الدرهم اليوم . (المؤلّف(قدّس سرّه))
[2]وسائل الشيعة 9 : 259 ، الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 3 .
[3]وسائل الشيعة 9 : 231 ـ 232 ، الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 3 .
[4]المصدر السابق : 289 ـ 290 ، الباب 41 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 2 .
[5]والمرجّح في فهم هذه النصوص أنّها تستهدف السماح بإعطاء الزكاة للفرد في الحدود التي رسمتها بوصفه فقيراً ، لا على أساس تطبيق سهم سبيل الله عليه . وهي لذلك يمكن أن تعطينا المفهوم الإسلامي للفقير . (المؤلّف(قدّس سرّه))
يتحدّث عن نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل من الخمس ـ : إنّ الوالي يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة ، ما يستغنون به في سَنَتِهم ، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي . فإن عجز أو نقص عن استغنائهم ، كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به )[1].
وكتب ابن قدامة يقول : ( قال الميموني : ذاكرت أبا عبد الله ، فقلت : قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير ، وتكون له أربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه ، فيُعطى من الصدقة ؟ قال : نعم ، وذكر قول عمر : أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا . وقال : في رواية محمّد بن الحكم إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه ، يأخذ من الزكاة . وهذا قول الشافعي )[2].
وقد فسّر ابن قدامة ذلك بقوله : ( لأنّ الحاجة هي الفقر ، والغنى ضدّه . فمن كان محتاجاً فهو فقير يدخل في عموم النصّ ، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرِّمة )[3].
فهذه النصوص تأمر بإعطاء الزكاة وما إليها ، إلى أن يلحق الفرد بالناس ، أو إلى أن يصبح غنياً ، أو لإشباع حاجاته الأوّلية والثانوية من طعام وشراب وكسوةٍ وزواجٍ وصدقةٍ وحجٍ ، على اختلاف التعابير التي وردت فيها . وكلّها تستهدف غرضاً واحداً ، وهو : تعميم الغنى بمفهومه الإسلامي ، وإيجاد التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة .
[1]الأصول من الكافي 1 : 540 .
[2]المغني 2 : 525 .
[3]المصدر السابق : 524 .
وعلى هذا الضوء نستطيع أن نحدّد مفهوم الغنى والفقر عند الإسلام بشكل عام . فالفقير هو : من لم يظفر بمستوى من المعيشة يمكّنه من إشباع حاجاته الضرورية وحاجاته الكمالية ، بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة في البلاد . أو هو بتعبير آخر : من يعيش في مستوى تفصله هوّة عميقة عن المستوى المعيشي للأثرياء في المجتمع الإسلامي . والغني من لا تفصله في مستواه المعيشي هذه الهوّة ، ولا يعسر عليه إشباع حاجاته الضرورية والكمالية بالقدر الذي يتناسب مع ثروة البلاد ، ودرجة رقيّها المادّي ، سواء كان يملك ثروة كبيرة أم لا .
وبهذا نعرف أنّ الإسلام لم يعط للفقر مفهوماً مطلقاً ، ومضموناً ثابت في كلّ الظروف والأحوال ، فلم يقل مثلاً : إنّ الفقر هو العجز عن الإشباع البسيط للحاجات الأساسية . وإنّما جعل الفقر بمعنى عدم الالتحاق في المعيشة بمستوى معيشة الناس ، كما جاء في النصّ . وبقدر ما يرتفع مستوى المعيشة يتّسع المدلول الواقعي للفقر ؛ لأنّ التخلّف عن مواكبة هذا الارتفاع في مستوى المعيشة يكون فقراً عندئذٍ . فإذا اعتاد الناس مثلاً على استقلال كلّ عائلة بدار ، نتيجة لاتساع العمران في البلاد ، أصبح عدم حصول عائلة على دار مستقلّة لوناً من الفقر ، بينما لم يكن فقراً ، حينما لم تكن البلاد قد وصلت إلى هذا المستوى من اليُسر والرخاء .
وهذه المرونة في مفهوم الفقر ترتبط بفكرة التوازن الاجتماعي ، إذ أنّ الإسلام لو كان قد أعطى ـ بدلاً عن ذلك ـ مفهوماً ثابتاً للفقر ، وهو العجز عن الإشباع البسيط الحاجات الأساسية ، وجعل من وظيفة الزكاة وما إليها علاج هذا المفهوم الثابت للفقر ، لما أمكن العمل لإيجاد التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة عن طريقها ، ولاتسعت الهوّة بين مستوى عوائل الزكاة وما إليها ، ومستوى المعيشة العام للأغنياء ، الذي يزحف ويرتفع باستمرار ؛ تبعاً للتطوّرات المدنية في البلاد وزيادة الثروة الكلّية . فإعطاء مفاهيم مَرِنة للفقر والغنى ، ووضع
نظام الزكاة وما إليها على أساس هذه المفاهيم المرنة هو الكفيل بإمكان استخدام الزكاة وغيرها لصالح التوازن الاجتماعي العام .
وليس غريباً إعطاء مفهوم مرن لمدلول تعلّق به حكم شرعي ، كالفقر الذي ربطت به الزكاة . ولا يعني هذا تغيّر الحكم الشرعي ، بل هو حكم ثابت لمفهوم خاص ، والتغيّر إنّما هو في واقع هذا المفهوم تبعاً للظروف .
ونظير هذا مفهوم الطب مثلاً ، فإنّ الشرع حكم بوجوب تعلّم الطب كفاية على المسلمين ، وهذا الوجوب حكم ثابت ، تعلّق بمفهوم خاص وهو (الطب) . ولكن ما هو مفهوم الطب ؟ وما يعني تعلّم الطب ؟ إنّ تعلّم الطب هو دراسة المعلومات الخاصة التي تتوفّر في ظرف ما عن الأمراض وطريقة علاجها . وهذه المعلومات الخاصة تنمو على مرّ الزمن تبعاً لتطوّر العلم وتكامل التجربة . فما هي معلومات خاصة بالأمس ، لا تعتبر معلومات خاصة اليوم . ولا يكفي في طبيب اليوم أن يتقن ما كان يعرفه الأطباء الحاذقون في عصر النبوّة ليكون ممتثلاً لحكم الله في تعلّم الطب ، فالمرونة في المفهوم ـ إذن ـ غير التغيّر في الحكم الشرعي . وإذا كان طبيب اليوم غير طبيب عصر النبوّة فمن المعقول أن يكون فقير اليوم في مفهوم الإسلام غير فقير عصر النبوّة أيضاً .
2 ـ إيجاد قطّاعات عامة :
ولم يكتف الإسلام بالضرائب الثابتة التي شرّعها لأجل إيجاد التوازن ، بل جعل الدولة مسئولة عن الإنفاق في القطاع العام لهذا الغرض . فقد جاء في الحديث عن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام): أنّ على الوالي في حالة عدم كفاية الزكاة أن يُموّن الفقراء من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا .
وكلمة : (من عنده) تدل على أنّ غير الزكاة من موارد بيت المال يتّسع
لاستخدامه في سبيل إيجاد التوازن ؛ بإغناء الفقراء ، ورفع مستوى معيشتهم .
وقد شرح القرآن الكريم دور الفيء ـ الذي هو أحد موارد بيت المال ـ في إيجاد التوازن ، فقال :( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُم ْ)[1].
وقد مرّ بنا : أنّ هذه الآية الكريمة تتحدّث عن مصرف الفيء ، فتضع اليتامى والمساكين وابن سبيل إلى صفّ الله والرسول وذي القربى ، وهذا يعني : أنّ الفيء معدٌّ للإنفاق منه على الفقراء كما هو معدٌّ للإنفاق منه على المصالح العامة المرتبطة بالله والرسول . وتدلّ الآية بوضوح على أنّ إعداد الفيء للإنفاق منه على الفقراء يستهدف جعل المال متداولاً وموجوداً لدى جميع أفراد المجتمع ؛ ليحفظ بذلك التوازن الاجتماعي العام ، ولا يكون دُولة بين الأغنياء خاصة .
والفيء في الأصل : ما يغنمه المسلمون من الكفّار بدون قتال . وهو ملك للدولة ، أي : النبيّ والإمام باعتبار المنصب ، ولذلك يعتبر الفيء نوع من الأنفال ، وهي : الأموال التي جعلها الله ملكاً للمنصب الذي يمارسه النبي والإمام كالأراضي الموات أو المعادن ، على قول[2].
ويطلق الفيء في المصطلح التشريعي على الأنفال بصورة عامة ؛ بدليل ما جاء في حديث محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر(عليه السلام)أنّه قال : ( الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء ، وقوم صُولحوا أو أعطوا
[1]سورة الحشر : 7 .
[2]راجع : منتهى المطلب (ط. الحجرية) 2 : 922 س6 ، و936 س32 ،. وتذكرة الفقهاء (ط. الحجرية) 2 : 403 ، كتاب الإحياء .
بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية ، فهو كلّه من الفيء ... )[1]، فإنّ هذا النصّ واضح في إطلاق اسم الفَيء ، على غير ما يغنمه المسلمون من أنواع الأنفال ، وفي ضوء هذا المصطلح التشريعي لا يختصّ الفيء حينئذٍ بالغنيمة المجرّدة عن القتال ، بل يصبح تعبيراً عن جميع القطاع الذي يملكه منصب النبيّ والإمام[2].
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نستنتج : أنّ الآية حدّدت حكم الأنفال بصورة عامة ، تحت اسم : الفيء . وبذلك نعرف أنّ الأنفال تستخدم في الشريعة لغرض حفظ التوازن وضمان تداول المال بين الجميع ، كما تستخدم للمصالح العامّة .
3 ـ طبيعة التشريع الإسلامي :
والتوازن العام في المجتمع الإسلامي مدين بعد ذلك لمجموعة التشريعات الإسلامية في مختلف الحقول ، فإنّها تساهم عند تطبيق الدولة لها في حماية التوازن .
ولا نستطيع أن نستوعب هنا مجموعة التشريعات ذات الصلة بمبدأ التوازن ، ونكشف عن أوجه الارتباط بينها وبينه . وإنّما يكفي أن نشير هنا إلى محاربة الإسلام لاكتناز النقود ، وإلغائه للفائدة ، وتشريعه لأحكام الإرث ، وإعطاء الدولة صلاحيات ضمن منطقة الفراغ المتروكة لها في التشريع الإسلامي ، وإلغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام ، إلى غير ذلك من الأحكام .
[1]وسائل الشيعة 9 : 527 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 12 .
[2]ولا بدّ أن يضاف إلى ذلك القول بإلغاء خصوصية المورد في الآية بالفهم العرفي . (المؤلّف(قدّس سرّه))
فالمنع عن اكتناز النقود وإلغاء الفائدة ، يقضي على دور المصارف الرأسمالية في إيجاد التناقض والإخلال بالتوازن الاجتماعي ، وينتزع منه قدرتها على اقتناص الجزء الكبير من ثروة البلاد ، الأمر الذي تمارسه تلك المصارف في البلاد الرأسمالية عن طريق تشجيع الناس على الادخار ، وإغرائهم بالفائدة .
وينتج عن الموقف الإسلامي طبيعياً : عدم قدرة رأس المال الفردي ـ غالباً ـ على التوسّع في حقول الإنتاج والتجارة ، بالدرجة التي تضرّ التوازن ؛ لأنّ توسّع الأفراد في مشاريع الإنتاج والتجارة ، إنّما يعتمد في مجتمع كالمجتمع الرأسمالي على المصارف الرأسمالية ، التي تمدّ تلك المشاريع بحاجتها إلى المال ، نظير فائدة محدّدة . فإذا منع الاكتناز وحرمت الفائدة ، لم يتيسّر للمصارف أن تكدّس في خزائنها النقد بشكل هائل ، ولا أن تمدّ المشاريع الفردية بالقروض . فتبقى النشاطات الخاصة على الصعيد الاقتصادي في الحدود المعقولة التي تواكب التوازن العام . وتترك ـ طبيعياً ـ المشاريع الكبرى في الإنتاج إلى الملكيّات العامة .
وتشريع أحكام الإرث ، الذي تقسّم التركة بموجبه غالباً على عدد من الأقرباء الورثة ، يعتبر ضماناً آخر للتوازن ؛ لأنّه يفتّت الثروات باستمرار ، ويحول دون تكدّسها عن طريق تقسيمها على الأقرباء ، وفقاً لِما تقرّره أحكام الميراث . ففي نهاية كلّ جيل تكون ثروات الأفراد الأغنياء قد قسّمت غالب على مجموعة أكبر عدداً منهم ، وقد يبلغ المالكون الجدد للثروة المتروكة أضعاف ملاّكها الأوّلين .
والصلاحيات الممنوحة للدولة لِملأ منطقة الفراغ لها أثرٌ كبير في حماية التوازن ، كما سنجد في البحث المقبل .
وكذلك إلغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام ، يعبّر عن
وضع نقطة انطلاق النشاط الاقتصادي ، تؤدّي بطبيعتها إلى التوازن ؛ لأنّ استخدام الثروات الطبيعية هو نقطة الانطلاق الرئيسية في النشاط الاقتصادي .
فإذا وضعت المباشرة شرطاً أساسياً في تملّك الثروات الخام من الطبيعة ، كما يرى بعض الفقهاء ، ومُنع عن تسخير الآخرين في هذا السبيل ... فقد حدّد توزيع تلك الثروات بشكل يحقّق التوازن ، ولم يسمح لنفر قليل بالاستيلاء عليها عن طريق تسخير الآخرين لخدمتهم في هذا المجال ، الأمر الذي يعصف بالتوازن ويضع بذرة التناقض والاختلال منذ البداية .