[1]
بحثٌ في :
استثناءات من ملكية المسلمين لأراضي الفتح
حكم الأرض العامِرة بعد تشريع حكم الأنفال :
في الأوساط الفقهية رأيٌ يميز بين نوعين من الأرض العامرة حال الفتح :
أحدهما : الأرض التي كان إعمار الكفّار لها متقدّماً زمنياً على تشريع ملكية الإمام للأنفال بما فيها الأرض الميتة ، كما إذا كانت الأرض معمورة منذ الجاهلية .
والآخر الأرض التي يرجع عمرانها حال الفتح إلى تأريخ متأخّر عن زمان ذلك التشريع ، كما إذا فتح المسلمون أرضاً عامرة في سنة خمسين للهجرة ، وكان بدء عمرانها بعد نزول سورة الأنفال ، أو بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)مثلاً .
فالنوع الأوّل من الأرض العامرة حال الفتح يملكه المسلمون ملكيّة عامة . وأمّا النوع الثاني فلا يملكه المسلمون ، وإنّما هو ملك الإمام .
قال الفقيه المحقّق صاحب الجواهر في بحوث الخمس من كتابه[1]: ( إطلاق الأصحاب والأخبار ملكيّة عامر الأرض المفتوحة عَنوة للمسلمين ، يراد به ما أحياه الكفّار من المَوات قبل أن يجعل الله الأنفال لنبيّه(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فهو له أيضاً ، وإن كان معموراً وقت الفتح ) . وخالف ذلك في بحوث إحياء الموات من كتابه[2].
[1]جواهر الكلام 16 : 118 .
[2]المصدر السابق 38 : 17 .
والباعث على التمييز فقهياً بين هذين النوعين من الأرض العامرة حال الفتح ، هو التسليم المسبق بنقطتين ، وهما كما يلي :
أ ـ أنّ الكافر لا يملك الأرض بالإحياء بعد تشريع حكم الأنفال ؛ لأنّ الأرض تصبح بموجب هذا التشريع مِلكاً للإمام ، وهو لم يأذن للكافر بالإحياء لكي يملك الأرض التي يحييها .
ب ـ أنّ المسلمين إنّما يغنمون ويملكون شرعاً بالفتح أموال الكفّار ، لا أموال الإمام التي في سيطرتهم .
ويستخلص من ذلك : أنّ الأرض التي أحياها الكافر بعد تشريع حكم الأنفال تظلّ مِلكاً للإمام ، ولا يملكها الكافر بالإحياء ، كما تقرّره النقطة الأولى ، فإذا فتحها المسلمون لم يملكوها ؛ لأنّها ليست من أموال الكافر ، بل من أموال الإمام ، وهم إنّما يملكون ما يغنمونه من الكفار ، كما مرّ في النقطة الثانية .
وهذا الرأي الذي يستهدف التمييز بين هذين النوعين يحتاج إلى شيء من التمحيص ؛ لأنّنا إذا درسنا النصوص التشريعية التي تمنح المسلمين الأموال التي أخذوها بالسيف من الكفّار ، بما فيها الأرض ، نجد أنفسنا بين فرضيّتين :
أحدهما : أن تكون الأموال الممنوحة للمسلمين بالفتح في هذه النصوص : كلّ مالٍ كان مِلكاً أو حقّاً في الدرجة السابقة للكافر .
والأخرى : أن تكون الأموال الممنوحة في تلك النصوص : كلّ ما أخذ من الكافر وانتزع من سيطرته بالفتح ، بقطع النظر عن طبيعة العلاقة الشرعية للكافر بالمال .
فعلى الفرضية الأولى في فهم تلك النصوص يجب ـ لكي يتاح تطبيقه على مال من الأموال المغتنمة ـ أن نثبت بصورة مسبقة : أنّ هذا المال كان مِلكاً أو حقّاً للكافر لكي يحصل المسلمون على ملكيّته بالفتح .
وخلافاً للنقطة الأولى التي نفت حقّ الكافر فيما يحييه من الأرض بعد تشريع حكم الأنفال . نعتقد : أنّ إحياء الكافر للأرض يورثه حقّاً فيه كالمسلم ، وإن ظلّت رقبة الأرض مِلكاً للإمام ، وفقاً للنصّ القائل : من أحيى أرضاً فهو أحقّ بها ، دون تمييز بين المسلم وغيره .
وعلى هذا الضوء يصبح فتح المسلمين للأرض سبباً في انتقال هذا الحقّ من الكافر إلى الأمّة ، فتكون الأرض حقّاً عامّاً للمسلمين ، ورقبتها تظلّ مِلكاً للإمام ، ولا تعارض بين الأمرين .
وأمّا إذا أخذنا بالفرضية الثانية في تفسير نصوص الغنيمة ، فسوف تكون هذه النصوص شاملة للأرض التي يغنمها المسلمون من الكافر ، ولو لم تكن ملكاً أو حقّاً للكافر قبل الفتح ؛ لأنّ أساس تملّك المسلمين على هذا الضوء هو انتزاع المال من سيطرة الكافر خارجاً ، وهذا حاصل .
وسوف يؤدّي بنا هذا إلى مواجهة التعارض بين إطلاق نصوص الغنيمة ، وإطلاق دليل مِلكية الإمام ؛ لأنّ الأرض التي أحياها الكافر بعد تشريع حكم الأنفال ثمّ فتحها المسلمون تعتبر ـ بوصفها مالاً منتزعاً من الكافر بالفتح ـ مندرجة في نصوص الغنيمة ، وبالتالي مِلكاً عاماً للمسلمين ، وتعتبر ـ بوصفها أرضاً مَيتَة حين تشريع حكم الأنفال ـ مندرجة في دليل مِلكية الإمام للأرض المَيتة ، وبالتالي مِلكاً له .
ومن الضروري ـ فقهياً ـ في أمثال هذه الحالة ، الدقيق في تحديد ما هو القدر الذي مُني بالمعارضة من مدلول النصوص ، لنتوقّف عن الأخذ به نتيجة للتعارض ، مع الأخذ بسائر أجزاء المدلول .
ونحن إذا لاحظنا المعارضة هنا ، وجدنا أن نقطة ارتكازها هي اللام في قولهم : ( كلّ أرض مَيتة للإمام ) وقولهم ـ مثلاً ـ : ما أخذ بالسيف للمسلمين
و ( اللام ) بطبيعتها لا تدلّ على الملكية ، بلى على الاختصاص ، وإنّما تدلّ على الملكية بالإطلاق . وهذا يعني أنّ التعارض بين إطلاقي اللامين ؛ لأنّهما تؤدّيان إلى مِلكيّتين مختلفتين ، فيسقط الإطلاقان وتبقى الدلالة على أصل الاختصاص ثابتة ، إذ لا مانع من افتراض اختصاصين بالأرض التي أحياها الكافر بعد تشريع حكم الأنفال ، ثمّ فتحها المسلمون :
أحدهما : اختصاص الإمام على مستوي الملكية ، والآخر اختصاص المسلمين على مستوى الحقّ[1].
[1]وبتعبير آخر : أنّ التعارض في الحقيقة ليس بين إطلاق عنوان (الغنيمة) في نصوص ملكية المسلمين ، وإطلاق عنوان (الأرض المَيتَة) في نصوص ملكية الإمام ، ليتعيّن الالتزام بخروج مادّة التعارض ـ وهي الأرض التي نتكلّم عنها ـ ، أمّا عن هذه النصوص رأساً ، وإمّا عن تلك كذلك . وإنّما التعارض في الحقيقة بين إطلاق (اللام) في هذه النصوص ، وإطلاقها في تلك ، لأنّ هذين الإطلاقين هما اللذان يؤدّيان إلى اجتماع الملكيّتين على مملوك واحد ، وقانون المعارضة يقتضي التساقط بمقدارها لا أكثر ، فيسقط إطلاق اللام المفيد للملكية في كلّ من الطائفتين ، ويبقى أصل اللام الدال على مطلق الاختصاص . وحينئذٍ نثبت اختصاص المسلمين بالأرض التي وقعت مادّة التعارض بنفس (اللام) في نصوص الغنيمة ، لأنّ هذا المقدار لم يكن له معارض . ونثبت اختصاص الإمام بتلك الأرض اختصاصاً مِلكياً ، بالعموم الفوقي الدال على أنّ الأرض كلّها للإمام ؛ لأنّ العام يكون مرجعاً بعد تساقط الخاصيّن .
وقد يتوهّم خلافاً لما قلناه : أنّ المُتعيّن عند المعارضة بين الطائفتين تقديم دليل ملكية الإمام ؛ لأنّ الاستيعاب في بعض نصوصه بأداة العموم ، كما في قوله : ( كلّ أرض مَيتَة للإمام ) . دون أخبار الأرض الخراجية ، فإنّ دلالتها على الاستيعاب بالإطلاق .
والجواب : أنّ إطلاق أخبار الأراضي الخراجية لا يعارض العموم الأفرادي في قوله : ( كلّ أرض مََيتَة ) ، وإنّما يعارض إطلاقه الأزماني لما بعد الفتح ، بمعنى : أنّ =
وبهذا ننتهي إلى نفس النتيجة التي انتهينا إليها على أساس الفرضية الأولى . ويمكننا أن نعمّم هذه النتيجة على جميع الأراضي العامرة المفتوحة عَنوة حتى ما كان منها قد عمّره الكافر وأحياه قبل زمن نزول آية الأنفال ؛ لأنّ آية الأنفال جاءت جواباً على سؤال عن الحكم الشرعي للأنفال فهي جملة خبرية ، والجملة الخبرية بمدلولها يمكن أن تعبّر عن قضية كليّة تشمل الأفراد السابقة والحاضرة والمستقبلة .
وبكلمة أخرى : أنّ دليل ملكية المنصب الإلهي للأنفال لو كان لسانه لسان إنشاء الملكية وجعلها ، فلا يمكن للملكية المجعولة بهذا الدليل أن يكون لها وجود سابق على ذلك الدليل ، وأمّا إذا كان سياقه سياق الجملة الخبرية فبالإمكان أن يكون إخباراً عن ثبوت ملكية المنصب لكلّ أرض مَيتة على نحو تكون كلّ أرض يحييها الكافر مِلكاً للإمام ، ويكسب الكافر حقّ الإحياء فيها فإذا فتحت عَنوة غنم المسلمون حقّ الكافر وتحوّل إلى حقّ عام مع بقاء الرقبة ملكاً للإمام ، وهذا ما يناسب العموم في رواية الكابلي[1]وغيرها[2]، الدال على أنّ الأرض كلّها للإمام .
= الأرض العامرة المفتوحة كانت إلى حين الفتح داخلة في دليل مِلكية الإمام بلا معارض . فطرف المعارضة إذن هو الإطلاق الأزماني في دليل ملكية الإمام لا العموم الأفرادي الذي هو بالوضع ، وحتى الإطلاق الأزماني قد عرفت أنّ مرجع طرفيته للمعارضة بالدقّة إلى كون إطلاق (اللام) طرفاً للمعارضة . ولهذا لو فرض عدم وجود إطلاق في اللام يدلّ على الملكية لما بقيت معارضة ، لا مع العموم الأفرادي ، ولا مع الإطلاق الأزماني . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .
[1]وسائل الشيعة 25 : 414 ، الباب 3 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 2 .
[2]منها ما في المصدر السابق 9 : 548 ، الباب 4 من أبواب الأنفال ، الحديث 12 .
هل يستثنى الخمس من الأرض المفتوحة ؟
بقي علينا أن نعرف أنّ الأرض المفتوحة هل تشملها فريضة الخمس ، أو يحكم بملكيّة المسلمين لها جميعاً ، دون استثناء الخمس ؟
ولعلّ كثيراً من الفقهاء يذهبون إلى ثبوت الخمس ؛ تمسّكاً بإطلاقات أدلّة خمس الغنيمة ، التي تقتضي شمولها لغير المنقول من الغنائم أيضاً[1].
وخلافاً لذلك ، يذهب جملة من الفقهاء إلى نفي الخمس ، بدعوى : أنّ إطلاق أدلّة خمس الغنيمة لا بدّ من الخروج عنها ، بلحاظ إطلاق دليل ملكية المسلمين للأرض المفتوحة ، المقتضي لنفي الخمس فيها[2].
والتحقيق : أنّ مقصود النافين من التمسّك بإطلاق دليل ملكية المسلمين للأرض المفتوحة أمّا أن يكون هو تقديم هذا الدليل على إطلاق أدلّة خمس الغنيمة ، أو مجرّد إيقاع المعارضة بين إطلاقي الدليلين ، والاكتفاء بتساقط الإطلاقين في مقام نفي ثبوت الخمس .
فإن أريد الأوّل ، فهو يتوقّف على كون دليل مِلكية المسلمين للأرض المفتوحة أخصّ من أدلةّ خمس الغنيمة ليقدّم عليها بالتخصيص . وهذه الأخصيّة فيها بحث ؛ لأنّ الملاك في تشخيص الأخص إن كان أخصيّة الموضوع الرئيسي في احد الدليلين من الموضوع الرئيسي في الآخر . فالأخصية في المقام ثابتة ؛ لأنّ الموضوع الرئيسي في دليل ملكية المسلمين هو الأرض المفتوحة والموضوع الرئيسي في أدلّة خمس الغنيمة هو الغنيمة ، ومن المعلوم أنّ الأرض المفتوحة
[1]شرائع الإسلام 1 : 322 . وقواعد الأحكام 1 : 492 .
[2]راجع : الحدائق الناظرة 12 : 325 .
أخصّ من طبيعيِّ الغنيمة ، لأنّها نوع خاص منها .
وإن كان الملاك في الأخصيّة ملاحظة مجموع الجهات والقيود الدخيلة في الحكم ، فالنسبة في المقام بين الدليلين العموم من وجه ؛ لأنّها تلاحظ حينئذٍ بين عنوان خمس الغنيمة وعنوان الأرض المغنومة ، ومادّة الاجتماع بينهما خمس الأرض المغنومة ، ومادّتا الافتراق هما خمس غير الأرض من طرف ، وغير الخمس من بقية الأرض المغتنمة من طرف آخر . والظاهر أنّه ليس هناك ميزان كلّي في تشخيص الأخصيّة ، بل يختلف الحال باختلاف الموارد عرفاً كما فصّلنا في الأصول .
وإن أريد الثاني ـ أي : إيقاع المعارضة بين إطلاقي الدليلين والالتزام بالتساقط مع الاعتراف بعدم الأخصية ـ فيرد عليه : أنّه لو سلم التعارض ، فيمكن أن يقال : بتقديم إطلاق أدلّة خمس الغنيمة ، على إطلاق دليل ملكية المسلمين للأرض المفتوحة بوجهين :
أحدهما : أنّ في أدلّة خمس الغنيمة الآية الكريمة الواردة في الخمس ، وقد حقّقنا في محلّه : أنّ المعارض للكتاب بنحو العموم من وجه يسقط عن الحجية في مادّة الاجتماع ، ويتقدّم عليه العام أو المطلق القرآني ، وفق للنصوص الآمرة بطرح ما خالف الكتاب .
والوجه الآخر : إنّ شمول دليل ملكيّة المسلمين لمادّة الاجتماع بالإطلاق ومقدّمات الحكمة ، وشمول جملة من أدلّة خمس الغنيمة للأرض المفتوحة بالعموم ، كرواية أبي بصير : ( كلّ شيء قوتل عليه ، على شهادة أنْ لا إله إلاّ الله ، ففيه الخمس )[1]، وكذلك الآية الكريمة . أمّا الرواية فإنّها مصدّرة بأداة العموم ، وهي
[1]وسائل الشيعة 9 : 487 ، ما يجب فيه الخمس ، الباب 2 ، الحديث 5 ، مع اختلاف .