بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 823

[2]

بحثٌ في :

شمول حكم الأرض الخراجية لمَوات الفتح

قد يقال ـ كما في الرياض ـ : إنّ النصوص الدالّة على أنّ الأرض المَيتَة من الأنفال وملكٌ للإمام ، معارضة ـ على نحو العموم من وجه ـ بالنصوص المتقدّمة الدالّة على أنّ الأرض المأخوذة بالسيف للمسلمين . وملتقى المعارضة هو الأرض المَيتَة المفتوحة عَنوة ؛ لأنّها بوصفها مَيتَة تشمله نصوص ملكية الإمام ، وبوصفها مفتوحة عَنوة تندرج في نصوص ملكية المسلمين للأرض الخراجية ، القائلة : أنّ ما أخذ بالسيف للمسلمين[1]... فما هو المبرّر فقهياً للأخذ بنصوص ملكية الإمام وتطبيقها على الأرض المفتوحة إذا كانت مَيتَة ، وإهمال نصوص ملكيّة المسلمين وإطلاقها ؟!

وقد يجاب عن هذا الاعتراض : بأنّ نصوص ملكية المسلمين موضوعها ما يغتنم من الكفّار ، والمغتَنم من الكفّار هو أموالهم المملوكة لهم والأراضي المَوات ليست مملوكة لأحدٍ منهم ، وإنّما يملكون الأراضي التي يعمرونها . فالموات إذن خارجة عن موضوع تلك النصوص .

وهذا الجواب إنّما يصح على أساس الفرضية الأولى من الفرضيتين ، اللتين سبقتا في الملحق الأوّل بشأن موضوع نصوص الغنيمة ، وأمّا إذا أخذنا بالفرضية الثانية ، وقلنا : إنّ الغنيمة ما أخذ بالسيف من الكفّار خارجاً ، فلا يتوقّف عندئذٍ

[1]رياض المسائل 7 : 549 ـ 550 .


صفحه 824

صدق الموضوع في نصوص الغنيمة ، على أن يكون المال المغتنم ملكاً للكافر . وإنّما يكفي في صدقه كون المال تحت استيلاء الكفار ، لكي يصدق أخذه منهم .

فكلّ مال انتزع من سيطرة الكفّار بالحرب فهو غنيمة ، سواء كان مِلكاً لأحدهم أم لا ، ومن الواضح : أنّ الموات من بلدٍ كافر تعتبر تحت سيطرة الكفار في ذلك البلد ، فباحتلالها من قبل المسلمين يصدق عليها أنّه أخذت بالسيف ولو لم تكن ملكاً لواحد معيّن من الأعداد . فالمعارضة بنحو العموم من وجه ثابتة .

ولكن تُقدَّم مع ذلك نصوص ملكية الإمام ، لأحد الأسباب الفنيّة الآتية :

أولاً : أنّ نصوص ملكية الإمام يمكن تصنيفها إلى مجموعتين :

إحداهما : جاءت بهذا النصّ : الأرض المَيتَة أو الخربة للإمام[1].

والأخرى جاءت بنصّ آخر وهو : أنّ الأرض التي لا ربّ لها للإمام[2].

ومن الواضح أنّ المجموعة الثانية من نصوص ملكية الإمام ، لا يمكن أن تعارض نصوص الأرض الخراجية الدالّة على ملكية المسلمين في مستوى المجموعة الأولى ، لكي تسقط المجموعتان ـ في محلّ التعارض ـ في درجة واحدة . وذلك لأنّ نصوص الأرض الخراجية الدالّة على ملكية المسلمين للأرض المفتوحة حاكمة بحد نفسها على المجموعة الثانية ، إذ تُخرج الأرض عن كونها ممّا لا ربّ لها ، وتجعل المسلمين ربّاً لها . فالمجموعة الثانية ـ إذن ـ يستحيل أن تقع طرفاً للمعارضة مع أخبار ملكية المسلمين ؛ لأنّ المحكوم لا يعارض الدليل الحاكم . ونتيجة ذلك : أنّ التعارض في الدرجة الأولى يتركّز بين نصوص ملكية المسلمين ، والمجموعة الأولى من نصوص ملكيّة الإمام . وبعد التساقط نصل إلى المجموعة الثانية من نصوص ملكية الإمام بدون معارض ، ولو بضم الاستصحاب

[1]و[2]وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال .


صفحه 825

الموضوعي ، الذي ينقح موضوعه وهو عدم وجود رب للأرض .

وثانياً : أنّ في نصوص ملكية الإمام ما يدلّ على الاستيعاب بالعموم ، نحو قوله : ( كلّ أرض مَيتَة فهي للإمام )[1]وأمّا نصوص الأرض الخراجية فهي بالإطلاق . والعام يقدّم على المطلق حين تعارضهما بنحو العموم من وجه .

وثالثاً : أنّا لو سلّمنا تساقط الطرفين بالمعارضة ، تعيّن الرجوع إلى العام الفوقي الدالّ على : أنّ الأرض كلّها ملك للإمام[2]، فإنّ هذا العام يصلح للمرجعية بعد تساقط النصوص المتعارضة .

ورابعاً : أنّه لو تساقطت الطائفتان ، وقطعنا النظر عن المرجع الفوقي ، أمكن الرجوع إلى الاستصحاب ؛ لأنّ الأرض المَيتَة قبل فتحها إسلامياً ملكٌ للإمام ، وفقاً لنصوص مالكية الإمام للأراضي المَوات ، وإنّما يحتمل مالكية المسلمين لها بالفتح . ففي فرض تساقط إطلاق النصوص بالمعارضة ، تستصحب مالكية الإمام . وهذا الوجه إنّما يتمّ في الأرض التي فتحت بعد تشريع مالكية الإمام للمَوات ، ليكون هناك يقين سابق بمالكيته حتى يستصحب . كما أنّ بعض الوجوه السابقة لا تتمّ أيضاً إلاّ في بعض الفروض التي يختلف الحال فيها باختلاف التوقيت التأريخي لتشريع مالكية الإمام للأنفال وتشريع مالكية المسلمين للأرض المفتوحة وتحقّق الفتح خارجاً ، ممّا لا يسع المقام لتفصيله .

[1]وسائل الشيعة 9 : 534 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 32 ، مع اختلاف .

[2]المصدر السابق 35 : 414 ، الباب 3 من أبواب كتاب إحياء المَوات ، الحديث 2 .


صفحه 826

( 3 )

أثر التحجير شرعاً

يرى كثير من الفقهاء : أنّ التحجير يعتبر سبباً لوجود حقٍّ خاصّ للفرد المحتجز في الأرض التي احتجزها وحجّرها[1]، ويستندون في ذلك إلى روايات غير صحيحة من ناحية السند ، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها . فإذا لم يكن هناك دليل لبّي تعبّدي في الموضوع يمكن القول : بأنّ التحجير لا يعتبر سبباً للحقّ الخاص بوصفه عملية مستقلة منفصلة ، وإنّما يعتبر كذلك بوصفه شروعاً في الإحياء ، وبداية لعملية عمران الأرض وإحيائها .

[1]راجع المهذّب 2 : 32 . وشرائع الإسلام 3 : 274 . وقواعد الأحكام 2 : 268 . وجواهر الكلام 38 : 74 .


صفحه 827

( 4 )

بحثٌ في :

أنّ أثر إحياء الأرض هو الملكيّة أو الحقّ

وخلافاً لهذه الطائفة من النصوص الدالة ـ بصراحة ـ على بقاء الأرض المحياة ملكاً للإمام وحقّه في الخراج توجد طائفتان تدلاّن على تملّك المُحيي للأرض التي أحياها ، وعدم كونه مسئولاً عنها بشيء : إحداهما تعطي هنا المعنى على مستوى الظهور ، والأخرى تدلّ عليه بصراحة .

أمّا الطائفة الأولى : فهي نظير ما جاء في رواية محمد بن مسلم عن أهل البيت(عليهم السلام): ( أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض فهم أحقّ بها وهي لهم )[1]. لأنّ اللام في كلمة : ( لهم ) ، تدلّ على الاختصاص ، وظاهر إطلاقها الاختصاص بنحو الملكيّة .

وأمّا الطائفة الثانية : فهي نظير خبر عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)قال : ( سُئل وأنا حاضر عن رجلٍ أحيى أرضاً مواتاً فكرى فيها نهراً ، وبنى فيها بيوتاً ، وغرس نخلاً وشجراً . فقال : هي له ، وله أجر بيوتها ، وعليه فيها العشر (أي : الزكاة) )[2]. فإنّ اقتصاره على ذكر الزكاة في مقام تحديد ما عليه ، كالصريح في نفي الخراج وانقطاع صلة الإمام برقبة الأرض . ولا بدّ للمعارضة بين هاتين الطائفتين وبين الطائفة المشار إليها في المتن الدالّة على بقاء الأرض

[1]وسائل الشيعة 25 : 412 ، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات ، الحديث الرابع .

[2]المصدر السابق : 412 ـ 413 ، الحديث 8 .


صفحه 828

على ملكية الإمام بعد الإحياء من علاج .

قد يقال : إنّ هذه الطائفة ممّا لا محصّل لها بعد استقرار السيرة القطعية على عدم إعطاء المُحيي للخراج منذ زمان الأئمّة إلى زماننا هذا ، كما لا معنى لحملها على زمان ظهور الحجّة ، فلا بدّ من رفع اليد عنها .

ونجيب على ذلك : بمنع جدوى السيرة المشار إليها ؛ لأنّه إن أريد سيرة المتعبّدين بنصوص أهل البيت ، فلعل عدم إعطائهم للأجرة بلحاظ أخبار التحليل لا باعتبار انقطاع صلة الأرض بالإمام رأساً بعد الإحياء . وإن أريد سيرة غيرهم من المسلمين ، فإنّ ذلك لأجل مشيهم على أساس فقهي آخر .

وقد يقال : إنّ هذه الطائفة ـ الدالّة على بقاء ملكية الإمام ـ قد اعرض عنها الأصحاب فتسقط عن الحجيّة .

والجواب أوّلاً : أنّ إعراض الجميع غير ثابت ، وتسالم الجميع على عدم وجوب الطَّسق بالفعل لأجل أخبار التحليل ، لا يدلّ على إعراض الجميع عن مفادها .

وثانياً : أنّه لو سلّم إعراضهم عن مفادها فلعلّه لإعمال قواعد باب التعارض وترجيح المعارض ، لا لخللٍ خاصٍ فيها .

وعلى هذا فلا بدّ من حلّ للتعارض ، ويتصوّر لذلك وجوه :

الأوّل : حمل الطائفة الآمرة بالخراج على الاستحباب ، جمعاً بينها وبين ما هو كالصريح في عدم وجوبه .

ويرد عليه : أنّ هذا خلط بين الأحكام التكليفية والوضعية ؛ لأنّ هذا الجمع إنّما يصح في الأحكام التكليفيّة ، حيث يحمل الأمر فيها إذا وردت الرخصة على الاستحباب ، دون الأحكام الوضعية ؛ لأنّ نكتة صحّة الجمع هناك غير موجودة هنا . فإنّ الوجه في حمل دليل الأمر التكليفي على الاستحباب بعد مجيء


صفحه 829

الرخصة : أمّا بناء على مبنى المحقّق النائيني[1]في دلالة الأمر على الوجوب ، فلأنّ الوجوب والاستحباب على هذا المبنى ليس مدلولين للفظ ، إنّما ينتزع الوجوب من حكم العقل بلزوم إيجاد مطلوب المولى ، ما لم ترد الرخصة منه ، فإذا جاءت الرخصة ارتفع موضوع الوجوب حقيقة ، وثبت بضمّها إلى جامع الطلب المدلول للفظ الاستحباب.

وأمّا بناءً على كون الوجوب ثابتاً بإطلاق مدلول الأمر[2]، فيرجع الحمل على الاستحباب إلى تقييد الإطلاق الذي هو منشأ الوجوب ، والتقييد على مقتضى القاعدة .

وأمّا بناء على كون الوجوب مدلولاً وضعياً بنحو من الإنحاء[3]، فالحمل على الاستحباب يتوقّف على دعوى وجود ظهور ثانوي للصيغة في الاستحباب ، تصل النوبة إليه بعد رفع اليد عن ظهورها الأوّلي في الوجوب ، ليكون الاستحباب ثابتاً بالظهور لا بالتأويل .

وكلّ هذه الوجوه لا تتمّ في الأمر الظاهر في بيان حكم وضعي كما في المقام ؛ حيث أنّ قوله : ( فليؤد طسقها ) أو ( فعليه طسقها ) بيان عرفاً للاستحقاق الوضعي للإمام ، وليس مجرّد طلب تكليفي صرف ، فلا يتّجه الحمل على الاستحباب .

الثاني : أنّ الطائفة الدالّة بالصراحة على بقاء مالكية الإمام ، تسقط بالمعارضة مع الطائفة الصريحة في ارتفاعها ، وتنتهي النوبة إلى الطائفة الأخرى الظاهرة في ارتفاعها ، وتملك المحيي للرقبة بالإطلاق .

والوجه في ذلك : أنّ هذه الطائفة الظاهرة لا يعقل أن تكون طرف للمعارضة

[1]راجع : فوائد الأصول 1 : 136 .

[2]راجع : كفاية الأصول : 83 .

[3]يراجع بحوث في علم الأصول 2 : 53 ـ 54 .


صفحه 830

مع الطائفة الصريحة في بقاء مالكية الإمام ؛ لأنّ الظهور الإطلاقي لا يعارض الصراحة ، بل يكون الصريح مقيّداً له .

وعليه فالمعارضة في المرتبة السابقة تقع بين الصريحين ، وتصل النوبة إلى الظهور الإطلاقي بلا معارض .

وتقوم الفكرة في هذا البيان على قاعدة عامة في باب التعارض ، وهي : أنّه متى تعارضت طائفتان من الأخبار ، وكانت إحداهما صريحة كلّها في النفي مثلاً ، وكان في الطائفة الأخرى ما هو صريح في الإثبات وما هو ظاهر فيه ، فلا يلتزم بسقوط الجميع في درجة واحدة ؛ لأنّ ما هو ظاهر في الإثبات لا يمكن أن تعارض ما هو صريح في النفي ، إذا كانت الصراحة بدرجة تصلح للقرينية عرفاً . فالصريح في النفي يعارض الصريح في الإثبات فقط ، وبعد التساقط يرجع إلى الظاهر في النفي ، بدون معارض في درجته .

وهذه القاعدة العامّة وإن لم تكن مقرّرة عملياً عند الفقهاء ، ولكنّها في الحقيقة تمديد لقاعدة مقرّرة عندهم نظرياً وعملياً ، وهي الرجوع إلى العام الفوقي بعد تساقط الخاصّين ، فإنّ نفس الفكرة التي تبرهن على أنّ العامّ لا يقع طرفاً للمعارضة في مستوى الخاصّين ، تدل على ذلك بالنسبة إلى أمثال المقام .

وهذا الوجه يتوقّف على تعيين تساقط الصريحين ، وعدم ترجيح أحدهم ، وسيأتي بيان المرجّح .

الثالث : مبني على انقلاب النسبة[1]، بدعوى : أنّ النصّين متعارضان بنحو التباين ، وأخبار التحليل تقيّد النصّ الدالّ على عدم تملّك المحيي وثبوت الخراج

[1]راجع : لتوضيح نظرية انقلاب النسبة : دروس في علم الأصول 2 : 542 . وبحوث في علم الأصول 7 : 288 .