( 4 )
بحثٌ في :
أنّ أثر إحياء الأرض هو الملكيّة أو الحقّ
وخلافاً لهذه الطائفة من النصوص الدالة ـ بصراحة ـ على بقاء الأرض المحياة ملكاً للإمام وحقّه في الخراج توجد طائفتان تدلاّن على تملّك المُحيي للأرض التي أحياها ، وعدم كونه مسئولاً عنها بشيء : إحداهما تعطي هنا المعنى على مستوى الظهور ، والأخرى تدلّ عليه بصراحة .
أمّا الطائفة الأولى : فهي نظير ما جاء في رواية محمد بن مسلم عن أهل البيت(عليهم السلام): ( أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض فهم أحقّ بها وهي لهم )[1]. لأنّ اللام في كلمة : ( لهم ) ، تدلّ على الاختصاص ، وظاهر إطلاقها الاختصاص بنحو الملكيّة .
وأمّا الطائفة الثانية : فهي نظير خبر عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)قال : ( سُئل وأنا حاضر عن رجلٍ أحيى أرضاً مواتاً فكرى فيها نهراً ، وبنى فيها بيوتاً ، وغرس نخلاً وشجراً . فقال : هي له ، وله أجر بيوتها ، وعليه فيها العشر (أي : الزكاة) )[2]. فإنّ اقتصاره على ذكر الزكاة في مقام تحديد ما عليه ، كالصريح في نفي الخراج وانقطاع صلة الإمام برقبة الأرض . ولا بدّ للمعارضة بين هاتين الطائفتين وبين الطائفة المشار إليها في المتن الدالّة على بقاء الأرض
[1]وسائل الشيعة 25 : 412 ، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات ، الحديث الرابع .
[2]المصدر السابق : 412 ـ 413 ، الحديث 8 .
على ملكية الإمام بعد الإحياء من علاج .
قد يقال : إنّ هذه الطائفة ممّا لا محصّل لها بعد استقرار السيرة القطعية على عدم إعطاء المُحيي للخراج منذ زمان الأئمّة إلى زماننا هذا ، كما لا معنى لحملها على زمان ظهور الحجّة ، فلا بدّ من رفع اليد عنها .
ونجيب على ذلك : بمنع جدوى السيرة المشار إليها ؛ لأنّه إن أريد سيرة المتعبّدين بنصوص أهل البيت ، فلعل عدم إعطائهم للأجرة بلحاظ أخبار التحليل لا باعتبار انقطاع صلة الأرض بالإمام رأساً بعد الإحياء . وإن أريد سيرة غيرهم من المسلمين ، فإنّ ذلك لأجل مشيهم على أساس فقهي آخر .
وقد يقال : إنّ هذه الطائفة ـ الدالّة على بقاء ملكية الإمام ـ قد اعرض عنها الأصحاب فتسقط عن الحجيّة .
والجواب أوّلاً : أنّ إعراض الجميع غير ثابت ، وتسالم الجميع على عدم وجوب الطَّسق بالفعل لأجل أخبار التحليل ، لا يدلّ على إعراض الجميع عن مفادها .
وثانياً : أنّه لو سلّم إعراضهم عن مفادها فلعلّه لإعمال قواعد باب التعارض وترجيح المعارض ، لا لخللٍ خاصٍ فيها .
وعلى هذا فلا بدّ من حلّ للتعارض ، ويتصوّر لذلك وجوه :
الأوّل : حمل الطائفة الآمرة بالخراج على الاستحباب ، جمعاً بينها وبين ما هو كالصريح في عدم وجوبه .
ويرد عليه : أنّ هذا خلط بين الأحكام التكليفية والوضعية ؛ لأنّ هذا الجمع إنّما يصح في الأحكام التكليفيّة ، حيث يحمل الأمر فيها إذا وردت الرخصة على الاستحباب ، دون الأحكام الوضعية ؛ لأنّ نكتة صحّة الجمع هناك غير موجودة هنا . فإنّ الوجه في حمل دليل الأمر التكليفي على الاستحباب بعد مجيء
الرخصة : أمّا بناء على مبنى المحقّق النائيني[1]في دلالة الأمر على الوجوب ، فلأنّ الوجوب والاستحباب على هذا المبنى ليس مدلولين للفظ ، إنّما ينتزع الوجوب من حكم العقل بلزوم إيجاد مطلوب المولى ، ما لم ترد الرخصة منه ، فإذا جاءت الرخصة ارتفع موضوع الوجوب حقيقة ، وثبت بضمّها إلى جامع الطلب المدلول للفظ الاستحباب.
وأمّا بناءً على كون الوجوب ثابتاً بإطلاق مدلول الأمر[2]، فيرجع الحمل على الاستحباب إلى تقييد الإطلاق الذي هو منشأ الوجوب ، والتقييد على مقتضى القاعدة .
وأمّا بناء على كون الوجوب مدلولاً وضعياً بنحو من الإنحاء[3]، فالحمل على الاستحباب يتوقّف على دعوى وجود ظهور ثانوي للصيغة في الاستحباب ، تصل النوبة إليه بعد رفع اليد عن ظهورها الأوّلي في الوجوب ، ليكون الاستحباب ثابتاً بالظهور لا بالتأويل .
وكلّ هذه الوجوه لا تتمّ في الأمر الظاهر في بيان حكم وضعي كما في المقام ؛ حيث أنّ قوله : ( فليؤد طسقها ) أو ( فعليه طسقها ) بيان عرفاً للاستحقاق الوضعي للإمام ، وليس مجرّد طلب تكليفي صرف ، فلا يتّجه الحمل على الاستحباب .
الثاني : أنّ الطائفة الدالّة بالصراحة على بقاء مالكية الإمام ، تسقط بالمعارضة مع الطائفة الصريحة في ارتفاعها ، وتنتهي النوبة إلى الطائفة الأخرى الظاهرة في ارتفاعها ، وتملك المحيي للرقبة بالإطلاق .
والوجه في ذلك : أنّ هذه الطائفة الظاهرة لا يعقل أن تكون طرف للمعارضة
[1]راجع : فوائد الأصول 1 : 136 .
[2]راجع : كفاية الأصول : 83 .
[3]يراجع بحوث في علم الأصول 2 : 53 ـ 54 .
مع الطائفة الصريحة في بقاء مالكية الإمام ؛ لأنّ الظهور الإطلاقي لا يعارض الصراحة ، بل يكون الصريح مقيّداً له .
وعليه فالمعارضة في المرتبة السابقة تقع بين الصريحين ، وتصل النوبة إلى الظهور الإطلاقي بلا معارض .
وتقوم الفكرة في هذا البيان على قاعدة عامة في باب التعارض ، وهي : أنّه متى تعارضت طائفتان من الأخبار ، وكانت إحداهما صريحة كلّها في النفي مثلاً ، وكان في الطائفة الأخرى ما هو صريح في الإثبات وما هو ظاهر فيه ، فلا يلتزم بسقوط الجميع في درجة واحدة ؛ لأنّ ما هو ظاهر في الإثبات لا يمكن أن تعارض ما هو صريح في النفي ، إذا كانت الصراحة بدرجة تصلح للقرينية عرفاً . فالصريح في النفي يعارض الصريح في الإثبات فقط ، وبعد التساقط يرجع إلى الظاهر في النفي ، بدون معارض في درجته .
وهذه القاعدة العامّة وإن لم تكن مقرّرة عملياً عند الفقهاء ، ولكنّها في الحقيقة تمديد لقاعدة مقرّرة عندهم نظرياً وعملياً ، وهي الرجوع إلى العام الفوقي بعد تساقط الخاصّين ، فإنّ نفس الفكرة التي تبرهن على أنّ العامّ لا يقع طرفاً للمعارضة في مستوى الخاصّين ، تدل على ذلك بالنسبة إلى أمثال المقام .
وهذا الوجه يتوقّف على تعيين تساقط الصريحين ، وعدم ترجيح أحدهم ، وسيأتي بيان المرجّح .
الثالث : مبني على انقلاب النسبة[1]، بدعوى : أنّ النصّين متعارضان بنحو التباين ، وأخبار التحليل تقيّد النصّ الدالّ على عدم تملّك المحيي وثبوت الخراج
[1]راجع : لتوضيح نظرية انقلاب النسبة : دروس في علم الأصول 2 : 542 . وبحوث في علم الأصول 7 : 288 .
عليه ، وتخرج من تحته الأفراد الذين شملهم التحليل ، فيصبح النصّ بسبب ذلك أخصّ مطلقاً من النصّ النافي للخراج مطلقاً ، وترتفع المعارضة بالتخصيص .
ويرد عليه ـ مضافاً إلى الإشكال في كبرى انقلاب النسبة ـ : أنّ انقلاب النسبة بين العامّين المتباينين إنّما يتمّ إذا ورد خاص موافق لأحدهم مخالف للآخر ، ليحمل العام الموافق على مورد الخاص . وفي المقام أخبار التحليل وإن كانت مخالفة أو مخصّصة لما دلّ على ثبوت الخراج ، إلاّ أنّها ليست موافقة للعام النافي للخراج ، والدالّ على تملّك المحيي لرقبة الأرض ، لأنّ ظاهر العام النافي هو بيان الحكم الإلهي الكلّي لا التحليل المالكي كما هو مفاد أخبار التحليل .
ويؤيّد ذلك ورود بعض روايات الطائفة النافية في مورد اليهودي والنصراني[1]، الذي لا يشمله التحليل المالكي المجعول في أخبار التحليل قطعاً ، الأمر الذي يدلّ على أنّ الطائفة النافية بصدد بيان حكم إلهي لا إذن شخصي مالكي فلا يمكن حملها على مورد أخبار التحليل بانقلاب النسبة .
الرابع : أنّ النصّين متعارضان ويرجّح النصّ الدالّ على تملّك المُحيي لرقبة الأرض : أمّا للشهرة ، وإمّا لموافقته لعمومات السنّة القطعية ، حيث إنّ جملة : ( من أحيى أرضاً فهي له ) ، متواترة إجمالاً عنهم(عليهم السلام)، وهي دالّة بإطلاق اللام على الملكيّة ، فتكون مرجّحاً للنصّ الدالّ على تملّك المُحيي للأرض .
والجواب ما ذكرناه في الأصول : من أنّ شهرة الخبر بالدرجة التي لا تؤدي إلى القطع بصدوره ليست مرجّحة ، وكذلك موافقة السنة القطعية[2]، مضافاً إلى أنّ السنّة لم تصل إلى حدّ التواتر في المقام .
[1]راجع : وسائل الشيعة 15 : 156 ، الباب 71 من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث 2 .
[2]راجع : بحوث في علم الأصول 4 : 322 ، و 7 : 332 ـ 333 .
الخامس : أنّ النصّ الدال على عدم تملّك المحيي للرقبة ، وبقائها على ملكية الإمام ، هو المرجع في مقام التعارض ، وذلك لأنّ الآخر المعارض له ، مخالف لعموم الكتاب ومظنّة للتهمة . أمّا العموم الكتابي فهو قوله تعالى :( لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ )[1]. فإنّ هذه الآية حكمت بأنّ كلّ سبب للتملّك والأكل باطل ، إلاّ التجارة عن تراض . ومن الواضح أن تملّك مال الإمام بالإحياء ليس تجارة عن تراض ، فهو باطل بإطلاق الآية الكريمة . فيكون ما دلّ على عدم تملّك المحيي لرقبة الأرض موافقاً لإطلاق الكتاب ، فيقدم . كما أنّ أصالة الجهة فيه قطعية ، دون ما دلّ على تملّك المحيي ، فتدبّر جيداً .
السادس : أنّ رواية عبد الله بن سنان صريحة في نفي الخراج وظاهرة في أنّ هذا النفي حكم شرعي وليس نفياً ناشئاً من الإسقاط والتحليل من صاحب الحقّ ، لأنّ ظهور رجوع السائل إلى الإمام وهو غير مبسوط اليد رجوعه إليه بما هو مُفتٍ لا بما هو ولي الأمر . والطائفة الأخرى صريحة في عدم النفي الشرعي ، وظاهرة في عدم الإسقاط من قبل صاحب الحقّ ، والتعارض إنّما هو بين ظهور رواية ابن سنان وأمثالها في النفي الشرعي للخراج وصراحة الطائفة الأخرى في ثبوته الشرعي ، ومقتضى الجمع العرفي حينئذٍ ـ بقرينة أظهرية هذه الطائفة في الثبوت الشرعي للخراج ـ حمل النفي في أمثال رواية ابن سنان على نفي فعلية الخراج المناسب مع الإسقاط أيضاً .
[1]سورة النساء : 29 .
( 5 )
بحثٌ في :
جواز بيع الأرض المحياة على رأي الشيخ الطوسي
قد يقال : إنّ هذا الرأي الفقهي الذي ينكر تملّك الفرد لرقبة الأرض التي أحياها يعجز عن تفسير بيعه لها فقهياً ؛ لأنّ الفرد على أساس هذا الرأي لا يملك رقبة الأرض فلا يجوز له بيعها ، وإنّما له حقّ فيها . مع أنّ جواز بيع كلّ فرد لما أحياه من الأرض ثابت بديهياً في الشريعة .
والجواب : أنّ البيع يتكفّل منح المشتري نفس العلاقة التي كانت تربط المال بالبائع ، في مقابل حصول البائع على نفس العلاقة التي كانت تربط الثمن بالمشتري ، سواء كانت العلاقة على مستوى ملكيّة ، أو على مستوى حقّ . فالفرد الذي أحيى أرضاً يجوز له بيعها ؛ لأنّه يتمتّع بعلاقة خاصة بالأرض وهي ما نصطلح عليه باسم الحقّ ، فيكون بإمكانه بيع الأرض بمعنى منح هذه العلاقة للمشتري ، في مقابل حصوله على علاقة المشتري بالثمن . وبذلك يصبح المشتري صاحب الحقّ في الأرض بدل عن البائع الذي كان له الحقّ بسبب الإحياء ، ويصبح البائع مالكاً للثمن الذي كان يملكه المشتري قبل البيع .
وقد يفسّر بيع الفرد للأرض التي أحياها على وجه آخر ، وهو : أنّ المحيي يبيع حقّه في الأرض لا نفس الأرض . ولكنّ هذا التفسير يمكن أن يعترض عليه بأنّ بيع شيء يعني منح البائع العلاقة الاعتبارية التي تربطه بذلك الشيء للمشتري ، فلا بدّ إذن من افتراض علاقة اعتبارية تربط المبيع بالبائع ، ليمنحها البائع إلى المشتري . والحقّ حكم شرعي ، وليس لصاحب الأرض علاقة اعتبارية
مع الحكم كعلاقة مع سائر أمواله ، فهو لا يملك الحكم الشرعي مثلاً .
وبتعبير آخر : أنّ الحكم الشرعي لا يمكن أن يكون مبيعاً ؛ لعدم وجود إضافة وعلاقة اعتبارية له بالبائع ، والحقّ ليس إلاّ حكم شرعياً فلا يجوز بيعه .
أضف إلى ذلك : أنّ نتيجة بيع الحقّ ـ لو أمكن ـ هو أن يتملّكه المشتري ، لا أن يكون المشتري صاحب الحقّ ، كما هو المقصود ، بمعنى أنّ حقّ البائع في الأرض لو افترضناه شيئاً مملوكاً للبائع كسائر أمواله فبيعه يؤدّي إلى تملّك المشتري حقّ البائع ، لا إلى اكتسابه هذا الحقّ ، وكم فرق بين أن يملك المشتري حقّ البائع وبين أن يثبت له ذلك الحقّ ؟
والذي يبدو أنّ هذا الاعتراض ليس متّجهاً ، وإن تفسير بيع الفرد للأرض على أساس أنّ المحيي يبيع حقّه في الأرض أمر مقبول ، وذلك لأنّ دعوى عدم تعقّل بيع الحقّ إن كانت تقوم على أساس أنّ الحقّ ليس مضاف إلى صاحبه بعلاقة اعتبارية ولا بدّ في البيع من علاقة اعتبارية تربطه بالبائع ، فالجواب عنها : أنّ الحقّ مضاف إلى صاحبه إضافة حقيقية ؛ لأنّ الحقّ حقّه واقعاً والإضافة الحقيقية مصحّحة للنقل والتمليك كما في تمليك الأجير الحرّ لعمله ، مع أنّ عمله ليس مملوكاً له بالملكية الاعتبارية ، بل بنحو من الإضافة الواقعية .
وإن كانت الدعوى المذكورة تقوم على أساس أنّ المبيع لا بدّ أن يكون محفوظاً بعد البيع ، وهذا إنّما يصدق على الأرض وأمّا حقّ المحيي في الإحياء فيسقط وينشأ بدلاً عنه حقّ المشتري في الأرض المحياة ، وذلك لأنّ الحقّ يتشخّص بطرفه ومع تبدّل الطرف يستحيل بقاء الحقّ بشخصه .
فالجواب عنها : أنّ الحقّ من الناحية التكوينية وإن كان كذلك لأنّه اعتبار والاعتبار يتشخّص بطرفه لكن بالنظر العرفي الذي يراه مالاً نجد له جانباً موضوعي قابلاً للانتقال على حدّ انتقال سائر الأموال ، ولهذا يقال عرفاً : انتقل حقّ الشفعة مثلاً من فلان