بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 832

الخامس : أنّ النصّ الدال على عدم تملّك المحيي للرقبة ، وبقائها على ملكية الإمام ، هو المرجع في مقام التعارض ، وذلك لأنّ الآخر المعارض له ، مخالف لعموم الكتاب ومظنّة للتهمة . أمّا العموم الكتابي فهو قوله تعالى :( لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ )[1]. فإنّ هذه الآية حكمت بأنّ كلّ سبب للتملّك والأكل باطل ، إلاّ التجارة عن تراض . ومن الواضح أن تملّك مال الإمام بالإحياء ليس تجارة عن تراض ، فهو باطل بإطلاق الآية الكريمة . فيكون ما دلّ على عدم تملّك المحيي لرقبة الأرض موافقاً لإطلاق الكتاب ، فيقدم . كما أنّ أصالة الجهة فيه قطعية ، دون ما دلّ على تملّك المحيي ، فتدبّر جيداً .

السادس : أنّ رواية عبد الله بن سنان صريحة في نفي الخراج وظاهرة في أنّ هذا النفي حكم شرعي وليس نفياً ناشئاً من الإسقاط والتحليل من صاحب الحقّ ، لأنّ ظهور رجوع السائل إلى الإمام وهو غير مبسوط اليد رجوعه إليه بما هو مُفتٍ لا بما هو ولي الأمر . والطائفة الأخرى صريحة في عدم النفي الشرعي ، وظاهرة في عدم الإسقاط من قبل صاحب الحقّ ، والتعارض إنّما هو بين ظهور رواية ابن سنان وأمثالها في النفي الشرعي للخراج وصراحة الطائفة الأخرى في ثبوته الشرعي ، ومقتضى الجمع العرفي حينئذٍ ـ بقرينة أظهرية هذه الطائفة في الثبوت الشرعي للخراج ـ حمل النفي في أمثال رواية ابن سنان على نفي فعلية الخراج المناسب مع الإسقاط أيضاً .

[1]سورة النساء : 29 .


صفحه 833

( 5 )

بحثٌ في :

جواز بيع الأرض المحياة على رأي الشيخ الطوسي

قد يقال : إنّ هذا الرأي الفقهي الذي ينكر تملّك الفرد لرقبة الأرض التي أحياها يعجز عن تفسير بيعه لها فقهياً ؛ لأنّ الفرد على أساس هذا الرأي لا يملك رقبة الأرض فلا يجوز له بيعها ، وإنّما له حقّ فيها . مع أنّ جواز بيع كلّ فرد لما أحياه من الأرض ثابت بديهياً في الشريعة .

والجواب : أنّ البيع يتكفّل منح المشتري نفس العلاقة التي كانت تربط المال بالبائع ، في مقابل حصول البائع على نفس العلاقة التي كانت تربط الثمن بالمشتري ، سواء كانت العلاقة على مستوى ملكيّة ، أو على مستوى حقّ . فالفرد الذي أحيى أرضاً يجوز له بيعها ؛ لأنّه يتمتّع بعلاقة خاصة بالأرض وهي ما نصطلح عليه باسم الحقّ ، فيكون بإمكانه بيع الأرض بمعنى منح هذه العلاقة للمشتري ، في مقابل حصوله على علاقة المشتري بالثمن . وبذلك يصبح المشتري صاحب الحقّ في الأرض بدل عن البائع الذي كان له الحقّ بسبب الإحياء ، ويصبح البائع مالكاً للثمن الذي كان يملكه المشتري قبل البيع .

وقد يفسّر بيع الفرد للأرض التي أحياها على وجه آخر ، وهو : أنّ المحيي يبيع حقّه في الأرض لا نفس الأرض . ولكنّ هذا التفسير يمكن أن يعترض عليه بأنّ بيع شيء يعني منح البائع العلاقة الاعتبارية التي تربطه بذلك الشيء للمشتري ، فلا بدّ إذن من افتراض علاقة اعتبارية تربط المبيع بالبائع ، ليمنحها البائع إلى المشتري . والحقّ حكم شرعي ، وليس لصاحب الأرض علاقة اعتبارية


صفحه 834

مع الحكم كعلاقة مع سائر أمواله ، فهو لا يملك الحكم الشرعي مثلاً .

وبتعبير آخر : أنّ الحكم الشرعي لا يمكن أن يكون مبيعاً ؛ لعدم وجود إضافة وعلاقة اعتبارية له بالبائع ، والحقّ ليس إلاّ حكم شرعياً فلا يجوز بيعه .

أضف إلى ذلك : أنّ نتيجة بيع الحقّ ـ لو أمكن ـ هو أن يتملّكه المشتري ، لا أن يكون المشتري صاحب الحقّ ، كما هو المقصود ، بمعنى أنّ حقّ البائع في الأرض لو افترضناه شيئاً مملوكاً للبائع كسائر أمواله فبيعه يؤدّي إلى تملّك المشتري حقّ البائع ، لا إلى اكتسابه هذا الحقّ ، وكم فرق بين أن يملك المشتري حقّ البائع وبين أن يثبت له ذلك الحقّ ؟

والذي يبدو أنّ هذا الاعتراض ليس متّجهاً ، وإن تفسير بيع الفرد للأرض على أساس أنّ المحيي يبيع حقّه في الأرض أمر مقبول ، وذلك لأنّ دعوى عدم تعقّل بيع الحقّ إن كانت تقوم على أساس أنّ الحقّ ليس مضاف إلى صاحبه بعلاقة اعتبارية ولا بدّ في البيع من علاقة اعتبارية تربطه بالبائع ، فالجواب عنها : أنّ الحقّ مضاف إلى صاحبه إضافة حقيقية ؛ لأنّ الحقّ حقّه واقعاً والإضافة الحقيقية مصحّحة للنقل والتمليك كما في تمليك الأجير الحرّ لعمله ، مع أنّ عمله ليس مملوكاً له بالملكية الاعتبارية ، بل بنحو من الإضافة الواقعية .

وإن كانت الدعوى المذكورة تقوم على أساس أنّ المبيع لا بدّ أن يكون محفوظاً بعد البيع ، وهذا إنّما يصدق على الأرض وأمّا حقّ المحيي في الإحياء فيسقط وينشأ بدلاً عنه حقّ المشتري في الأرض المحياة ، وذلك لأنّ الحقّ يتشخّص بطرفه ومع تبدّل الطرف يستحيل بقاء الحقّ بشخصه .

فالجواب عنها : أنّ الحقّ من الناحية التكوينية وإن كان كذلك لأنّه اعتبار والاعتبار يتشخّص بطرفه لكن بالنظر العرفي الذي يراه مالاً نجد له جانباً موضوعي قابلاً للانتقال على حدّ انتقال سائر الأموال ، ولهذا يقال عرفاً : انتقل حقّ الشفعة مثلاً من فلان


صفحه 835

إلى وارثه بدون عناية .

وإن كانت الدعوى المذكورة تقوم على أساس أنّ البيع لا يصدق إلاّ حيث يكون المبيع عيناً خارجية والحقّ ليس عيناً خارجية .

فالجواب عنها: أنّ اعتبار كون المبيع عيناً خارجية في صدقّ البيع لو سلم فهذا إنّما ينفي صفة البيع الحقيقي عن تمليك المحيي لحقّه في الأرض بعوضه ولا ينفي صحة هذه المعاملة بعمومات الإمضاء والصحّة . هذا على أنّ اعتبار كون المبيع عيناً قد لا يكون إلاّ بمعنى كون ما بإزاء المبيع خارجاً عيناً خارجية وهذا حاصل في المقام ، وإن كان المبيع الحقّ لا العين فإنّ حصيلة نقل هذا الحقّ هي تسلّم المشتري للأرض ويكفي ذلك في صدق البيع .


صفحه 836

( 6 )

امتلاك الأراضي بالحيازة[1]

وعلى هذا الأساس لا يتكوّن للفرد حقّ خاص في رقبة الأرض المفتوحة عَنوة من الغابات وما إليها ، كما لا يتكوّن الحقّ الخاص في رقبة الأرض الخراجية العامرة بالإحياء قبل الفتح .

وقد يقال : إنّ الأرض العامرة بطبيعتها تمتلك على أساس الحيازة ، بمعنى أنّ الحيازة تقوم في الأراضي العامرة طبيعياً بنفس الدور الذي يقوم به الإحياء في الأراضي المَيتة بطبيعتها . ويستند هذا القول في إثبات الملكية بسببب الحيازة إلى الأخبار الدالة على : ( أنّ مَن حاز مَلك ) ، ويلاحظ على هذا القول :

أولاً : أنّ بعض هذه الأخبار ضعيف السند ، ولهذا لا حجيّة له ، ومنها ما لا يدلّ على القول ؛ لأنّه مسوق لبيان أماريّة اليد وجعل الحيازة أمارة ظاهرية على الملكية لا سبب لها . ومنها ما كان واردا في موارد خاصة ، كقوله : ( لليد ما أخذت ، وللعين ما رأت ) ، الواردة في الصيد .

وثانياً : أنّ أخبار الحيازة لو سلّمت مختصة بالمباحات الأوّلية ممّا لا يكون مملوكاً شرعاً لجهة أو فرد ، فلا تشمل المقام ، إذ المفروض أنّ الغابة ملك الأمّة أو الإمام .

[1]أثبتنا هذا الملحق من طبعة دار الفكر للكتاب ، وقد حذف من سائر الطبعات . (لجنة التحقيق)


صفحه 837

( 7 )

لا تمييز بين أنواع الأرض التي أسلم عليها أهلها

يمكن لأحدٍ أن يتصوّر إمكان التمييز بين نوعين من الأرض التي أسلم عليها أهلها وهي عامرة :

أحدهما : ما كان العمران فيه ممتدّاً تأريخياً إلى ما قبل تشريع ملكية الإمام الأرض المَيتَة .

والنوع الآخر : الأراضي التي كانت مَيتة عند تشريع ملكية الإمام للمَوات ، ثمّ عمّرها الكفّار ، وأسلموا بعد ذلك عليها طوعاً .

فكلّ أرض من النوع الأوّل تعتبر ملكاً لأصحابها ، ولا تندرج في ملكية الإمام ؛ لأنّها لم تكن مَواتاً عند تشريع ملكية الإمام للمَوات ، وبإسلام أصحابها عليها تحفظ لهم ؛ لأنّ الإسلام يحقن الدم والمال .

وأمّا الأراضي من النوع الثاني فهي ملك للإمام ؛ نظراً إلى أنّها كانت مَيتَة عند تشريع ملكيّة الإمام للمَوات ، فاندرجت في نطاق مِلكيته وإحياؤها من قبل الكفار بعد ذلك ، لا يوجب انتزاع ملكيّتها من الإمام ، وإنّما يؤدّي إلى ثبوت حقّ لهم في الأرض . فإذا أسلموا على الأرض حفظ لهم هذا الحقّ دون أن تصبح رقبة الأرض مِلكاً لهم ، لأنّ الإسلام يحقن المال وبحفظه ، ولا يزيد المال أو يجعل غير المالك مالكاً .

ونتيجة ذلك : أنّ الأرض التي أسلم صاحبها عليها تكون ملكاً له إذ كان عمرانها قبل تشريع ملكية الإمام للموات ، ولا يملكها إذا كان العمران بعد ذلك ،


صفحه 838

وإن كان يحتفظ لنفسه بحقّ خاص فيها . وهذا التفصيل يشابه التفصيل الذي اختاره صاحب الجواهر في أراضي الفتح العامرة ، كما مرّ بن في الملحق[1]، حيث ذكر : أنّ عمرانها إذا كان قبل تشريع ملكيّة الإمام للمَوات فهي للمسلمين ، وإلاّ فهي ملك للإمام ، ولا يملكها المسلمون .

ومبرّرات التفصيل في الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعاً ، أنّ الأرض المَيتَة في عصر التشريع ، يشملها مبدأ ملكية الإمام ، ولا دليل على أنّها تصبح بعد ذلك مَلكاً لمن عمّرها من الكفار وأسلم عليها طوعاً لا بسبب الأعمار ، ولا بسبب الإسلام . أمّا الأعمار فهو لا يمنح المُحيي ملكية رقبة الأرض ، بناء على أنّ الأحياء يفيد الاختصاص فقط . وأمّا الإسلام ، فلا نجد ما يدلّ على أنّه سبب في تملّك الشخص للأرض التي أسلم عليها ، وجميع ما يقدّم من أدلّة على ذلك يمكن أن يناقض فيه :

أ ـ فقد يستدلّ على تملّك الفرد للأرض بسبب إسلامه عليها طوعاً بإطلاق النصوص التي تقول : أنّ الأرض إذا أسلم عليها أهلها طوعاً تركت في أيديهم وكانت لهم ، وهي لإطلاقها تستوعب ما كان عامراً منها قبل تشريع ملكية الإمام للأرض المَيتة ، وما عمّر بعد ذلك .

والجواب : أنّ هذه النصوص تتحدّث عن السيرة المتّبعة في الأرض التي أسلم أصحابها عليها وأنّها تترك في أيديهم ، في مقابل الأرض المفتوحة عَنوة التي ينتزعها الإمام ، فلا يدل الترك على تملّكهم للرقبة ، بل على إقرار ما هو ثابت قبلاً من علاقة لهم بالأرض هي علاقة تقوم على أساس حقّ الإحياء .

ب ـ وقد يستدلّ بالنصوص العامة ، الدالة على أنّ الإسلام يحقن الدم

[1]وسائل الشيعة 15 : 157 ، الباب 72 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 1 و 2 .


صفحه 839

والمال[1]. ومن مظاهر حقن الإسلام للمال منح الأرض لصاحبها إذا أسلم عليها طوعاً .

والجواب : أنّ المفهوم من هذه النصوص هو : أنّ إسلام الشخص يحقن من ماله ويحرم منه ، ما كان يباح لولا إسلامه ؛ لأنّ هذا الجانب من النصوص يوازي الجانب الآخر ، الذي يشرح أحكام الكافر الحربي وكلّ الجانبين ـ ككلّ ـ يوضح : أنّ الكافر إذا حارب الدعوة ، أبيحت أرضه وأمواله ودمه ، وإذا أسلم طوعاً حقن ذلك كلّه . فما هو المحقون بالإسلام هو نفس المباح للمسلمين الاستيلاء عليه إذا لم يسلم الشخص وحارب الدعوة . فلكي نعرف أنّ الشخص إذا أسلم ماذا يحقن له ؟ وعلى أيّ شيء يحصل ؟ يجب أن نعرف أنّه إذا لم يسلم وحارب الدعوة ، فماذا سوف يباح من ماله ويمنح للمسلمين .

وبهذا الصدد لا بدّ أن نستذكر ما مرّ بنا في الملحق[1]، من أنّ الأرض التي لا يسلم عليها أهلها بل تفتح عنوة ، إذا كانت معمورة قبل تشريع ملكية الإمام للأرض المَيتة فهي ملك المسلمين ، وإذا كان عمرانه بعد ذلك ، فلا يتاح للمسلمين تملّكها ، لأنّها لم تكن قبل الحرب ملكاً للكافر ، وإنّما هي ملك للإمام ، وكان للكافر قبل الحرب حقّ فيها ، بسبب الإحياء ، فينتقل هذا الحقّ للمسلمين .

وعلى هذا الضوء نعرف في المقام : أنّ الأرض التي أسلم عليها أهله طوعاً ، لا يملكونها إلاّ إذا كان عمرانها قبل تشريع ملكية الإمام للأرض المَيتَة ، لأنّ المسلمين لا يملكونها على تقدير الحرب إلاّ في هذا الفرض .

وعلى الجملة : إذا عرفنا أنّ الموضوع الذي حقن بالإسلام هو نفس ما يغنم بالحرب ، نظراً إلى أن حقن الدم والمال بالإسلام في النصوص يوازي إباحتهما

[1]راجع : الأصول من الكافي 2 : 24 ، الحديث الأوّل .