( 16 )
الجُعالة في كتاب اقتصادنا[1]
الجُعالة هي كما يقال عادةً : الالتزام بعوضٍ على عملٍ ، كما إذا قال صاحب المال : من خاطَ ثوبي فله درهم ، ومن فتّش عن كتابي الضائع فله دينار . فالخياطة والتفتيش عن الكتاب الضائع عملان يلتزم صاحب الثوب والكتاب بالمكافأة عليهما بدرهم أو بدينار ، وإذا مارسها شخص استحقّ العوض المفروض في الجُعالة ، بمعنى أنّ العامل يملك في موارد الجُعالة العوض بالعمل . وأمّا صاحب المال فهو لا يملك العمل على العامل ، ولهذا يختلف عن المستأجر الذي يملك عمل أجيره بموجب عقد الإجارة ، كما أوضحنا ذلك في الكتاب الثاني من اقتصادنا ، صفحة 676 . وقد قلنا في ذلك الكتاب ( ص 688 ) : إنّ العامل قد يفرض له في الجُعالة عوض منفتح مرتبط بأرباح الجاعل ، كما إذا كان الجاعل من منتجي الأسِرّة الخشبيّة فيجعل لكلّ من يعمل من ألواحه سريراً نصف ما سوف يجنيه من الأرباح ، فترتبط مكافأة العامل بنتائج العمليّة وأرباحها ارتفاعاً وانخفاضاً . كما قلنا أيضاً : إنّ تاجر الأسِرّة الخشبيّة هذا لا يمكن أن يفرض مكافأة من هذا القبيل لأدوات الإنتاج ، فلا يصحّ أن يقول : من أعانني بجهازٍ لتقطيع الخشب
[1]لم يطبع هذا الملحق في كتاب اقتصادنا . وقد كتبه المؤلّف الشهيد نظراً إلى بعض الأسئلة التي تلقّاها بهذا الشأن ، فأدرجناه هنا إتماماً للفائدة . (لجنة التحقيق) .
فله عليّ كذا .
ونظراً إلى بعض الأسئلة التي تلقّيتها بهذا الشأن أردت أن أوضّح الفكرة من الناحية الفقهيّة في كلٍّ من هاتين النقطتين:
أمّا النقطة الأولى ـ وهي علاقة تاجر الأسِرّة بالعامل في الجُعالة ـ فتوضيحها : أنّ الجُعل الذي يفرضه تاجر الأسِرّة للعامل في الجُعالة يمكن تصويره بأنحاء :
1 ـ أن يجعل له نصف الخشب الذي يملكه التاجر فعلاً ، وذلك بأن يقول التاجر : من عمل سريراً من خشبي هذا فله نصف هذا الخشب . وفي هذه الحالة يكون العوض شخصيّاً وعيناً خارجيّة معيّنة ولا إشكال فيه .
2 ـ أن يجعل له مالاً في الذمّة يحدّد بكونه مساوياً لنصف الثمن أو الربح الذي سوف يحصل عليه التاجر عند بيع السرير لو أراد بيعه ، بمعنى : أنّ تاجر الأسرّة يقول : من عمل سريراً من خشبي هذا فله في ذمّتي مالٌ بقدر نصف الثمن الذي سوف يتاح الحصول عليه عند بيع السرير بعد إكمال صنعه .
وفي هذه الحالة يكون العوض أمراً في الذمّة ، ولا إشكال فيه إلاّ من ناحية أنّ العوض هنا غير محدّد تحديداً كاملاً ، فبناءً على عدم اشتراط تعيين العوض في باب الجُعالة ـ كتعيين الأجرة في الإجارة ـ لا مانع من الالتزام بصحّة هذه الجُعالة .
3 ـ أن يجعل التاجر نصف الثمن الشخصي الذي سوف يحصل عليه عند بيع السرير ، لا مالاً في ذمّته يعادل النصف ، أو يفرض له نصف الربح العيني الذي سوف يوجد في البضاعة .
ولا بدّ لتحقيق هذه الصورة من الالتفات إلى شيء ، وهو : أنّ العامل في باب الجُعالة يملك الجعل بإتيانه للعمل ، ففيما إذا كان الجعل نصف الثمن الذي سوف يحصل عليه البائع لا نتصوّر ملكيّة العامل لشيء على التاجر ؛ لأنّ الجعل
ليس عيناً شخصيّة مملوكة للتاجر فعلاً ليملكها العامل بالعمل ، ولا مالاً في ذمّته ليعقل تملّك العامل له بعد إنجاز عمله .
وهذا الإشكال نظير الإشكال في إجارة الأرض وجعل الأجرة شيئاً من حاصلها ، فإنّ الأجرة في هذا الفرض ليست عيناً خارجيّةً وشيئاً خارجيّاً موجوداً في ملك المستأجر فعلاً ، ولا مالاً في ذمّته ليصبح بعقد الإجارة مِلكاً للمؤجّر ، فمن اختار بطلان الإجارة بهذا النحو لأجل هذا الإشكال لَزمه في محلّ الكلام أيضاً ؛ لأنّ الجعل في الصورة المشار إليها كالأجرة في تلك الإجارة ، لا هو أمرٌ خارجي مملوك فعلاً للجاعل ولا شيء في ذمّته ، فأيّ شيء يملك العامل على الجاعل بالعمل ؟ ومن لم يأخذ بهذا الإشكال بعين الاعتبار في باب الإجارة يمكنه البناء على صحّة الجُعالة في المقام أيضاً .
هذا هو ملخّص الكلام في النقطة الأولى .
وأمّا النقطة الثانية ـ وهي علاقة تاجر الأسرّة بأداة الإنتاج ـ فتوضيحها : أنّ الجُعالة هنا تتصوّر على أنحاء أيضاً بلحاظ ما يجعل بإزائه الجعل :
الأوّل : أن يكون الجعل بإزاء منفعة أداة الإنتاج ، بأن يقول تاجر الأسرّة : إنّي أجعل ديناراً لمن انتفع بالأداة التي يملكها في تقطيع الخشب ، وهذا الجُعالة باطلة ؛ لأنّ الجُعالة لا بدّ أن تتضمّن جعلاً على عمل لا على منافع لأموال ، فلا يمكن فرض المجعول له منفعة أداة الإنتاج .
الثاني : بأن يكون الجعل بإزاء تمليك صاحب الأداة منفعة أداته لتاجر الأسرّة ، والفرق بين هذا وسابقه : أنّ الجعل هنا يكون على عمل ، وهو تمليك المنفعة من قبل صاحب الأداة ، لا على منفعة المال . ولكنّ الإشكال في تصوّر تمليك المنفعة من قبل صاحب الأداة ، فإنّه إن كان تمليكاً مجّانيّاً بعنوان الهبة فهو يتوقّف على القول بصحّة الهبة في المنافع وعدم اختصاصها بالأعيان ، كما هو
المعروف . وإن كان تمليكاً بعنوان الإجارة فهو خلاف المفروض . ونظيره : أن يفرض الجعل على إباحة مالك الأداة للتصرّف فيها والانتفاع بها لا على تمليك منافعها . وعلى أيّ حال لا يكون الجعل بإزاء مساهمة أداة الإنتاج في العمليّة ، بل بإزاء عمل يصدر من مالك الأداة ، وهو التمليك أو الإباحة ، ولهذا يستحقّه ولو لم تساهم الأداة في الإنتاج أصلاً .
الثالث : أن يكون الجاعل هو مالك الأداة لا تاجر الأسرّة ، بأن يقول مالك الأداة : من أعطاني نصف هذا الخشب فله منفعة هذه الأداة جعلاً ، بحيث تكون منفعة الأداة والعمل الذي جعل له هذا الجعل هو إعطاء تاجر الأسرّة نصف الخشب لمالك الأداة ، أي تمليكه نصف الخشب ، ولا يأتي فيه الإشكال السابق في هبة المنافع ؛ لأنّ هذا يدخل في باب هبة الأعيان لا المنافع ، ولكنّ منفعة الأداة في هذا الفرض تكون بنفسها مكافأة ، والكلام إنّما هو في تحديد نوع مكافأتها لا في صيرورتها مكافأة على شيءٍِ آخر .
( 17 )
ملاحظة حول نصّ خاص
قد يقال : إنّ التعليل الوارد في النصّ : ( بأنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون ) ، يفيد أنّ الكسب بدون عمل سابق لا يجوز إذا كان مضموناً ، كالتفاوت بين الأجرتين . وأمّا إذا لم يكون مضموناً فهو جائز ، كالتفاوت بين الأجرة التي يدفعها الوسيط إلى المالك ، والنسبة المئوية التي يتسلّمها من المزارع ، إذا اتّفق أن زادت على تلك الأجرة .
وهذا القول إنّما يصح على بعض التقادير في تفسير التعليل ، ولاستيعاب مناحي البحث في مجال آخر .
مصادر البحث
1 ـ ابن رشد والرشديّة (أرنست رينان) ترجمة : عادل زعيتر ، دار إحياء الكتب العربيّة ـ القاهرة ، 1957 م . 2 ـ الأحكام السلطانيّة (القاضي محمّد بن الحسين الفرّاء ، وعليّ بن حبيب الماوردي) تحقيق محمّد حامد الفقي ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم ، الطبعة الثانية ، 1406 هـ . 3 ـ الأدب المفرد (البخاري) مؤسّسة الكتب الثقافيّة ، الطبعة الأولى ، 1406 هـ ـ 1986 م ـ بيروت . 4 ـ إرشاد الأذهان (الحسن بن يوسف ـ العلاّمة الحلّي) مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم ، الطبعة الأولى ، 1410 هـ . 5 ـ الاستبصار (الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي) طبع دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران ، الطبعة الرابعة ، 1405 هـ . 6 ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة ( عزّ الدين الشيباني المعروف بابن الأثير ) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
7 ـ أُسس الاقتصاد الحديث ( د . صلاح الدين نامق ) دار النهضة العربيّة ـ القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1972 م . 8 ـ الأسفار الأربعة ( صدر الدين محمّد الشيرازي ) مطبعة الحيدري ، طهران ، 1383 هـ . 9 ـ الاشتراكيّة ( د . أحمد شلبي ) دار الاتّحاد العربي للطباعة ، الطبعة الثانية ، 1968 م . 10 ـ أُصول الاقتصاد ، المقدّمة ونظريّة القيمة ( د . كامل عبّاس الحلواني ) دار المعارف ـ مصر ، الطبعة الأولى ، 1965 م . 11 ـ الاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج ( عيسى عبده ) دار النهضة ، القاهرة ـ مصر ، الطبعة الأولى ، 1394 هـ ـ 1974 م . 12 ـ الأمالي ( الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ) تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة ، نشر دار الثقافة ـ قم ، الطبعة الأولى ، 1414 هـ . 13 ـ الأُمّ ( محمّد بن إدريس الشافعي ) دار المعرفة ، بيروت ـ لبنان . 14 ـ الأموال ( الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام ) تحقيق محمّد خليل هراس ، دار الكتب العلميّة ـ بيروت ، الطبعة الأولى ، 1406 هـ ـ 1986 م . 15 ـ الانتصار ( علي بن الحسين ـ الشريف المرتضى ) تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم ، 1415 هـ . 16 ـ إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد ( الشيخ محمّد بن الحسن الحلّي ) طبعة إسماعيليان ـ قم ، الطبعة الأولى ، 1387 هـ .