بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 100


الخاص ، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تاريخها .
مع أن سيطرة عامل معين ، على مجتمع في فترة خاصة ، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية ، في كل أدوار التاريخ ، وفي كل المجتمعات ، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة . فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حق التاريخ ، أن يقارن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطراً عليه ، بالمجتمعات الأخرى ، حتى يبحث عما إذا كان لهذه السيطرة ، ظروفها وأسبابها الخاصة ؟ .
ومن الجدير بهذا الصدد أن نلاحظ كلاماً آخر لأنجلز ، ساقه في مناسبة أخرى ، وهو يعتذر عن أخطاء وقع فيها ، من جراء التطبيق الديالكتيك على غير المجتمع ، من مجالات الكون والحياة ، قائلاً :
( ( وغني عن البيان ، بأنني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية ، سرداً عاجلاً وملخصاً ، بغية أن أطمئن تفصيلاً إلى ما لم أكن في شك منه بصورة عامة ، إلى أن نفس القوانين الديالكتيكية للحركة ، التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التاريخ ، تشق طريقها في الطبيعة . . . ) )[1]ونحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لأنجلز ، استطعنا أن نعرف كيف أتيح لمفكر ماركسي مثل أنجلز ، أن يكون مفهومه العام عن التاريخ ، وبالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون والحياة وكل ظواهره ، من خلال الضوء الذي يلقيه مشهد تاريخي واحد لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية . في فترة محدودة من الزمن بطريقة سهلة جداً . فما دام هذا المشهد التاريخي المعين ، يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع ، فيجب أن يكون التاريخ كله صراعاً بين المتناقضات . وإذا كان التناقض هو الذي يسود التاريخ ، فيكفي هذا ليؤمن أنجلز بأن نفس قوانين التناقض هذه ، تشق طريقها في الطبيعة ، على حد تعبيره ، وأن الكون كله صراع بين مختلف التناقضات الداخلية .


[1]ضد دوهرنك : ج 2 ص 193 .


صفحه 101


ثانياً - هل يوجد مقياس أعلى ؟
إن المقياس الأعلى في رأي الماركسية ، لاختبار صحة كل نظرية ، هو مدى نجاحها في مجال التطبيق . فالنظرية عند الماركسيين لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق وهذا ما يسمى في الديالكتيك بوحدة النظرية والتطبيق . قال ماوتسي تونغ :
( ( إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية تضع التطبيق في المقام الأول . فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يجب أن لا ينفصل بأية درجة كانت عن التطبيق وتشن نضالاً ضد كل النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق ، أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق ) ) ( 1 ) .
وقال جورج بولتزير :
( ( فمن المهم إذن أن نفهم معنى وحدة النظرية والتطبيق ، ومعنى ذلك : أن من يهمل النظرية يقع في فلسفة الممارسة . فيسلك كما يسلك الأعمى ويتخبط في الظلام ، أما ذلك الذي يهمك التطبيق فيقع في الجمود المذهبي ) ) . ( 2 ) على هذا الأساس نريد أن ندرس المادية التاريخية ، وبكلمة أخرى : ندرس النظرية الماركسية العامة عن التاريخ ، لنتعرف على نصيبها من النجاح ، في مجال التطبيق الثوري الذي خاضه الماركسيون .
ومن الواضح ، أن الماركسيين إنما أتيحت لهم محاولة تطبيق النظرية ، بالنسبة إلى جزء خاص منها ، وهو الجزء الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي ، وأما الجوانب الأخرى ، النظرية ، فهي تتعلق بقوانين لمجتمعات تاريخية ، وجدت في حياة الإنسان وانصرمت ، ولم تعاصرها الماركسية ولا ساهمت في إيجادها .
فلنأخذ الجزء الخاص من النظرية ، الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي ونشوء


صفحه 102


الاشتراكية ، والذي مارست الماركسية تطبيقه ، لنتبين وحدة النظرية والتطبيق أو تناقضهما ، وبالتالي لنحكم على النظرية ، لنتبين وحدة النظرية والتطبيق أو تناقضهما ، وبالتالي لنحكم على النظرية ، وفقاً لمقدار نجاحها أو فشلها في مجال التطبيق ما دام التطبيق في رأي الماركسية هو المعيار الأساسي لتقويم النظريات ، والعنصر الضروري للنظرية العلمية الصحيحة .
وبهذا الصدد ، يمكننا أن نقسم البلاد الاشتراكية ، التي مارست تطبيق النظرية الماركسية جزئياً أو كلياً ، إلى قسمي ، جاء التطبيق في كل منهما بعيداً عن النظرية ونبوءاتها العلمية وما حددته ، قوانين لمجرى التاريخ وتياراته الاجتماعية .
فالقسم الأول هو : البلاد الاشتراكية ، التي فرض عليها النظام الاشتراكي فرضاً ، بقوة الجيش الأحمر ، كعدة من أقطار أوروبا الشرقية ، مثل : بولونيا وتشيكو سلوفاكيا والمجر ، ففي هذه الأقطار ونظائرها ، لم يحصل التحول الاشتراكي بحكم ضرورة من الضرورات التي تحددها النظرية ، وليم تنبثق الثورة عن تناقضات المجتمع الداخلية ، وإنما فرضت من الخارج ومن الأعلى بواسطة الحرب الأجنبية والغزو العسكري المسلح وإلا فأي قانون من قوانين التاريخ شق ألمانيا نصفين وأدرج جزءها الشرقي ضمن العالم الاشتراكي ، وجزئها الآخر ضمن العالم الرأسمالي ؟ أهو قانون القوى المنتجة ؟ أو حكم الجيش الفاتح ، الذي فرض على البقعة التي ملكها نظامه وأفكاره ؟ ! .
وأما القسم الثاني من البلاد الاشتراكية : فقد أقيمت فيها الأنظمة الاشتراكية بقوة الثورات الداخلية ، ولكن هذه الثورات الداخلية لم تتجسد فيها قوانين الماركسية ، ولم تجيء طبقاً للنظرية التي حل بها الماركسيون كل ألغاز التاريخ .
فروسيا - وهي البلد الأول في العالم الذي سيطر عليه النظام الاشتراكي بفعل الثوارت الداخلية - قد كانت في مؤخرة الدول الأوربية ، من الناحية الصناعية ، ولم يكن نمو القوى المنتجة فيها ، قد بلغ الدرجة التي تحددها النظرية لإمكانية التحول ، واندلاع الثورة الاشتراكية . فلم يلعب تزايد القوى المنتجة دوره الرئيسي في تقرير شكل النظام ، وتكوين جوهر المجتمع وفقاً للنظرية ، بل لعب دوراً معكوساً ، إذ نمت القوى المنتجة في بلاد كفرنسا وبريطانيا وألمانيا نمواً هائلاً ، ودخلت تلك


صفحه 103


البلاد في درجة عالية من التصنيع ، وبمقدار ارتقائها في هذا المضمار ، كان بعدها عن الثورة ، ونجاتها من الانفجار الثوري الشيوعي المحتوم ، في مفاهيم المادية التاريخية .
وأما روسيا فقد كانت الحركة التصنيعية فيها منخفضة جداً ، وكان الرأسمال المحلي عاجزاً تماماً عن حل مشاكل التصنيع السريع ، في ظل ظروفها السياسية والاجتماعية ، ولم يكن هناك موضع للقياس : بين الرأسمالية الصناعية في تلك البلاد المتخلفة ، وبين قوى الصناعة وضخامة الرأسمال الصناعي في الغرب الأوروبي ، ومع ذلك أخصب الاتجاه الثوري فيها وتفجر ، وجاءت الثورة الصناعية ، كنتيجة للثورة السياسية ، فكان الجهاز الانقلابي في الدولة ، هو الأداة الفعالة لتصنيع البلاد ، وتطوير قواها المنتجة ، ولم يكن التصنيع وتطور قوى البلاد المنتجة ، هو السبب في خلق ذلك الجهاز وإنشاء تلك الأداة .
وإذا كان من الضروري ، أن نربط بين الثورة من ناحية ، وحركة التصنيع والقوى المنتجة من ناحية أخرى ، فالشئ المعقول أن نعكس العلاقة الماركسية المفترضة بين الثورة والتصنيع ( ( فنعتبر أن انخفاض المستوى الصناعي والإنتاج ، من العوامل المهمة ، التي أدت إلى دق أجراس الثورة في بلد كروسيا ، على العكس تماماً من افتراض النظرية الماركسية ، القائل : إن الثورة الاشتراكية ، بموجب القوانين المادية للتاريخ ، لا يتكون إلا نتاجاً لنمو الرأسمالية الصناعية وبلوغها الذروة . فروسيا مثلاً - لم يدفعها نمو قوى الإنتاج إلى الثورة ، بمقدار ما دفعها انخفاض تلك القوى وتخلفها الخطر ، عن ركب الدول الصناعية ، التي قفزت بخطوات العمالقة في مضمار الصناعة والإنتاج ، فكان لابد لكي تحتفظ روسيا بوجودها الحقيقي في الأسرة الدولية ، أن تنشئ الجهاز السياسي والاجتماعي ، الذي يحل مشاكل التصنيع حلاً سريعاً ، ويدفع خلق الجهاز القادر على حل هذه المشاكل تقع روسيا حتماً فريسة الاحتكارات ، التي تقيمها الدول السباقة ، وينتهي وجودها كدولة حرة على مسرح التاريخ .


صفحه 104


وهكذا نجد - إذا نظرنا إلى روسيا ، زاوية القوى المنتجة ، والحالة الصناعية - كما تنظر الماركسية دائماً - أن المشكلة الرئيسية هي : مشكلة إيجاد التصنيع ، لا تناقض نمو التصنيع مع كيانات المجتمع السياسية والاقتصادية .
وقد تسلمت الثورة الاشتراكية الحكم واستطاعت بطبيعة كيانها السياسي ( القائم على سلطة مطلقة لا حدود لها ) وطبيعة كيانها الاقتصادي ( القائم على تركيز كل عمليات الإنتاج في وجهة واحدة هي الدولة ) أن تخطو خطوات جبارة في تصنيع البلاد . فكانت الحكومة الاشتراكية هي التي تخلق أسباب وجودها والمبررات الماركسية لنشوئها ، وتنشئ الطبقة التي تزعم أنها تمثلها ، وتنقل القوى المنتجة في البلد إلى المرحلة التي أعدها ( ماركس ) لاشتراكية العلمية .
ومن حقنا بعد هذا أن نتساءل عما إذا كانت تقوم حكومة ثورية في روسيا تحمل الطابع السياسي والاقتصادي للاشتراكية ، لو أن روسيا لم تكن متأخرة صناعياً وسياسياً وفكرياً ، عن مستوى الدول الصناعية الكبرى ؟ !
والصين - وهي البلد الآخر الذي ساد فيه النظام الاشتراكي بالثورة - نجد فيها - كما وجدنا في روسيا - التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق . فلم تكن الثورة الصناعية هي العامل الأساسي في تكوين الصين الجديدة ، وقلب نظام الحكم فيها ، ولم يكن لوسائل الإنتاج ، وفائض القيمة ، وتناقضات رأس المال ، التي تقررها قوانين المادية التاريخية ، أي دور رئيسي في المعترك السياسي .
وشئ آخر جدير بالملاحظة هو : أن الثورات الداخلية ، التي مارست عملية تطبيق الاشتراكية الماركسية ، لم تكن تعتمد في انتصارها على الصراع الطبقي ، وانهيار الطبقة الحاكمة أمام الطبقة المحكومة ، بسبب شدة التناقضات الطبقية بينهما ، بمقدار ما اعتمدت على انهيار الجهاز الحاكم ، انهياراً عسكرياً ، بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى ، الأمر الذي مكن للقوى المعارضة - وعلى رأسها الحزب الشيوعي - من الإنتصار السياسي ، بشكل ثوري ، أدى إلى امتلاك الحزب الشيوعي لأزمة الحكم ، بصفته أبرع


صفحه 105


القوى المعارضة تنظيماً وتكتلاً ، وأقواها وحدة من الناحية الفكرية القيادية ، وكذلك الثورة الشيوعية في الصين ، فإنها وإن بدأت قبل الغزو الياباني ، ولكنها ظلت لمدة عقد كامل ، تنتشر وتتوسع ، لتخرج نهائياً منتصرة بانتهاء الحرب . فلم يستطع مرة واحدة حتى الآن أن يحقق النصر عن طريق التناقض الداخلي فحسب ، أو أن يحطم جهاز الدولة ما لم تحطم الجهاز ظروف حربية وخارجية ، تدعو إلى زعزعته وانهياره .
فملامح النظرية وسماتها العامة ، لم تبد على التطبيق ، وإنما كل ما بدا من خلال التطبيق ، ان مجتمعاً حدثت فيه ثورة قلبت نظامه ، وعصفت بالجهاز الحاكم فيه ، بعد تصدع هذا الجهاز لظروف عسكرية وخارجية واجتاح الناس شعور قوي بالحاجة إلى لون جديد من الحياة السياسية والاجتماعية ونفس هذه العوامل التي أنجحت الثورة في روسيا ، أو هيأت لها ، كانت موجودة - كلياً أو جزئياً - في عدة أقطار أخرى ، شهدت نفس ما شاهدته روسيا من ظروف عسكرية ، وتمخضت على أثر الحرب العالمية الأولى بثورات مماثلة ، لعب فيها تصدع السلطات الحاكمة ، والشعور الثوري بعدم كفاءتها ، والاحساس بالحاجة المتزايدة إلى التقدم السريع ، للالتحاق بالركب الامامي للعالم . دوراً خطيراً ، غير أن الثورة الوحيدة التي اتخذت الطابع الاشتراكي ، هي الثورة الروسية . ولا يمكننا أن نجد سبب ذلك في اختلاف قوى الإنتاج ، التي كانت متشابهة إلى حد ما في تلك الأقطار ، وإنما نجده في الظروف الفكرية التي كانت تمر بها تلك الأقطار ، والتيارات المتناقضة التي كانت تعمل في الحقل السياسي ، والمجال الثوري هنا وهناك .
فإذا كان من الحق ما يزعمه المنطق الديالكتيكي للماركسية ، من وحدة النظرية والتطبيق ، وان التطبيق هو الأساس الوحيد لتدعيم النظرية ، فمن الحق أيضاُ أن المادية التاريخية ، لا تزال تفقد حتى الآن هذا الدليل ، لأن التطبيق الذي حققته الماركسية ، لم يحمل خصائص النظرية ، ولم تنعكس عليه ملامحها . حتى أن لينين - وهو الثوري الروسي الأول ، الذي كان يخوض معركة التطبيق ويقودها - لم يستطع


صفحه 106


أن يتنبأ بموعد وبشكل اندلاع الثورة ، إلا بعد أن أصبحت الثورة على قاب قوسين أو أدنى . وليس ذلك إلا لأن دلائل المجتمع وأحداثه ، لم تكن لتنطبق على الدلائل والأحداث ، التي تحدد النظرية على أساسها ، سمات المجتمع ، المشرف على العمل الثوري الاشتراكي . فقد خطب لينين في اجتماع للشباب الاشتراكي السويسري ، قبل شهر واحد من ثورة شباط وقبل عشرة أشهر من ثورة أكتوبر الشيوعية ، فقال في خطابه :
( ( لعلنا نحن أبناء الجيل الذي يكبركم ، لن نعيش لنرى المعارك الحاسمة للثورة الاشتراكية ، الموشكة على الإندلاع ، ولكن يبدو لي ، أنني أستطيع أن أعرب بأقصى ثقة ، عن الأمل بأن يتاح للشباب العاملين في الحركة الاشتراكية الرائعة في سويسرا ، وبقية أنحاء العالم ، الحظ الطيب ، ليس فحسب بالمساهمة في القتال أثناء الثورة البروليتارية الوشيكة ، بل كذلك في الخروج ظافرين منها ) ) .
قال لينين هذا ، وبعد عشرة أشهر فقط ، تزعم الثورة الاشتراكية التي انفجرت في روسيا ، وجاءت به إلى الحكم . وأما الشبان العاملون في الحركة الاشتراكية الرائعة في سويسرا ، على حد تعبيره ، فلا يزالون حتى اليوم ، لم يتح لهم الحظ الطيب الذي تمناه لهم بالمساهمة في الثورة البروليتارية ، والخروج منها ظافرين .
ثالثاً - هل استطاعت الماركسية استيعاب التاريخ ؟
المادية التاريخية ( الماركسية ) - كما سبق - مجموعة من الافتراضات العلمية يختص كل واحد منها بمرحلة محدودة من مراحل التاريخ ، وتتكون من مجموعها الفرضية العامة في تفسير التاريخ ، القائلة : بأن المجتمع دائماً وليد الوضع الاقتصادي الذي تحدده وتفرضه قوى الإنتاج .
والواقع أن أروع ما في الماركسية ، وأكثر قواها التحليلية إغراءً وإستهواءً إنما هو قوة هذا الشمول والاستيعاب ، الذي تتميز به على أكثر التفاسير الأخرى ، للعمليات الاجتماعية أو الاقتصادية ، وتعبر من خلاله عن ترابط وثيق محدد ، بين مختلف تلك


صفحه 107


العمليات ، في كل الميادين الإنسانية . فليست الماركسية فكرة نظرية محدودة ، أو تحليلاً اجتماعياً أو اقتصادياً فحسب ، وإنما هي تعبير تحليلي شامل عن كل العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كما تجري منذ آلاف السنين في مجراها التاريخي الطويل ، لتكون منها في كل لحظة تاريخية حاسمة ، حالة معينة ، تحديد بنفسها وبطريقة جدلية ما يعقبها من حالات متلاحقة على مدار الزمن ، تتابع في لحظات تاريخية فاصلة .
ومن الطبيعي أن تستأثر مثل هذه النظرية بتقدير الناس ، وتوحي إليهم بالإعجاب أكثر من أي نظرية أخرى ما دامت قد زعمت لهم أنها وضعت في أيديهم كل اسرار الإنسانية ، وألغاز التاريخ ، وما دامت قد تفوقت على كل النظريات العلمية ، عن الاجتماع والاقتصاد ، في نقطة ذات وزن جماهيري كبير ، وهي : أنها استطاعت أن تمزج آمال الناس بالتحليل العلمي ، وأن تقدم إليهم أمانيهم التقليدية في إطار تحليلي ، قائم على أسس مادية ومنطقية ، بالمقدار الذي أتيح لماركس أن يصل إليه ، بينما لم تكن النظريات العلمية الأخرى في الاجتماع والاقتصاد ، تظفر - على أفضل تقدير - إلا بعناية حفنة من العلماء والأخصائيين .
والمادية التاريخية ، بوصفها فرضية عامة ، تقرر - كما عرفنا سابقاً - : أن جميع الأوضاع والظواهر الاجتماعية ، نابعة من الوضع الاقتصادي ، وهو بدوره نتيجة لوضع القوى المنتجة . فالوضع الاقتصادي هو همزة الوصل ، بين قوى الإنتاج الرئيسية ، وجميع الظواهر والأوضاع الاجتماعية ، كما قال بليخانوف :
( ( إن الوضع الاقتصادي لشعب ما ، هو الذي يحدد وضعه الاجتماعي ، والوضع الاجتماعي لهذا الشعب ، يحدد بدوره وضعه السياسي والديني ، وهكذا دواليك . ولكنكم ستتساءلون عما إذا لم يكن للوضع الاقتصادي من سبب أيضاً ؟ . . لا ريب ان لهذا الوضع سببه الخاص به ، ككل شيء في هذه الدنيا ، وهذا السبب . . . هو الصراع الذي يخوضه الانسان مع الطبيعة ) )[1].


[1]( المفهوم المادي للتأريخ ) ص 46 .