بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 107


العمليات ، في كل الميادين الإنسانية . فليست الماركسية فكرة نظرية محدودة ، أو تحليلاً اجتماعياً أو اقتصادياً فحسب ، وإنما هي تعبير تحليلي شامل عن كل العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كما تجري منذ آلاف السنين في مجراها التاريخي الطويل ، لتكون منها في كل لحظة تاريخية حاسمة ، حالة معينة ، تحديد بنفسها وبطريقة جدلية ما يعقبها من حالات متلاحقة على مدار الزمن ، تتابع في لحظات تاريخية فاصلة .
ومن الطبيعي أن تستأثر مثل هذه النظرية بتقدير الناس ، وتوحي إليهم بالإعجاب أكثر من أي نظرية أخرى ما دامت قد زعمت لهم أنها وضعت في أيديهم كل اسرار الإنسانية ، وألغاز التاريخ ، وما دامت قد تفوقت على كل النظريات العلمية ، عن الاجتماع والاقتصاد ، في نقطة ذات وزن جماهيري كبير ، وهي : أنها استطاعت أن تمزج آمال الناس بالتحليل العلمي ، وأن تقدم إليهم أمانيهم التقليدية في إطار تحليلي ، قائم على أسس مادية ومنطقية ، بالمقدار الذي أتيح لماركس أن يصل إليه ، بينما لم تكن النظريات العلمية الأخرى في الاجتماع والاقتصاد ، تظفر - على أفضل تقدير - إلا بعناية حفنة من العلماء والأخصائيين .
والمادية التاريخية ، بوصفها فرضية عامة ، تقرر - كما عرفنا سابقاً - : أن جميع الأوضاع والظواهر الاجتماعية ، نابعة من الوضع الاقتصادي ، وهو بدوره نتيجة لوضع القوى المنتجة . فالوضع الاقتصادي هو همزة الوصل ، بين قوى الإنتاج الرئيسية ، وجميع الظواهر والأوضاع الاجتماعية ، كما قال بليخانوف :
( ( إن الوضع الاقتصادي لشعب ما ، هو الذي يحدد وضعه الاجتماعي ، والوضع الاجتماعي لهذا الشعب ، يحدد بدوره وضعه السياسي والديني ، وهكذا دواليك . ولكنكم ستتساءلون عما إذا لم يكن للوضع الاقتصادي من سبب أيضاً ؟ . . لا ريب ان لهذا الوضع سببه الخاص به ، ككل شيء في هذه الدنيا ، وهذا السبب . . . هو الصراع الذي يخوضه الانسان مع الطبيعة ) )[1].


[1]( المفهوم المادي للتأريخ ) ص 46 .


صفحه 108


( ( أن علاقات الإنتاج ، تحدد جميع العلاقات الأخرى التي توحد بين الناس في حياتهم الاجتماعية . وأما علاقات الإنتاج فيحددها وضع القوى المنتجة ) )[1].
فالقوى المنتجة هي التي تخلق الوضع الاقتصادي ، وتطوره تبعاً لتطورها ، والوضع الاقتصادي هو الأساس العام لهيكل البناء الاجتماعي ، وما فيه من ظواهر وأوضاع ، هذه هي الوجهة العامة للمادية التاريخية .
وتتردد في أوساط الكتاب المناهضين للأفكار الماركسية مناقشتان للماركسية التاريخية ، بوصفها نظرة عامة عن التاريخ :
الأولى : إن التاريخ إذا كان محكوماً للعامل الاقتصادي ، وللقوى المنتجة ، وفقاً لقوانين طبيعية تسير به من الإقطاع إلى الرأسمالية مثلاً ، ومنها إلى الاشتراكية ، فلماذا تبذل هذه الجهود الجبارة من الماركسيين ، في سبيل تكتيل أكبر عدد ممكن ، لشن ثورة فاصلة على الرأسمالية ؟ ‌ ولم لا يدع الماركسيون قوانين التاريخ تعمل ، فتكفيهم هذه المهمة الشاقة ؟ ! .
الثانية : أن كل إنسان يحس - بالضرورة - ان له دوافع أخرى ، لا تمت إلى الطابع الاقتصادي بصلة ، بل قد يضحي في سبيلها بمصالحة الاقتصادية وبحياته كلها في بعض الأحايين ، فكيف يعتبر العامل الاقتصادي هو المحرك للتاريخ ؟ ! .
ومن حق البحث العلمي الموضوعي ، أن نسجل رأينا في هاتين المناقشتين بوضوح . فهما تعبران عن عدم استيعاب المفهوم الماركسي للتاريخ ، أكثر مما تعبران عن خطأ المفهوم نفسه .
ففيما يتصل بالمناقشة الأولى ، يجب أن نعرف موقف الماركسية من الثورة . فإنها لا تعتبر الثورة والجهود التمهيدية التي تبذل في سبيلها ، شيئاً منفصلاً عن قوانين التاريخ ، بل هي جزء من تلك القوانين ، التي يجب - علمياً - أن توجد كي ينتقل التاريخ من مرحلة إلى مرحلة أخرى . فالثوريون حين يتجمعون في سبيل الثورة ، إنما


[1]نفس المصدر ، ص 48 .


صفحه 109


يعبرون بذلك عن الحتمية التاريخية .
ونحن حين نقرر هذا ، نعلم أن الماركسية - نفسها - لم تستطع أحياناً ، أن تفهم - بوضوح - متطلبات مفهومها العلمي عن التاريخ ومستلزماته ، حتى لقد كتب ستالين يقول :
( ( إن المجتمع غير عاجز أمام القوانين ، وأن في وسعه عن طريق معرف القوانين الاقتصادية ، وبالاسناد إليها ، أن يحد من دائرة فعلها ، وأن يستخدمها في مصلحة المجتمع ، وأن يروضها ، مثلما يجري حيال قوى الطبيعة وقوانينها ) )[1]وكتب بولتزير - نظير هذا - قائلاً :
( ( إن المادية الجدلية ، في تأكيدها للطابع الموضعي لقوانين المجتمع ، تؤكد - في نفس الوقت - الدور الموضوعي الذي تلعبه الأفكار ، يعني النشاطات العلمية الواعية ، مما يتيح للناس أن يؤخروا أو يقدموا ، وأن يشجعوا أو يعرقلوا ، تأثير قوانين المجتمع ) ) ( 2 ) .
ومن الواضح ، أن هذا الاعتراف الماركسي : بسيطرة الإنسان عن طريق أفكاره ونشاطاته الواعية ، على تأثير قوانين المجتمع ، وعلى تقديمه وتأخيره لا يتفق مع الفكرة العلمية عن التاريخ لأن التاريخ إذا كان مسيراً وفق قوانين طبيعية عامة ، فوعي الانسان وعلمه بقوانين التاريخ ، إنما يعبر عن جزء من الحقل الذي تحكمه تلك القوانين . فكل ما يقوم به هذا الوعي والنشاط الانساني من أدوار ، فهو تعبير حتمي عن تلك القوانين ، وعن تأثيرها المحتوم ، وليس تقديماً لهذا التأثير أو تأخيراً له . فالماركسيون حينما يمعنون - مثلاً - في خلق الفتن ، لتعميق التناقضات ومضاعفاتها ، ينفذون قوانين التاريخ . لأن نشاطهم الواعي جزء من الكل التاريخي ، لا أنهم يستعجلون تلك القوانين . وليس موقف الفئات التي تعمل بوعي سياسي ، من قوانين التاريخ ، كموقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة ، التي يجرب عليها في مختبر ،


[1]دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع ، ص 22 . ( 1 ) المادية المثالية في الفلسفة ، ص 152 .


صفحه 110


فإن العالم الطبيعي ، يستطيع أن يقدم أو يؤخر من تأثير قوانين الطبيعة ، بما يحدث من تغيرات في وضع الطبيعة التي يجربها . لأن قوانين الطبيعة التي يجربها ، لا تتحكم في عمله ، فهو يستطيع أن يسيطر على تأثيرها ، بما يهئ للتجربة من شروط . وأما العاملون في الحقل السياسي ، فلا يمكنهم أن يتحرروا من قوانين التاريخ ، وأن يسيطروا على تأثيرها . لأنهم دائماً يعبرون عن جزء من العملية التاريخية ، التي تتحكم فيها تلك القوانين .
فمن الخطأ - إذن - ان تقول الماركسيون شيئاً عن السيطرة على قوانين المجتمع ، كما أن من الخطأ أيضاً أن توجه إليها المناقشة السابقة ، التي ترمي إلى اعتبار النشاط العملي لغواً لا مبرر له ، ما دمنا عرفنا أن النشاط العملي بما فيه الثورة جزء من قوانين التاريخ .
ولنأخذ الآن المناقشة الثانية : إن هذه المناقشة تسرد - عادة - قائمة من الدوافع ، التي لا تمت إلى الاقتصاد بصلة ، لتنفيذ القول بالعامل الاقتصادي ، كعامل رئيسي . وليست هذه المناقشة بأدنى إلى التوفيق من المناقشة الأولى . فإن الماركسية لا تعني : أن العامل الاقتصادي هو الدافع الشعوري ، لكل أعمال الإنسان ، على مر التاريخ ، وإنما ترتكز على القول : بأنه هو القوة التي تعبر عن نفسها ، في وعي الناس ، بمختلف التعبيرات . فالسلوك الواعي للانسان ، يصدر عن غايات ودوافع إيديولوجية مختلفة ، قد لا تمت إلى الاقتصاد بصلة ، إلا أنها في الحقيقة تعبيرات سطحية عن قوة أعمق لأنها ليست إلا أدوات يستخدمها العامل الاقتصادي ، ويحرك بها الناس ، في الاتجاه التاريخي المحتوم .
ويجب أن نتجاوز بهذا الصدد عن بعض النصوص الماركسية ، التي لم تقتصر على هذا القول ، بل جنحت إلى التأكيد على اعتبار الاقتصاد غاية عامة للنشاط الاجتماعي ، وليس قوة محركة من الخلف فحسب . فقد كتب أنجلز يقول :
( ( إن القوة ليست سوى وسيلة ، وأن الغاية هي المنفعة الاقصادية . ولما كانت الغاية أكثر جوهرية من الوسيلة ، التي تستخدم لضمانها ، فإن الجانب


صفحه 111


الاقتصادي من المسألة ، هو أكثر جوهرية في التاريخ ، من الجانب السياسي . في جميع قضايا السيطرة والاخضاع ، حتى يومنا الحاضر ، كان الإخضاع دوماً وكالة لاملاء المعدة ، بأوسع ما في املاء المعدة من مدلول ) )[1].
ولا شك عندنا في أن هذا النص ، قد كتبه أنجلز على عجل وبقلة أناة فجاء يسابق الماركسية - نفسها - في غلوها بالعامل الاقتصادي ، ويناقض الواقع الذي يمكننا أن نلمسه في كل حين . فكثيراً ما نجد أن المعدة قد تمتلئ بأوسع ما في إملاء المعدة من مدلول - على حد تعبير أنجلز - ولا يمنع ذلك هؤلاء الممتلئين ، عن القيام بنشاطات مهمة في الحقل الاجتماعي ، لأجل تحقيق مثل أعلى ، أو إشباع نزعة نفسية .
ونترك هذا ، إلى درس المشاكل الحقيقية ، التي تثيرها المادية التاريخية ، وتعترض سبيلها ، ولا يمكن للماركسية أن توفق في حلها . فهي لا تستطيع أن تفسر - في ضوء المادية التاريخية - عدة نقاط جوهرية في التاريخ ، لابد من دراستها بشيء من التفصيل .
1 - تطور القوى المنتجة والماركسية هناك - أولاً - السؤال عن القوى المنتجة ، التي يتطور التاريخ تبعاً لتطورها كيف تتطور هذه القوى ؟ ، وما هي العوامل التي تسيطر على تطورها وتكاملها ؟ ، ولماذا لا تكون هذه العوامل هي القوة العليا التي تتحكم في التاريخ ، بدلاً عن القوى المنتجة الخاضعة لتلك العوامل ، في نموها وتكاملها ؟ .
وقد اعتاد الماركسيون أن يجيبوا على هذا السؤال : بأن الأفكار التي يستفيدها الإنسان خلال ممارسة قوى الطبيعة ، وتنشأ عنها ، هي التي تطور بدورها هذه القوى ، وتعمل في تنميتها . فالأسباب التي تطور قوى الإنتاج نابعة منها ، وليست قوى تعمل بصورة مستقلة عنها ، أو في درجة أعلى منها . وتعتقد الماركسية ، أنها تقدم في هذا التأثير المتبادل ، بين قوى الإنتاج ، والأفكار المنبثقة


[1]ضد دوهرنك ، ج 2 ص 37 .


صفحه 112


عنها خلال ممارستها : صورة ديالكتيكية لتطور الإنتاج ، تعبر عن حركة تكامل ديالكتيكية للقوى المنتجة ، بوصفها تولد دائماً الأفكار الجديدة ، ثم تعود لتنمو ضمنها وتتكامل .
وهذا الوصف الديالكتيكي ، لتطور القوى المنتجة ، يقوم على أساس مفهوم خاص للتجربة ، يجعل منها الممون الأساسي الوحيد للانسان ، بالأفكار والآراء . فتصبح العلاقة بين قوى الطبيعة المنتجة التي يجربها الإنسان ، وبين أفكاره وآرائه عن الكون وحقائقه ، علاقة علة بمعلول ينشأ عن علته ، ثم يتفاعل معها ، فيزيدها ثراء واغتناء . ولكننا يجب أن لا ننسى النتائج التي استخلصناها من دراستنا لنظرية المعرفة في ( فلسفتنا ) فقد برهنت تلك النتائج ، على أن التجارب الطبيعية ، لا تقدم إلى الإنسان إلا المواد الخام ، ولا تتحفه إلا بالتصورات الحسية لمضمون التجربة . وهذه المواد والتصورات تبقى غير ذات معنى ، لو لم تصادف في ذهن معين ، الشروط الطبيعية والسيكولوجية الخاصة ، وهو ذهن الانسان ، الذي يملك - دون سائر الحيوانات التي تشترك معه في التصور والاحساس - قدرة عقلية على الاستنتاج والتحليل ، ومعارف ضرورية لا تخضع للتجربة ، يأخذ الانسان بتطبيقها على المواد الخام التي يستوردها عن طريق التجربة ، فينتهي إلى نتائج جديدة . وكلما تكررت عمليات الاستنتاج وتكامل رصيدها ، ازدادت خصباً وثراءً . فلم تكن قوى الطبيعة المنتجة ، هي التي تشق - بمفردها - طريق تكاملها ونموها ، أو تولد عوامل تطورها واغتنائها ، وإنما تولد الإحساسات والتصورات فحسب . فليس تطورها - إذن - ديالكتيكياً ذاتياً ، وليست القوة الإيجابية التي تطورها منبثقة عنها . وهكذا تصبح قوى الإنتاج محكومة لعامل أعلى منها درجة في تسلسل التاريخ .
وقد كنا حتى الآن نتسائل ، عن العوامل التي تطور الإنتاج وقواه على مر الزمن ، الأمر الذي انتهينا فيه إلى نتيجة لا تسر الماركسية . غير أن من الممكن - بل يجب - أن نتخطى هذا السؤال إلى نقطة أعمق ، وأكثر إحراجاً للمادية التاريخية ، فنطرح السؤال على الوجه التالي : كيف مارس الإنسان عملية الإنتاج ، ونشأت


صفحه 113


في حياته ، ولم تنشأ في حياة أي كائن حي آخر ؟ .
نحن نعلم من عقيدة الماركسية ، أنها تؤمن بالإنتاج قاعدة رئيسية للمجتمع يقوم على أساسها الوضع الاقتصادي ، وتبتني على الوضع الاقتصادي كل الأوضاع الأخرى . ولكنها لم تكلف نفسها أن تقف قليلاً عند الإنتاج نفسه ، لتفسر : كيف وجد الإنتاج في حياة الانسان ؟ . فإذا كان الإنتاج يصلح لتفسير وجوده ونشوئه ؟ .
إن بالإمكان الجواب على ذلك ، إذ عرفنا ما هو الإنتاج : إن الإنتاج - كما تعرفه لنا الماركسية - عملية كفاح ضد الطبيعة ، يشترك فيها مجموعة من الناس ، لإنتاج حاجاتهم المادية ، وتقوم على أساسها كل العلاقات . فهي إذن عملية يقوم بها عدد من الناس ، لتغيير الطبيعة ، وجعلها بالشكل الذي يوافق حاجاتهم ويشبع رغباتهم .
وعملية تغيير كهذا ، يقوم بها عدد من الناس ، لا يمكن أن توجد تاريخياً ، ما لم تسبقها شروط معينة ، يمكن تلخيصيا في أمرين جوهريين .
إحداهما : ( الفكر ) ، فإن الكائن الحي لا يستطيع أن يغير من شكل الطبيعة بقصد إشباع حاجاته ، فيجعل الحنطة دقيقاً ، أو الدقيق خبزاً . . ما لم يكن يملك فكراً عن الشكل الذي سوف يمنحه للطبيعة ، فعملية التغيير لا يمكن أن تنفصل بحال ، عن التفكير فيما ستتمخض عنه العملية من أشكال وأوضاع للطبيعة لا تزال في ابتداء العمل غيبية . ولأجل هذا لم يكن من الممكن للحيوان ، أن يقوم بعملية إنتاج ، عملية تغيير حاسم للطبيعة .
والأمر الآخر : هو ، اللغة بوصفها المظهر للفكر ، الذي يتيح للمشتركين في عملية الإنتاج أن يتفاهموا ، ويتخذوا موقفاً موحداً خلال العملية فما لم يملك كل منتج أداة التعبير عن فكره ، وتفهم أفكار شركائه في العمل لا يستطيع أن ينتج .


صفحه 114


وهكذا نجد - بوضوح - أن الفكر - بأي درجة كان - يجب أن يسبق عملية الإنتاج ، وأن اللغة ليست نابعة من عملية الإنتاج ، كما تنبع كل العلاقات والظواهر الاجتماعية ، في زعم الماركسية . . وإنما تنبع من الحاجة إلى تبادل الأفكار ، بوصفها المظهر المادي للفكر . فلم تنشأ اللغة - إن - من القاعدة الرئيسية المزعومة ، من عملية الإنتاج ، بالرغم من أنها أهم ظاهرة اجتماعية على الاطلاق . . وإنما كانت هي الشرط الضروري تاريخياً ، في وجود هذه القاعدة المزعومة .
وأكبر دليل يمكننا أن نقدمه على ذلك هو استقلال اللغة في تطورها عن الإنتاج وقواه . فلو كانت اللغة وليدة الإنتاج ، وليدة القاعدة المزعومة ، لتطورت وتغيرت ، تبعاً لتطور أشكال الإنتاج وتغيرها ، كما تتغير تبعاً لذلك جميع الظواهر والعلاقات الاجتماعية . في رأي الماركسية ، ولا يوجد ماركسي واحد - وحتى ستالين - يجرأ على القول : بأن اللغة الروسية - مثلاً - تغيرت بعد الثورة الاشتراكية ، وتبدلت إلى لغة جديدة ، أو أن الآلة البخارية التي غيرت القاعدة الأساسية للمجتمع ، وأحدثت ثورة كبرى في أسلوب الإنتاج قد جاءت بلغة جديدة للانكليز ، غير اللغة التي كانوا يتكلمون بها قبل ذلك ، فالتاريخ يؤكد - إذن - أن اللغة مستقلة عن الإنتاج ، في استمراريتها وتطورها . وليس ذلك إلا لأنها لم تنبع من هذا الشكل أو ذاك ، من أشكال الإنتاج ، وإنما نبعت عن فكر وحاجة هما أعمق وأسبق من كل ممارسة للإنتاج الاجتماعي مهما كان شكلها .
2 - الفكر والماركسية ويمكن أن نعتبر أخطر وأهم النقاط الجوهرية في المفهوم المادي للتاريخ عند الماركسية ، هذا العلاقة ، التي تؤكد عليها بين الحياة الفكرية للانسان ، بشتى ألوانها ومناحيها ، وبين الوضع الاقتصادي ، وبالتالي وضع القوى المنتجة الذي يحدد كل المضمون التاريخي لكيان الانسان فالفكر مهما اتخذ من أشكال عليا ، ومهما ابتعد في مجاله الاجتماعي عن القوى الأساسية ، من اشكال عليا ، ومهما ابتعد في مجال الاجتماعي عن القوة الأساسية ، واتخذ سبيله في منعطفات تاريخية