بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 160


فالماركسية لا تشير إلى هذه المضاعفات للشيوعية البدائية ، بصفتها عاملاً في فشلها واختفائها عن مسرح التاريخ ، وقيام الأفراد النشيطين باستعباد الكسالى واستخدامهم في مجالات الإنتاج ، بالقوة .
وهذا موقف مفهوم من الماركسية تماماً ، فإنها لا تعترف بما نجم عن الشيوعية من كسل وخمول شامل ، لأن ذلك يضع يدنا على الداء الأصيل في الشيوعية ، الذي جد في إطاره منذ فجر الحياة ، ويبرهن على أنها لا تصلح للطبيعة الانسانية ، ويقدّم الدليل على أن ما حصل من مضاعفات مشابهة لذلك ، خلال محاولة الثورة الحديثة في روسيا ، لتطبيق الشيوعية تطبيقاً كاملاً لم يكن نتيجة للأفكار الماركسيون ، وإنما كانت تعبيراً عن واقع الإنسان ودوافعه ومشاعره الذاتية ، التي خلقت معه قبل أن تولد الطبقية ، وتناقضاتها وأفكارها .
المجتمع العبودي :
وبتحول المجتمع من الشيوعية البدائية ، إلى مجتمع عبودي ، تبدأ المرحلة الثانية في المادية التاريخية . وببدئها تولد الطبقية في المجتمع ، وينشأ التناقض الطبقي بين طبقة السادة وطبقة العبيد ، الأمر الذي قذف المجتمع في أتون الصراع الطبقي لأول مرة في التاريخ ، ولم يزل هذا الصراع قائماً حتى اليوم بأشكال مختلفة ، تبعاً لنوعية القوى المنتجة ومتطلباتها .
ومن الضروري ان نثير هنا سؤالاً - في وجه الماركسية - عن هذه الانقسامة الفاصلة في حياة البشرية ، التي قسمت المجتمع إلى طبقتين : سادة وعبيد : كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك ، وكتب على هؤلاء الرق والعبودية ؟ ولماذا لم يقم السادة بدور العبيد ، والعبيد بدور السادة ؟
وللماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال ، فهي تقول : إن كلاً من السادة


صفحه 161


والعبيد قد مثّل الدور المحتوم ، الذي يفرضه العامل الاقتصادي ومنطق الإنتاج . لأن الجماعة التي مثلت دور السيادة في المجتمع ، كانت على مستوى عال من الثروة نسبياً ، وكانت تملك بسبب ذلك القدرة على ربط الآخرين بها ، برباط الرق والعبودية . ولكن اللغز يبقى - بالرغم من هذا الجواب - كما هو ، لم يتغير ، لأننا نعلم أن هذه الثروات الضخمة نسبياً ، لم تهبط على الأسياد من السماء . فكيف حصل عليها هؤلاء دون غيرهم ، واستطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين ، مع أن الجميع كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد ؟ !
وتجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين :
أحدهما : ان الأفراد الذين كانوا يزاولون مهام الرؤساء ، والقادة الحربيين ، ورجال الدين ، في المجتمع الشيوعي البدائي ، أخذوا يستغلون مركزهم ، لكي يحصلوا على الثروة ، فامتلكوا جزءاً من الملكية الشائعة ، وبدأوا ينفصلون شيئاً فشيئاً تحت تبعيتهم الاقتصادية[1].
والآخر : إن مما ساعد على إيجاد التفاوت والتناقض ، في مستويات الإنتاج والثروة بين أفراد المجتمع . ان جماعة حوّلت أسرى الحرب إلى عبيد ، وصارت تربح بسبب ذلك النتاج الفائض عن حاجتهم الضرورية حتى أثرت ، واستطاعت نتيجة لثروتها أن تستعبد أعضاء القبيلة ، الذين تجردوا من أموالهم وأصبحوا مدينين[2].
وكلا هذين الأمرين لا يتفقان مع وجهة نظر المادية التاريخية ، أما الأول : فلأنه يؤدي إلى اعتبار العامل السياسي ، عاملاً أساسياً ، والعامل الاقتصادي عاملاً ثانوياً منبثقاً عنه ، لأنه يفترض أن المكانة السياسية ، التي كان القواد ورجال الدين والرؤساء يتمتعون بها في المجتمع الشيوعي اللا طبقي ، هي التي شقّت لهم الطريق إلى الإثراء ، وإيجاد ملكيات خاصة ، فالظاهرة الطبقية إذن وليدة الكيان السياسي ، وليس العكس ، كما تقرر المادية التأريخية .


[1]تطور الملكية الفردية ، ص 32 .
[2]المصدر السابق ص 33 .


صفحه 162


وأما السبب الثاني ، الذي فسرت به الماركسية تفاوت الثروات : فهو لا يتقدم في حل المشكلة إلا خطوة واحدة ، إذ يعتبر أن استرقاق السادة للعبيد من أبناء القبيلة ، قد سبقه تاريخياً استرقاق أولئك السادة لأسرى الحرب ، وإثرائهم على حساب هؤلاء الأسرى وأما لماذا هيأت الفرص لأولئك السادة بالذات ، دون غيرهم من أعضاء القبيلة ، استرقاق الأسرى ؟ فهذا ما لا تحاول الماركسية تفسره ، لأنها لا تجد تفسيره في القوى المنتجة ، وإنما يمكن تفسره تفسيراً انسانياً ، على أساس الفوارق والكفاءات المتفاوتة : البدنية والفكرية والعسكرية ، التي يولد الناس وهم يختلفون في حظوظهم منها ، طبقاً لظروفهم وشروطهم النفسية والفسيولوجية والطبيعية . . .
المجتمع الإقطاعي ونشا المجتمع الإقطاعي بعد ذلك ، نتيجة للتناقضات التي كانت تعمل في المجتمع العبودي ، وأساس هذه التناقضات ، التناقض بين علاقات النظام العبودي ، ونمو القوى المنتجة ، إذ أصبحت تلك العلاقات بعد فترة طويلة ، من حياة المجتمع العبودي ، عائقة عن نمو الإنتاج ، وعقبة في سبيله من ناحيتين :
إحداهما : أنها فسحت المجال أمام الأسياد ، لاستغلال العبيد - بوصفهم القوة المنتجة - استغلالاً وحشياً ، فتهاوى آلاف العبيد في ميدان العمل ، بسبب ذلك ، الأمر الذي كلّف الإنتاج نقصاً كبيراً في القوة المنتجة ، المتمثلة في أولئك العبيد .
والأخرى : أن تلك العلاقات ، حولت بالتدريج أكثر الأحرار من الفلاحين والحرفيين ، إلى عبيد ، ففقد المجتمع - بسبب ذلك - جيشه وجنوده الأحرار ، الذين كان المجتمع يحصل عن طريق غزواتهم المتلاحقة ، على سيل مستمر من العبيد المنتجين ، وهكذا أدى النظام العبودي ، إلى التبذير بالقوى المنتجة الداخلية ، والعجز عن استيراد قوى منتجة جديدة ، إلى التبذير بالقوى المنتجة الداخلية ، والعجز عن استيراد قوى منتجة جديدة ، عن طريق الغزو والأسر ، وقام لأجل هذا التناقض الشديد بينه وبين قوى الإنتاج ، فتقوض المجتمع العبودي ، وخلفه النظام الإقطاعي . . .


صفحه 163


وتغفل الماركسية في هذا العرض عدة نقاط جوهرية في الموضوع .
فأولاً : ان تحوّل المجتمع الروماني مثلاً ، من النظام العبودي إلى الإقطاع ، لم يكن تحولاً ثورياً ، منبثقاً عن صراع الطبقة المحكومة ، كما يفرضه المنطق الديالكتيكي للمادية التاريخية .
وثانياً : ان هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي ، لم يسبقه أي تطور في القوى المنتجة . كما تتطلبه الفرضية الماركسية القائمة على أساس : ان وسائل الإنتاج هي القوة العليا المحركة للتاريخ .
وثالثاً : إن الوضع الاقتصادي ، الذي هو أساس الأوضاع الاجتماعية في رأي الماركسية ، لم يكن في تغيره التاريخي معبّراً ، عن مرحلة تكاملية من تاريخه ، بل مني بنكسة ، خلافاً لمفاهيم المادية التاريخية ، التي تؤكد أن التاريخ يزحف في حركته إلى الأمام دائماً ، وأن الوضع الاقتصادي هو طليعة هذا الزحف الدائم ، ونعالج هذه النقاط الثلاث بتفصيل .
أ - لم يكن التحول ثورياً :
إن تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من نظام الرق إلى نظام الإقطاع ، لم يكن نتيجة لثورة طبقية ، في لحظة فاصلة من لحظات التاريخ ، بالرغم من أن الثورة قانون حتمي في المادية التاريخية لكل التحولات الاجتماعية ، وفقاً للقانون الديالكتيكي ( قانون قفزات التطور ) القائل : بأن التغييرات الكمية التدريجية ، تتحمل إلى تغير كيفي دفعي ، وهكذا عطل هذا القانون الديالكتيكي عن العمل ، ولم يؤثر في تحولي المجتمع العبودي إلى إقطاعي ، بشكل ثوري آني ، وإنما تحول المجتمع - حسب إيضاحات الماركسية نفسها - عن طريق السادة أنفسهم ، إذ اخذوا يعتقون كثيراً من عبيدهم ، ويقسمون الأملاك الكثيرة إلى أجزاء صغيرة ، ويعطونها إليهم ، بعد أن أحسوا بأن نظام الرق لا يضمن لهم مصالحهم[1].


[1]راجع تطور الملكية الفردية ص 53 .


صفحه 164


فالطبقة المالكة - إذن - قد حولت المجتمع بالتدريج إلى النظام الإقطاعي ، دون حاجة إلى قانون الثورة الطبقية ، أو قفزات التطور . . . وكان غزو الجرمان من الخارج ، عاملاً آخر في تكوين الإقطاع - حسب اعتراف الماركسية نفسها - وهو بدوره أيضاً بعيد عن تلك القوانين .
ومن الطريف ، أن الثورات التي كان يجب - وفقاً للمادية التاريخية - أن تنفجر في لحظة التحول الفاصلة ، نجد أنها قد شبت قبل انهيار المجتمع العبودي بقرون ، كحركة الأرقاء في ( أسبرطة ) قبل الميلاد بأربعة قرون ، التي تجمعت فيها الألوف من الأرقاء ، قريباً من المدينة ، وحاولت اقتحامها ، والجأت قادة ( أسبرطة ) إلى طلب المساعدة العسكرية من جيرانهم ، ولم يتمكنوا من صد الأرقاء الثائرين إلا بعد سنين عديدة . وكذلك حركة العبيد في الدولة الرومانية التي تزعّمها ( سبرتاكوس ) قبل الميلاد بسبعين سنة تقريباً ، واحتشد فيها عشرات الألوف من العبيد ، وكادت أن تقضي على كيان الإمبراطورية . وقد سبقت هذه الثورة نشوء المجتمع الإقطاعي بعدة قرون ، ولم تنتظر إلى أن توجد التناقضات وتشتد بين العلاقات وقوى الإنتاج ، وإنما كانت تستمد وقودها من وعي متزايد بالاضطهاد ، وقدرة تكتلية وعسكرية وقيادية ، تفجّر ذلك الوعي ، بالرغم من وسائل الإنتاج ، التي كانت حينئذ على وئام مع النظام العبودي . فمن الخطأ إذن أن نفسر كل ثورة على أساس تطور معين في الإنتاج أو بوصفها تعبيراً اجتماعياً عن حاجة من حاجات القوى المنتجة .
ولنقارن - بعد هذا - بين تلك الثورات الهائلة ، التي شنها العبيد على نظام الإنتاج العبودي - قبل أن يتخلى عن الميدان إلى النظام الإقطاعي بقرون عديدة ، وبين ما كتبه أنجلز قائلاً :
( ما دام أسلوب إنتاجيّ ما ، لا يزال يرسم مدرجاً متصاعداً في سلم التطور ، فإنه لا يفتأ يقابل بحماس وترحاب ، حتى من لدن أولئك الذين ازدادت حالتهم سوءاً ، جرّاء أسلوب التوزيع المتماثل وإياه ) . ( 1 )

ضد دوهرنگ ج 2 ص 9 .


صفحه 165


فكيف نفسر تلك الثورات من العبيد ، التي سبقت تطور العبودية إلى الاقطاع بستة قرون ، في إطار هذه النظرية الضيقة إلى الثورات ، وإذا كان تبرم المضطهدين ينشأ دائماً ، كتعبير عن تعثر أسلوب الإنتاج ، لا عن حالتهم النفسية والواقعية ، فلماذا تبرمت تلك الجماهير من العبيد ، وعبّر عن تبرمها تعبيراً ثورياً ، كاد أن يعصف بالإمبراطورية ، قبل أن يتعثر أسلوب الإنتاج ، القائم على النظام العبودي ، وقبل أن توجد الضرورة التاريخية لتطويره بعدة قرون .
ب - لم يسبق التحوّل الاجتماعي أي تجدد في قوى الإنتاج :
من الواضح عن الماركسية أنها تؤمن : بأن أشكال العلاقات الاجتماعية تابعة لأشكال الإنتاج . فكل شكل من الإنتاج ، يتطلب شكلاً خاصاً من علاقات الملكية الاجتماعية ، ولا تتطور هذه العلاقات إلا تبعاً لتغير شكل الإنتاج ، وتطور القوى المنتجة .
( ( إن أي تكوين اجتماعي ، لا يموت أبداً ، قبل أن تتطور القوى المنتجة ، التي تستطيع أن يفسح لها المجال ماركس ) )[1].
وبينما تؤكد الماركسية هذا ، نجد أن شكل الإنتاج كان واحداً في المجتمع العبودي والإقطاعي معاً ، ولم تتغير العلاقات العبودية إلى إقطاعية نتيجة لأي تطور أو تجديد في القوى المنتجة السائدة ، التي كانت لا تعدو مجالات الزراعة والخدمة اليدوية . ومعنى ذلك أن التكوين الاجتماعي والعبودي ، قد مات قبل أن تتطور القوى المنتجة ، خلافاً لتأكيد ماركس الآنف الذكر .
وفي مقابل ذلك نجد : أن أشكالاً متعددة من الإنتاج ودرجات مختلفة ، تخطّتها القوى المنتجة خلال آلاف السنين ، دون أن يحصل أي تحوّل في الكيان الاجتماعي باعتراف الماركسية نفسها . فالانسان البدائي كان يستعين في إنتاجه بالأحجار الطبيعية ، ثم استعان بأدوات حجرية ، وبعد ذلك استطاع أن يكتشف النار ، وأن يصنع الفؤوس والحراب ، ثم تطورت قوى الإنتاج ، فظهرت الأدوات المعدنية والسهام


[1]فلسفة التأريخ ص 47 .


صفحه 166


والأقواس ، ثم ظهر الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان وبعده الإنتاج الحيواني . وقد تمت هذه التحولات الكبرى في أشكال الإنتاج ، وتتابعت تطوراته في المجتمع البدائي ، بالتسلسل الذي ذكرناه أو بتسلسل آخر دون أن تواكبها تحولات اجتماعية وتطورات في العلاقات العامة ، باعتراف الماركسية نفسها ، إذ أنها تؤمن بأن النظام السائد في المجتمع البدائي ، الذي حدثت خلاله كل تلك التطورات ، كان هو الشيوعية البدائية .
فإذا كان من الممكن أن تتطور أشكال الإنتاج ، والشكل الاجتماعي ثابت كما في المجتمع البدائي مثلاً ، وكان من الممكن أن تتطور الأشكال الاجتماعية ، وشكل الإنتاج ثابت ، كما رأينا في المجتمع العبودي والإقطاعي . فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على : أن كل تكوين اجتماعي يرتبط بشكل معين ودرجة خاصة من الإنتاج ؟ ! ولماذا لا تقول الماركسية : إن النظام الاجتماعي إنما هو حصيلة الأفكار العملية ، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الاجتماعية ، للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين ، كما أن أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار التأملية والعلمية ، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الطبيعية ، لقوى الإنتاج وسائر قوى الكون . وحيث ان التجارب الطبيعة قصيرة الأمد ، فمن الممكن أن تتوفر وتتجمع بسرعة نسبياً ، فتتطور أشكال الإنتاج بصورة سريعة ، على العكس من التجربة الاجتماعية ، فإنها تعني تاريخ مجتمع برمتّه ، فلا تنمو الأفكار العلمية خلال هذه التجربة البطيئة ، بنفس السرعة التي تنمو بها الأفكار التأملية والعملية خلال التجربة الطبيعية ، ومن الطبيعي عندئذ أن لا تتطور في البدء أشكال النظام ، بنفس السرعة التي تتطور بها أشكال الإنتاج .
ج - الوضع الاقتصادي لم يتكامل :
سبق أن مر بنا : أن الماركسية تفسر زوال النظام العبودي ، بأنه أصبح معيقاً للإنتاج عن النمو ومناقضاً له ، فكان من الضروري أن تزيحه القوى المنتجة عن طريقها ،


صفحه 167


وتصنع وضعاً اقتصادياً يواكبها في نموها ولا يناقضها . فهل ينطبق هذا على الواقع التاريخي حقاً ؟ .
هل إن ظروف المجتمع وشروطه الاقطاعية ، كانت أكثر مواكبة لنمو الإنتاج من شروطه وظروفه قبل ذلك ؟ . وهل سار الوضع الاقتصادي - ومن خلفه القافلة البشرية كلها - في خط صاعد ، كما تتطلبه طبيعة الحركة التاريخية عند الماركسيين ، الذين يفهمونها على أنها عملية تكامل مستمر للمحتوى التاريخي كله ، تبعاً لتكامل الوضع الاقتصادي ونموه ؟ .
إن شيئاً من ذلك لم يحدث ، على الوجه الماركسي المفروض . ويكفي لمعرفة ذلك أن نلقي نظرة على الحياة الاقتصادية ، التي كانت الإمبراطورية الرومانية تعيشها . فلقد بلغت - وعلى الأخص في اجزاء معينة منها - مستوى اقتصادياً رفيعاً ، ونمت فيها الرأسمالية التجارية نمواً كبيراً . ومن الواضح أن الرأسمالية التجارية من الأشكال الاقتصادية الراقية ، وإذا كانت الإمبراطورية الرومانية قد جرّبت هذا الشكل - كما يدل عليه تاريخها - فقد وصلت إذن إلى درجة عالية نسبياً في تركيبها الاقتصادي ، وابتعدت شوطاً كبيراً عن ألوان الاقتصاد البدائي المغلق ( اقتصاديات البيت ) ، وكان من أثر ذلك أن التجارة راجت في مختلف الدول التي عاصرتها الإمبراطورية الرومانية ، بفضل تعبيد الطرق وتأمينها وحماية الملاحة ، فضلاً عن التجارة الداخلية التي ازدهرت داخل أرجاء الإمبراطورية ، بين إيطاليا والولايات وبين الولايات بعضها مع بعض حتى أن الأواني الفخارية لإيطاليا ، كانت تكتسح السوق العالمية ، من بريطانيا شمالاً إلى شواطئ البحر الأسود شرقاً . ودبابيس الأمن التي تميزت بها ( أوكيسا ) انتشرت عن طريق التجارة في جميع الولايات ، ووصلت إلى شواطئ البحر الأسود . والمصابيح التي كانت المصانع الإيطالية تنتجها بكميات هائلة ، عثر عليها في كل جزء من أجزاء الإمبراطورية .
والسؤال الذي يواجهنا على ضوء هذه الحقائق هو : لماذا لم تواصل الأوضاع الاقتصادية والرأسمالية التجارية نموها وتكاملها ، ما دامت الحركة التكاملية