والأقواس ، ثم ظهر الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان وبعده الإنتاج الحيواني . وقد تمت هذه التحولات الكبرى في أشكال الإنتاج ، وتتابعت تطوراته في المجتمع البدائي ، بالتسلسل الذي ذكرناه أو بتسلسل آخر دون أن تواكبها تحولات اجتماعية وتطورات في العلاقات العامة ، باعتراف الماركسية نفسها ، إذ أنها تؤمن بأن النظام السائد في المجتمع البدائي ، الذي حدثت خلاله كل تلك التطورات ، كان هو الشيوعية البدائية .
فإذا كان من الممكن أن تتطور أشكال الإنتاج ، والشكل الاجتماعي ثابت كما في المجتمع البدائي مثلاً ، وكان من الممكن أن تتطور الأشكال الاجتماعية ، وشكل الإنتاج ثابت ، كما رأينا في المجتمع العبودي والإقطاعي . فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على : أن كل تكوين اجتماعي يرتبط بشكل معين ودرجة خاصة من الإنتاج ؟ ! ولماذا لا تقول الماركسية : إن النظام الاجتماعي إنما هو حصيلة الأفكار العملية ، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الاجتماعية ، للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين ، كما أن أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار التأملية والعلمية ، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الطبيعية ، لقوى الإنتاج وسائر قوى الكون . وحيث ان التجارب الطبيعة قصيرة الأمد ، فمن الممكن أن تتوفر وتتجمع بسرعة نسبياً ، فتتطور أشكال الإنتاج بصورة سريعة ، على العكس من التجربة الاجتماعية ، فإنها تعني تاريخ مجتمع برمتّه ، فلا تنمو الأفكار العلمية خلال هذه التجربة البطيئة ، بنفس السرعة التي تنمو بها الأفكار التأملية والعملية خلال التجربة الطبيعية ، ومن الطبيعي عندئذ أن لا تتطور في البدء أشكال النظام ، بنفس السرعة التي تتطور بها أشكال الإنتاج .
ج - الوضع الاقتصادي لم يتكامل :
سبق أن مر بنا : أن الماركسية تفسر زوال النظام العبودي ، بأنه أصبح معيقاً للإنتاج عن النمو ومناقضاً له ، فكان من الضروري أن تزيحه القوى المنتجة عن طريقها ،
وتصنع وضعاً اقتصادياً يواكبها في نموها ولا يناقضها . فهل ينطبق هذا على الواقع التاريخي حقاً ؟ .
هل إن ظروف المجتمع وشروطه الاقطاعية ، كانت أكثر مواكبة لنمو الإنتاج من شروطه وظروفه قبل ذلك ؟ . وهل سار الوضع الاقتصادي - ومن خلفه القافلة البشرية كلها - في خط صاعد ، كما تتطلبه طبيعة الحركة التاريخية عند الماركسيين ، الذين يفهمونها على أنها عملية تكامل مستمر للمحتوى التاريخي كله ، تبعاً لتكامل الوضع الاقتصادي ونموه ؟ .
إن شيئاً من ذلك لم يحدث ، على الوجه الماركسي المفروض . ويكفي لمعرفة ذلك أن نلقي نظرة على الحياة الاقتصادية ، التي كانت الإمبراطورية الرومانية تعيشها . فلقد بلغت - وعلى الأخص في اجزاء معينة منها - مستوى اقتصادياً رفيعاً ، ونمت فيها الرأسمالية التجارية نمواً كبيراً . ومن الواضح أن الرأسمالية التجارية من الأشكال الاقتصادية الراقية ، وإذا كانت الإمبراطورية الرومانية قد جرّبت هذا الشكل - كما يدل عليه تاريخها - فقد وصلت إذن إلى درجة عالية نسبياً في تركيبها الاقتصادي ، وابتعدت شوطاً كبيراً عن ألوان الاقتصاد البدائي المغلق ( اقتصاديات البيت ) ، وكان من أثر ذلك أن التجارة راجت في مختلف الدول التي عاصرتها الإمبراطورية الرومانية ، بفضل تعبيد الطرق وتأمينها وحماية الملاحة ، فضلاً عن التجارة الداخلية التي ازدهرت داخل أرجاء الإمبراطورية ، بين إيطاليا والولايات وبين الولايات بعضها مع بعض حتى أن الأواني الفخارية لإيطاليا ، كانت تكتسح السوق العالمية ، من بريطانيا شمالاً إلى شواطئ البحر الأسود شرقاً . ودبابيس الأمن التي تميزت بها ( أوكيسا ) انتشرت عن طريق التجارة في جميع الولايات ، ووصلت إلى شواطئ البحر الأسود . والمصابيح التي كانت المصانع الإيطالية تنتجها بكميات هائلة ، عثر عليها في كل جزء من أجزاء الإمبراطورية .
والسؤال الذي يواجهنا على ضوء هذه الحقائق هو : لماذا لم تواصل الأوضاع الاقتصادية والرأسمالية التجارية نموها وتكاملها ، ما دامت الحركة التكاملية
قانوناً حتمياً للأوضاع الاقتصادية والإنتاجية ! ! ولماذا لم تتطور الرأسمالية التجارية إلى رأسمالية صناعية ، كما حدث في منتصف القرن الثامن عشر ، ما دامت رؤوس الأموال الكبيرة متوفرة عند التجار ، وجماهير الأحرار التي كانت تزداد بؤساً وحاجة ، حاضرة لتلبية طلبات الرأسمالية الصناعية ، والاستجابة لمتطلباتها ! ! إن هذا يعني أن الشروط المادية للشكل الاجتماعي الأغلى كانت موجودة ، فلو كانت الشروط المادية كافية وحدها لتطوير الواقع الاجتماعي ، وكانت قوى الإنتاج في تطورها تخلق دائماً الأوضاع ، التي تنطلق في ضمنها وتنمو . . لوجب أن تنمو الرأسمالية في التاريخ القديم ، وأن تستجيب لمتطلبات الإنتاج ، ولكان من المنطقي أن تظهر الرأسمالية الصناعية ، ونتائجها التي تمخضت عنها ، في نهاية عهد الاقطاع ، كتقسيم العمل الذي أدى إلى ظهور الآلات في الحياة الصناعية .
ولا يبرهن الواقع التاريخي على عدم ظهورها ، وعلى عدم مواصلة الرأسمالية لنموها فحسب ، بل هو يكشف بوضوح أن قيام النظام الإقطاعي قضى على الرأسمالية التجارية ، وخنقها في مهدها نهائياً ، إذ جعل لكل إقطاعية حدودها الخاصة ، اقتصادها المغلق القائم على أساس اكتفائها بحاصلاتها الزراعية ومنتوجاتها البسيطة ، فكان من الطبيعي أن يتلاشى النشاط التجاري ، وتزول الرأسمالية التجارية ، ويعد المجتمع إلى اقتصاد شبه بدائي من اقتصاديات البيت .
فهل كان هذا الوضع الاقتصادي ، الذي مني به المجتمع الروماني بعد دخول الجرمان إليه ، تعبيراً عن نمو تاريخي ، ومواكبة لمتطلبات الإنتاج ، أو كان نكسة خارجة على قوانين المادية التاريخية ، وعقبة في سبيل النمو المادي وازدهار الحياة الاقتصادية ؟ ؟ !
وأخيراً وجد المجتمع الرأسمالي وأخيراً بدأ النظام الإقطاعي يحتضر ، بعد أن أصبح مشكلة تاريخية وعقبة في وجه الإنتاج ، تتطلب حلاً حاسماً . وكانت الشروط التاريخية قد خلقت هذا الحل
مائلاً في الرأسمالية ، التي برزت على المسرح الاجتماعي لتواجه النظام الإقطاعي ، بوصفها النقيض التاريخي له الذي نما في ظله ، حتى إذا اكتمل نموه قضى عليه وكسب المعركة . . . وهكذا يصف لنا ماركس نشوء المجتمع الرأسمالي بقوله :
( ( لقد خرج النظام الاقتصادي الرأسمالي ، من أحشاء النظام الإقطاعي ، وانحلال أحدهما أدى إلى انبثاق العناصر التكوينية للثاني ) )[1].
ومنذ يبدأ ماركس بتحليل الرأسمالية تاريخياً ، يعلق أهمية كبيرة من تحليل ما يطلق عليه اسم : التراكم الأولي لرأس المال . وهذه النقطة هي بحق أول النقاط الجوهرية ، التي تعتبر ضرورية لتحليل الوجود التاريخي للرأسمالية . فإذا كانت قد وجدت طبقة جديدة في المجتمع ، على أنقاض الاقطاع المتداعي ، تملك رؤوس أموال ، وتتمكن في سبيل تنميتها من استثمار جهود الاجراء . فلابد من أن نفترض مسبقاً عوامل ومؤثرات خاصة ، أدّت إلى تراكم مالي كبير ، في ثروات طبقة معينة ، وتجمع قوى عمّالية ضخمة أتاح لتلك الطبقة ، تحويل ثرواتها إلى رؤوس أموال ، وتحويل تلك القوى العمالية إلى أجراء ، يمارسون عمليات الإنتاج الرأسمالي بأجرة . فما هي تلك العوامل والمؤثرات التي أتاحت هذا الظرف السعيد لتلك الطبقة ؟ وبالأحرى ما هو سر التراكم الرأسمالي الأول ، الذي قامت على أساسه الطبقة الرأسمالية ، تقابلها من الناحية الأخرى طبقة الأجراء ؟
وحين حاول ماركس تحليل هذه النقطة ، بدأ أولاً باستعراض وجهة النظر التقليدية للاقتصاد السياسي القائلة : أن السبب الذي مكّن لطبقة معينة من المجتمع دون غيرها ، أن تحصل على الشروط الاقتصادية للإنتاج الرأسمالي ، والثروات اللازمة لذلك ، هو ما تمتاز به تلك الطبقة من ذكاء واقتصاد وحسن تدبير ، جعلها توفر شيئاً من دخلها بالتدريج وتدّخره ، حتى استطاعت أن تحصل على رأس مال .
وقد عرض ماركس لهذه النظرية الكلاسيكية ، بطريقته المألوفة في عرض الأفكار المناهضة له ، بسخرية لاذعة ، واستخفاف بالغ ، وانتهى من سخريته إلى أن الادخار
[1]رأس المال ج 3 ، ق 2 ، ص 1053 .
لا يكفي وحده تعليلاً لوجود الطبقة الرأسمالية ، وإنما يجب لكي نصل إلى سر التراكم الرأسمالي الأول ، الذي قامت على أساسه الطبقة الجديدة أن نفحص مضمون النظام الرأسمالي نفسه ، ونفتش في أعماقه عن ذلك السر المعقد .
ويستعين ماركس هنا بموهبته الفذة في التعبير ، وسيطرته على التصرف بالألفاظ كيف شاء ، للتدليل على وجهة نظره فيقرر : أن النظام الرأسمالي يبرز لنا علاقة من نوع خاص ، بين الرأسمالي الذي يملك وسائل الإنتاج ، وبين الأجير الذي يتخلى بحكم تلك العلاقة عن كل حق من حقوق الملكية ، على منتوجه ، لا لشيء إلا لأنه لا يملك سوى طاقة عملية محدودة ، بينما يملك الرأسمالي جميع الشروط الخارجية اللازمة : المادة والأدوات ونفقات المعيشة - لتجسيد تلك الطاقة . فموقف الأجير في النظام الرأسمالي ، إنما هو نتيجة لفقده وسائل الإنتاج التي يتمتع بها الرأسمالي ، وانفصاله عنها ، ومعنى هذا : أن أساس العلاقة الرأسمالية يقوم ، على الانفصال الجذري بين وسائل الإنتاج والأجير ، وبالرغم من أنه هو المنتج الذي يباشر تلك الوسائل ، فهذا الانفصال هو الشرط الضروري تاريخياً لتكون العلاقات الرأسمالية . فلكي يولد النظام الرأسمالي ، يجب إذن أن يكون قد جرى بالفعل انتزاع وسائل الإنتاج من المنتجين ، دون أخذ ولا رد ، أولئك المنتجين الذين كانوا يستخدمونها لتحقيق عملهم الخاص ، ويجب أن تصبح هذه الوسائل المنتجة محصورة في أيدي التجاريين الرأسماليين . فالحركة التاريخية التي تحقق الانفصال بين المنتج ووسائل الإنتاج ، وتحصر هذه الوسائل في أدي التجاريين ، هي إذن مفتاح السر للتراكم الرأسمالي الأول . وقد تمت هذه الحركة التاريخية بأساليب : من الاستعباد ، والاغتصاب المسلح ، والنهب ، وألوان العنق ، دون أن يساهم في إنجازها التدبير والاقتصاد ، والكياسة ، والذكاء ، كما تتخيل مراجع الاقتصاد السياسي التقليدي[1].
ومن حقنا أن نتساءل : هل نجح ماركس في تفسيره هذا للتراكم الأولي ، الذي كان أساساً للنظام الرأسمالي ؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال ، يجب أن نعرف أن
[1]راجع رأس المال ج 3 ، ق 3 ، ص 1055 .
ماركس ، حين قدم هذا التفسير ، لم يكن يهدف من وراءه إلى إدانة الرأسمالية أخلاقياً ، بصفتها قائمة على أساس النهب والاغتصاب ، وإن بدا في بعض الأحايين وكأنه يحاول شيئاً من ذلك . . . لأن ماركس يعتبر الرأسمالية - في ظرف تكوّنها - حركة زحف إلى الأمام ، ساعدت على السير بالإنسان في المنحنى التاريخي ، نحو المرحلة العليا لحركة التطور البشري . فهي تتفق في ذلك الظرف - من وجهة رأيه - مع القيم الخلقية ، إذ ليست القيم الخلقية عنده إلا وليدة الظروف الاقتصادية ، التي تتطلبها وسائل الإنتاج ، فإذا كانت القوى المنتجة تتطلب قيام النظام الرأسمالي ، فمن الطبيعي أن تتكيف القيم الخلقية في تلك المرحلة التاريخية طبقاً لمتطلباتها[1].
فليس من هدف ماركس إذن - ولا من حقه أن يستهدف على أساس مفاهيمه الخاصة - الحكم على الرأسمالية ، من وجهة نظر أخلاقية ، وإنما يهدف في دراسته للرأسمالية إلى تطبق المادية التاريخية على مجرى التطور التاريخي ، وتحليل الأحداث وفقاً لها . فما هو نصيبه من التوفيق في هذه الناحية ؟
يمكننا قبل كل شيء أن نلاحظ بهذا الصدد ، ما أصابه ماركس من التوفيق وما أتقنه بذكاء وبراعة من التصرف البارع بالألفاظ . ذلك أنه لاحظ لدى تحليل النظام الرأسمالي ، أن هذا النظام يتضمن في أعماقه علاقة معينة ، بين رأسمالي يملك وسائل الإنتاج وأجير لا يملك شيئاً منها ، وهو لذلك يتنازل عن منتوجه إلى الرأسمالي ، أن هذا النظام الرأسمالي يتوقف على عدم وجود القوى المنتجة عند الفئات العاملة القادرة على ممارسة الإنتاج ، وانحصارها لدى التجاريين ، لتضطر تلك الفئات إلى العمل لأجرة عند هؤلاء . وهذه الحقيقة تعتبر واضحة دون مراء ، غير أن ماركس كان بحاجة إلى لعبة لفظية ليصل عن طريق هذه الحقيقة إلى ما يعنيه ، ولذلك غيرّ من تعبيره ، وانتقل من قوله ذاك إلى التأكيد على : أن سر التراكم الأول
[1]قال أنجلز : ( ( فإذا كان ماركس يقوم بابراز الجوانب السيئة من الإنتاج الرأسمالي ، فهو يثبت بوضوح مماثل أن هذا الشكل الاجتماعي كان ضرورة ، لكي ترفع بالتدريج المجتمع القوى الإنتاجية ، إلى مستوى يستطيع فيه جميع أعضاء المجتمع أن ينمو بالتساوي قيمهم الإنسانية . رأس المال ملاحق ص 1168 ) ) .
يمكن في فصال وسائل الإنتاج عن المنتجين ، وتجريدهم منها بالقوة ، واختصاص التجاريين بها . وهكذا بدأ هذا المفكر الكبير ، وكأنه لم يدرك الفرق المعنوي بين المقدمات التي ساقها ، والنتيجة التي انتهى إلى التأكيد عليها . فإن تلك المقدمات التي ساقها ، والنتيجة التي انتهى إلى التأكيد عليها . فإن تلك المقدمات كانت تعني : أن عدم وجود الوسائل المنتجة عند جماعات من القادرين على العمل ، ووجودها عند التجاريين ، هو الشرط الأساسي لوجود الرأسمالية ، وهذا يختلف عن النتيجة التي انتهى إليها أخيراً ، والتي فسرت عدم وجود الوسائل لدى الأجراء : بتجريدهم منها وانتزاعها منهم بالقوة . فهذا التجريد والتنازع إذن إضافة جديدة تماماً لا تتضمنها المقدمات التحليلية التي ساقها ، ولا يمكن أن يستنتج منطقياً من تحليل جوهر النظام الرأسمالي ، والعلاقات المحددة فيه بين المالك والأجير .
وقد تقول الماركسية تعليقاً على ما قلناه : صحيح إن النظام الرأسمالي إنما يتوقف فقط على عدم وجود الوسائل المنتجة عند العمال ، وتوفرها عند التجاريين . ولكن كيف نفسر ذلك ؟ ولماذا لم توجد الوسائل المنتجة عند العمال ووجدت عند التجاريين ، لو لم تقم حركة تجريد العمال من وسائلهم المنتجة ، واغتصابها لحساب التجاريين ؟ !
وردنا على هذا القول يتلخص في وجوه :
فأولاً : إن هذا الوصف لا ينطبق على المجتمعات ، التي قامت فيها الرأسمالية على أكتاف الطبقة الاقطاعية ، كما اتفق في ألمانيا مثلاً ، إذ قام عدد كبير من الإقطاعيين بتشييد المصانع ومباشرة إدارتها ، وتمويلها بما كانوا يحصلون عليه من ريع إقطاعي . فليس من الضروري أن يحدث التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية ، على إثر حركة اغتصاب جديد ، ما دام يمكن للاقطاعيين أنفسهم أن يباشروا الإنتاج الرأسمالي ، على أساس ما يملكون من ثروات إقطاعية ، تم لهم استملاكها في مطلع التاريخ الإقطاعي .
وكما لا ينطبق الوصف الماركسي على الرأسمالية الصناعية ، التي نشأت على أكتاف الطبقة الاقطاعية ، كذلك لا ينطبق على الرأسمالية الصناعية ، التي تكونت
من الأرباح التجارية ، كما وقع في الجمهوريات التجارية الإيطالية ( كالبندقية ) و ( جنوا ) و ( فلورنسة ) وغيرها . فإن طبقة من التجاريين وجدت في هذه المدن قبل أن يخلق اجزاء الصناعة ، أي قبل أن يوجد النظام الرأسمالي بمعناه الصناعي ، الذي يفتش ماركس عن جذوره فكان الصناع يعملون لحسابهم الخاص ، وكان أولئك التجار يشترون منهم منتوجاتهم للاتجار بها ، فيجنون الأرباح الطائلة عن طريق التجارة مع الشرق ، التي ازدهرت في أعقاب الحروب الصليبية . وازداد مركزهم التجاري نجاحاً بتمكنهم من احتكار التجارة مع الشرق ، عن طريق التفاهم مع سلاطين المماليك ، أصحاب السيادة على مصر والشام ، فتضاعفت أرباحهم ، واستطاعوا عن هذا الطريق أن يتخلصوا من سلطة الاقطاع ، وبالتالي أن يشيدوا المصانع الكبيرة التي اكتسحت - بالمنافسة - الصناعات اليدوية الصغيرة . فقام على هذا الأساس الإنتاج الرأسمالي ، أو الرأسمالية الصناعية .
وثانياً : أن وجهة النظر الماركسية لا تكفي لحل المشكلة ، لأنها لا تزيد على القول : بأن الحركة التاريخية التي جرّدت العمال المنتجين من وسائلهم ، وحصرتها في أيدي التجاريين ، هي التي خلقت التراكم الرأسمالي الأول ، ولكنها لا تفسر لنا : كيف أن فئة معينة استطاعت أن تكتسب سلطة الإخضاع والعنف ، وتجرّد المنتجين من وسائل إنتاجهم بالقوة ؟
وثالثاً : هب أن سلطة الإخضاع والعنف هذه ليست بحاجة إلى تفسير ، ولكنها لا تصلح أداة ماركسية لتفسير التراكم الرأسمالي الأول ، وبالتالي للنظام الرأسمالي كله ، لأنها ليست تفسيراً اقتصادياً ، فهي لا تنسجم مع جوهر المادية التاريخية ، أن يعلل التراكم الرأسمالي الأول ، ووجود الطبقة الرأسمالية تاريخياً ، بسلطة الاغتصاب والإخضاع ، وهي علة ليست اقتصادية بطبيعتها ؟ ! والحقيقة ان ماركس بهذا التحليل يهدم منطقه التاريخي بنفسه ، ويعترف ضمناً بأن التكوين الطبقي لا يقوم على أساس اقتصادي بحت .