بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 183


إلى أن العمل هو الأساس الوحيد للقيمة .
وكان من المنتظر أن يشجب ( ريكاردو ) الربح الرأسمالي ، ما دام رأس المال لا يخلق قيمة تبادلية جديدة ، وما دامت السلعة مدينة في قيمتها التبادلية لعمل العامل فحسب . غير أن ريكاردو لم يفعل شيئاً من هذا ، واعتبر من المنطقي أن تباع السلعة بسعر يعود بعائد صاف لمن يملك رأس المال ، وفسر ذلك بفترة الوقت التي تمضي بين الاستثمار وظهور المنتجات للبيع . وبهذا اعترف بالزمن بوصفه عاملاً آخر ، لتكون القيمة التبادلية . ومن الواضح أن هذا يعتبر من ريكاردو تراجعاً عن نظريته القائلة : بأن العمل هو الأساس الوحيد للقيمة ، وعجزاً عن الاحتفاظ بالنظرية حتى النهاية .
وأما ماركس فهو حين عالج عناصر الإنتاج ، التي تشترك مع العمل في العملية الإنتاجية ، والتي عالجها ريكاردو من قبله . . أدخل على أفكار سلفه من ناحية شيئاً من التعديل ، وجاء من ناحية أخرى بأفكار جوهرية لها خطرها . فمن الناحية الأولى : درس الريع العقاري ، فأقر تفسير ( ريكاردو ) له ، واستطاع أن يميز بين الريع التفاضلي الذي تحدّث عنه ريكاردو ، والريع المطلق الذي أثبت عن طريقه : أن للأراضي بمجموعها ريعاً قائماً على أساس الاحتكار الطبيعي ، ومحدودية مساحة الأرض[1].
ومن الناحية الثانية : هاجم اعتراف ريكاردو بمنطقية الربح الرأسمالي ، وشن حملة عنيفة ضده ، على أساس نظرية القيمة الفائضة ، التي تعتبر بحث الجزء الماركسي الصميم في البناء النظري الذي شاده ماركس .
كيف وضع ماركس القاعدة الأساسية لاقتصاده ؟
يبدأ ماركس في استدلاله على جوهر القيمة ، بالتفرقة بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية . فالسرير والملعقة ورغيف الخبز مجموعة من السلع ، تتضمن كل


[1]رأس المال ص 1186 .


صفحه 184


واحدة منها قيمة استعمالية معينة ، بسبب المنفعة التي تؤديها السلعة ، وتختلف قيمها الاستعمالية تبعاً لاختلافها في نوعية المنفعة التي يجنيها الإنسان منها . ولكل واحدة من تلك السلع قيمة من نوع آخر ، فإن السرير الخشبي الذي ينتجه الصانع ، كما يمكن أن ينام عليه - وهذا ما يحدد قيمته الاستعمالية - كذلك يمكنه أن يستبدله بثوب يلبسه . وهذا يعبر عن القيمة التبادلية . فالثوب والسرير ، بينما كانا متناقضين في منافعهما وقيمهما الاستعمالية ، نجد أنهما يشتركان في قيمة تبادلية واحدة ، أي ان كلاً منهما يمكن استبداله بالآخر في السوق ، لأن سريراً خشبياً واحداً يساوي ثوباً حريرياً من نوع معين .
وهذه المعادلة تعين أنه يوجد ثمة في شيئين مختلفين : السرير والثوب ، شيء مشترك ، بالرغم من اختلاف منافعهما وموادهما . فالشيئان هما إذن مساويان لشيء ثالث ، ليس في ذاته سريراً ولا ثوباً . وهذا الشيء الثالث لا يمكن أن يكون خاصة طبيعية أو هندسية للبضائع ، لأن خصائصهما الطبيعية لا تدخل في الحساب ، إلا بقدر ما تمنحها من منفعة استعمالية ، ولما كانت القيم والمنافع الاستعمالية في الثوب والسرير مختلفة ، فيجب أن يكون الشيء الثالث المشترك بينهما ، أمراً غير القيم الاستعمالية ومقوماتها الطبيعة فإذا أسقطنا من الحساب هذه القيم وطرحنا جميع الخصائص الطبيعية للثوب والسرير ، لا يبقى بين أيدينا إلا الصفة الوحيدة ، التي تشترك فيها السلعتان ، وهي : العمل البشري ، فكل منهما تجسيد لكمية خاصة من العمل ، ولما كانت الكميتان المنفقتان على السرير والثوب متساويتين ، نتج عن ذلك تساويهما في القيمة التبادلية أيضاً . . .
وهكذا ينتهي تحليل عملية التبادل إلى : أن العمل هو جوهر القيمة التبادلية[1].
ويتحدد ثمن السلعة في السوق بصورة أساسية ، طبقاً لقانون القيمة التبادلية هذا ، أي لكمية العمل البشري المتجسد فيها . غير أن الثمن السوقي لا يطابق مع القيمة التبادلية الطبيعية ، التي يحددها القانون الآنف الذكر ، إلا في حالة معادلة العرض


[1]لاحظ رأس المال ج 1 ، ق 1 ، ف 1 ، ص 44 - 49 .


صفحه 185


للطلب . ومن هنا يمكن لثمن السلعة أن يرتفع عن قيمتها الطبيعية ، وفقاً لنسبة العرض إلى الطلب . فقوانين العرض والطلب تستطيع أن ترفع الثمن أو تخفضه ، أي أن تجعله مناقضاً للقيمة الطبيعة ، ولكن القيم الطبيعة للسلع تحدد بدورها من فعل قوانين العرض والطلب . وزيادة الطلب مثلاً ولكنها لا تسمح لهذا الارتفاع أن يتزايد بشكل غير محدود ، ولذلك نجد أن المنديل - مثلاً - مهما تحكمت فيه قوانين العرض والطلب ، فهي لا تتمكن من رفع ثمنه إلى ثمن السيارة . وهذه القوة الكامنة في المنديل التي تجذب الثمن إليها ، ولا تسمح له بالانطلاق غير المحدود ، هي القيمة التبادلية .
فالقيمة الطبيعية حقيقة ثابتة من وراء الثمن ، تخلقها كميات العمل المتجسدة في السلع . والثمن تعبير سوقي عنها تحدده القيمة الطبيعة ، وتلعب قوانين العرض والطلب دوراً ثانوياً في خفضة ورفعه ، وفقاً لحالة المنافسة ونسبة العرض إلى الطلب ومدى وجود الإحتكار في السوق .
وقد لاحظ ماركس - و ( ريكاردو ) من قبله : أن قانون القيمة هذا لا ينطق على حالات الاحتكار ، لأن القيمة في هذه الحالات تحدد وفقاً لقوانين العرض والطلب ، التي يتحكم فيها المحتكرون ، وكذلك لا ينطبق أيضاً على بعض ألوان الإنتاج الفني والأثري ، كاللوحة التي تنتجها ريشة فنان مبدع ، أو الرسالة الخطية التي يمتد تاريخها إلى مئات السنين ، فيكون لها ثمن مرتفع جداً نظراً إلى طابعها الفني أو التاريخي ، رغم الضآلة النسبية لكمية العمل الممثلة فيها .
ولأجل هذا أعلنت الماركسية أن قانون القيمة القائم على أساس العمل ، يتوقف أولاً : على توفر المنافسة التامة ، فلا يسري إلى حالات الاحتكار . وثانياً : على كون السلعة نتاجاً اجتماعياً يمكن إيجاده عن طريق العمل الاجتماعي دائماً ، فلا يسري القانون على الإنتاج الفردي الخاص ، كاللوحة الفنية والرسالة الخطية .
ونود أن نشير قبل كل شيء إلى ظاهرة خطيرة ، في التحليل الماركسي لجوهر القيمة ، وهي أن ماركس اتبّع في تحليله واستكشافه لقانون القيمة ، طريقة تجريدية


صفحه 186


خالصة ، بعيداً عن الواقع الخارجي ، وتجاربه الاقتصادية . وهكذا بدا فجأة وقد تقمص شخصية ( أرسطو ) الميتافيزيقية في الاستدلال والتحليل . ولهذه الظاهرة سببها الذي اضطر ماركس إلى هذا الموقف ، لأن الحقائق الواضحة عن الحياة الاقتصادية ، تعبر دائماً عن ظواهر تناقض تماماً النتائج التي تؤدي إليها النظرية الماركسية . فإن من نتيجة هذه النظرية أن الأرباح المكتسبة تختلف من مشروع إلى آخر ، تبعاً لاختلاف كمية العمل المأجور المنفق خلال الإنتاج ، دون أن يكون لكمية الآلات والأدوات أثر في ذلك ، لأنها لا تضفي على النتائج أية قيمة أكثر مما تفقده ، مع أن الربح في الحياة الاقتصادية السائدة ، يزداد كلما ازدادت الآلات والأدوات التي يتطلبها المشروع . فلم يتمكن ماركس لأجل هذا من التدليل على نظريته بشواهد من واقع الحياة الاقتصادية ، فحاول أن يبرهن عليها بصورة تجريدية ، حتى إذا أكمل مهمته هذه ، جاء إلى النتائج المقلوبة في واقع الحياة الاقتصادية . ليؤكد أنها لم توجد مقلوبة نتيجة لخطأ النظرية التي يؤمن بها ، وإنما هي مظهر من مظاهر المجتمع الرأسمالي ، الذي يضطر المجتمع إلى الانحراف عن قانون القيمة الطبيعي ، والتكيف وفقاً لقوانين العرض والطلب[1].
نقد القاعدة الأساسية للاقتصاد الماركسي والآن فلنفحص قانون القيمة عند ماركس ، في ضوء الدليل الذي قدمه عليه .
يبدأ ماركس في دليله - كما رأينا - من تحليل عملية التبادل ( تبادل السرير الخشبي بثوب من حرير مثلاً ) ، فيرى أن هذه العملية تعبّر عن مساواة السرير للثوب في القيمة التبادلية ، ثم يتساءل : لماذا كان السرير والثوب متساويين في القيمة التبادلية ؟ . ويجيب أن السبب في ذلك اشتراكهما في أمر واحد ، موجود فيهما بدرجة واحدة ، وليس هذا الأمر المشترك بين الثوب والسرير إلا العمل المتجسد فيهما ، دون المنافع والخصائص الطبيعية التي يختلف فيها السرير عن الثوب فالعمل


[1]راجع الرأس المال ص 1185 .


صفحه 187


هو إذن جوهر القيمة . ولكن ماذا تقول الماركسية لو اصطنعنا نفس هذه الطريقة التحليلية ، في عملية تبادل بين إنتاج اجتماعي وإنتاج فردي ؟ ! ، أفليس للخط الأثري - وهو ما تسميه الماركسية بالإنتاج الفردي - قيمة تبادلية ؟ ! ، أو ليس من الممكن استبداله في السوق بنقد أو كتاب أو بأي مال آخر ؟ ! ، فإذا استبدلناه بنتاج اجتماعي ، كنسخة مطبوعة من تاريخ الكامل مثلاً ، كان معنى ذلك أن صفحة الخط الأثري مثلاً ، تساوي قيمتها التبادلية نسخة من تاريخ الكامل . فلنفتش هنا عن الأمر المشترك الذي أملى على السلعتين قيمة تبادلية واحدة . كما فتشت الماركسية عن الأمر المشترك بين السرير والثوب ، فكما كان يجب أن تكون القيمة التبادلية الواحدة للسرير والثوب تعبيراً عن صفحة مشتركة بينهما ( وهي في رأي الماركسية كمية العمل المنفقة فيهما ) كذلك أيضاً بعد القيمة التبادلية الواحدة للخط الأثري ونسخة من تاريخ الكامل ، عن الأمر المشترك ، فهل يمكن أن يكون هذا الأمر المشترك هو كمية العمل المنفقة عليهما ؟ ! . كلا طبعاً ، فإننا نعلم أن العمل المتجسد هو في الخط الأثري ، أقل كثيراً من العمل المتجسد في نسخة مطبوعة من تاريخ الكامل ، بورقه وجلده وحبره وطباعته . ولأجل هذا استثنيت السلع الفنية والأثرية ، من قانون القيمة .
ولسنا نؤاخذ الماركسية على هذا الاستثناء ، لأن لكل قانون من قوانين الطبيعة شروطه واسثناءاته الخاصة ، ولكننا نطالبها - على هذا الأساس - بتفسير الأمر المشترك بين الخط الأثري ، ونسخة من تاريخ الكامل ، اللذين تم التبادل بينهما في السوق ، كما يتم التبادل بين السرير والثوب . فإن كل من الضروري أن يوجد من وراء المساواة في عملية التبادل ، أمر مشترك بين السلعتين المتساويتين في قيمتهما ، فما هو هذا الأمر المشترك بين الخط الأثري ونسخة من تاريخ الكامل ، هاتين السلعتين المختلفتين في كمية العمل المكتنز فيهما ، وفي نوعية المنفعة وشتى الخصائص ؟ ‌ ! . أفلا يبرهن هذا على أن هناك أمراً مشتركاً بين السلع ، التي يجري بينها التبادل في السوق ، غير العمل المتجمد فيها ، وأن هذا الأمر المشترك موجود في السلع المنتجة


صفحه 188


إنتاجاً فردياً ، كما يوجد في السلع التي تحمل طابع الإنتاج الاجتماعي ؟ ! . وإذا كان يوجد أمر مشترك بين جميع السلع ، بالرغم من اختلافها في كميات العلم المنفقة عليها ، وفي طابع العمل من ناحية كونه فردياً أو اجتماعياً ، واختلافهما أيضاً في المنافع والخصائص الطبيعية والهندسية ، إذا كان يوجد مثل هذا الأمر المشترك العام حقاً ، فلماذا لا يكون هو المصدر الأساسي للقيمة التبادلية وجوهرها الداخلي ؟ ! .
وهكذا نجد أن الطريقة التحليلية التي اتخذها ماركس ، تتوقف به في منتصف الطريقة ، ولا تسمح له بمواصلة استنتاجاته ، ما دامت كميات العمل المتجسد في السلع قد تختلف إختلافاً كبيراً ، مع مساواة بعضها لبعض في القيمة التبادلية . فليست كميات العمل المتساوية هي السر الكامن وراء المساواة في عمليات التبادل .
فما هو هذا السر الكامن إذن ؟ ؟ ، ما هو هذا الأمر المشترك بين الثوب والسرير . والخط الأثري والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل ، الذي يحدد لكل واحدة من هذا السلع قيمتها التبادلية تبعاً لنصيبها منه ؟ ؟ .
وفي رأينا أن هناك مشكلة أخرى تواجه قانون القيمة عند ماركس لا يمكن للقانون أن يتغلب عليها لأنها تعبّر عن تناقض هذا القانون مع الواقع الطبيعي الذي يعشه الناس مهما كان الطابع المذهبي والسياسي لهذا الواقع ، فلا يمكن أن يكون هذا القانون تفسيراً علمياً للواقع الذي يناقضه .
ولنأخذ الأرض مثلاً لهذا التناقض ، بين القانون والواقع . فالأرض تصلح - دون شك - لإنتاج عدد كبير من الحاصلات الزراعية ، أي لعدد كبير من الاستعمالات البديلة فيمكن أن تستعمل الأرض في زراعة الحنطة كما يمكن أن تستخدم - بدلاً عن الحنطة - في إنتاج القطن والرز وهكذا . ومن الواضح ان الأراضي ليست متشابهة في كفاءتها الطبيعية ، فهناك من الأراضي ما يكون أكثر كفاءة في فرع معين من فروع الإنتاج الزراعي ، كإنتاج الرز مثلاً . وهناك ما هو أكثر كفاءة لزراعة


صفحه 189


الحنطة أو القطن . وهكذا تتمتع كل أرض باستعداد طبيعي ، يرشحها لفرع معين من فروع الإنتاج . ويعين هذا أن كمية معينة من العمل إذا أنفقت على زراعة الأرض ، في حالة تقسيمها على فروع الإنتاج الزراعي تقسيماً صحيحاً ، واستخدام كل أرض فيما هي أصلح له . . تنتج مقادير مهمة من الحنة والقطن ، بينما لو صرفت نفس تلك الكمية المعينة من العمل الاجتماعي ، في حالة توزيع شيء للأرض على فروع الإنتاج ، واستخدام كل أرض في غير ما هي أجدر به . . لما أمكن الحصول إلا على جزء من الحنطة مثلاً ، يساوي - من الناحية التبادلية - ذلك المقدار المضاعف ، الذي ينتج في حالة توزيع الأرض - على فروع الإنتاج - توزيعاً صحيحاً . . لا لشيء إلا لأنه يساويه في كمية العمل الاجتماعي المتجسد فيه ؟ ! . وهل يسمح الاتحاد السوفياتي - القائم على أساس ماركس - لنفسه أن يساوي في التبادل بين هاتين الكميتين المختلفتين ، بوصفهما تعبيراً عن كمية واحدة من العمل الاجتماعي .
إن الاتحاد السوفياتي ، وأي دولة أخرى في العالم ، تدرك عملياً - دون شك - مدى الخسارة التي تحيق بها من جراء : عدم استخدام كل أرض فيما هي أكثر صلاحية له .
وهكذا نعرف أن الكمية الواحدة من العمل الزراعي قد تنتج قيمتين مختلفتين ، تبعاً للطريقة المتبعة في تقسيمها على الأراضي المتنوعة .
ومن الواضح - في ضوء ذلك - أن القيمة المضاعفة ، التي تحصل من استخدام كل أرض فيما هي أكثر صلاحية له . . ليست نتيجة للطاقة التي أنفقت في الإنتاج ، لأن الطاقة هي الطاقة ، لا تتغير ، سواء زرعت كل أرض بما هي أصلح له أم زرعت بغيره ، وإنما هي - القيمة المضاعفة - مدينة للدور الإيجابي الذي تلعبه الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه[1].


[1]ويمكن للماركسية أن تقرر - بصدد الدفاع عن وجهة نظرها - أن الكيلو من القطن مثلا إذا كان يتطلب إنتاجه ساعة من العمل في بعض الأراضي ، وساعتين من العمل في البعض الآخر . فلابد من أخذ المعدل ، لمعرفة العمل المتوسط اللازم اجتماعياً لإنتاج كيلو من القطن ، وهو - في مثالنا - ساعة ونصف ، فيصبح الكيلو من القطن تعبيراً عن ساعة ونصف من العمل الاجتماعي المتوسط ، وتحدد قيمته وفقاً لذلك . وتكون عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاية منتجاً لقيمة أضخم من القيمة التي ينتجها عمل ساعة في الأرض الأخرى ، لأن العملين وإن كانا متساويين من ناحية شخصية ، ولكن كمية العمل الاجتماعي المتوسط ، المتضمنة في أحدهما أكبر منها في الآخر ، لأن عمل ساعة في الأرض الخصبة ، يساوي ساعة ونصف من العمل الاجتماعي المتوسط ، وأما عمل ساعة في الأرض الأخرى ، فهو يعادل ثلاثة أرباع ساعة من العمل المتوسط اجتماعياً . فمرد الفرق بين النتاجين في القيمة التبادلية هو : اختلاف العملين نفسهما في كمية العمل الاجتماعي المتوسط المتضمن في كل منهما . ولكننا بدورنا نتساءل : إن عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاءة لزراعة القطن ، كيف أصبح أكبر من نفسه ؟ وبقدرة أي قادر أضيفت إليه - نصف ساعة من العمل ، فأصبح يساوي عمل ساعة ونصف ؟ ! إن هذه النصف ساعة من العمل ، التي دست نفسها بطريقة سحرية في عمل ساعة واحدة فصيرته أكبر من نفسه . ليست إنتاجاً انسانياً ، ولا تعبيراً عن طاقة منفقة في سبيلها - لأن الانسان لم يصرف في استخدام الأرض الأكثر كفاءة ، ذرة من طاقة أكثر مما يصرفه في استخدام الأرض الأقل كفاءة - وإنما هو نتاج الأرض الخصبة نفسها . فخصب الأرض هو الذي قام بالعمل السحري ، فمنح مجاناً نصف ساعة ، العمل الاجتماعي للعامل . فإذا كانت نصف الساعة هذه تدخل في حسبا القيمة التبادلية للإنتاج ، كان معنى ذلك أن الأرض - بقدرتها على تمديد ساعة من العمل ومنحها قوة ساعة ونصف - ذات دور ايجابي في تكوين القيمة التبادلية ، وليس العمل الإنتاجي من المنتج هو وحده جوهر القيمة ومصدرها . وأما إذا لم تدخل نصف الساعة السحرية في حساب القيمة ، وتحددت القيمة وفقاً للعمل الذي قدمه الانسان فحسب ، كان معنى ذلك أن التقطن الناتج عن عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاءة له ، يساوي القطن الناتج عن عمل ساعة في الأرض الأقل كفاءة وبمعنى آخر ، أن كيلو من القطن يساوي نصف كيلو منه .


صفحه 190


وهكذا نواجه السؤال السابق نفسه مرة أخرى : ما هو المحتوى الحقيقي للقيمة التبادلية الذي تلعب الطبيعة دوراً في تكوينه ، كما يلعب العمل الإنتاجي دوره الخطير في ذلك ؟ .