بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 195


وعلى هذا الأساس ، إذا كان العامل المنتج يتمتع بشروط ترفعه عن الدرجة الوسيطة اجتماعياً ، يصبح بإمكانه أن يخلق لبضاعته خلال عمل ساعة ، قيمة أرقة من القيمة التي يخلقها العامل الوسطى خلال تلك الساعة ، لأن ساعة من عمله تفوق ساعة من معدل العمل الاجتماعي للعمل . فالمعدل الاجتماعي للعمل ، ولمختلف العوامل المؤثرة فيه ، هو المقياس العام للقيمة .
والخطأ الذي ترتكبه الماركسية بهذا الصدد ، هو أنها تدرس المسألة دائماً بوصفها مسألة كمية . فالشروط العالية التي تتهيأ للعامل ، ليست - في نظر الماركسية - إلا عوامل تساعد العامل ، على إنتاج كمية أكبر في وقت اقصر ، فتصبح الكمية التي ينتجها في ساعة ، أوفر من الكمية المنتجة في ساعة من معدل العمل الاجتماعي ، وبالتالي أكثر قيمة منها . بينما ينتج هذا العامل مترين من النسيج في ساعة واحدة ، ينتج العامل الوسطى خلال تلك الساعة متراً واحداً فقط . فيكون للمترين ضعفا قيمة هذا المتر الواحد ، لأنهما يعبّران عن ساعتين من العمل الاجتماعي العام ، وإن تم إنتاجهما في الواقع بساعة واحدة من العمل الممتاز .
ولكن الشيء الجدير بالملاحظة ، هو أن الشروط الذهنية والعضوية والنفسية ، التي لا يتمتع بها العامل الوسطي . . . لا تعني دائماً زيادة كمية في منتوج العامل الذي يحظى بتلك الشروط . بل قد تعني أحياناً امتيازاً كيفياً في السلعة المنتجة . كما إذا كان هناك رسامان ، تستغرق عملية التصوير عند كل منهما ساعة ، ولكن الاستعداد الطبيعي عند أحدهما يجعل الصورة التي يرسمها أروع من الصورة الأخرى . فالمسألة هنا ليست مسألة إنتاج كمية أضخم في وقت أقصر ، بل الذي لا يملك تلك الموهبة الطبيعية لا يستطيع ان يأتي بنظير تلك الصورة ، ولو ضاعف الوقت الذي ينفقه على عملية التصوير . فلا تستطيع إذن القول : بأن الصورة الأكثر روعة تعبر عن ساعتين من العمل الاجتماعي العام ، فإن ساعتين من العمل الاجتماعي العام لا تكفي أيضاً لإنتاج هذه الصورة ، التي أبدعها الرسام الموهوب بفضل استعداده الطبيعي .


صفحه 196


وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في شأن هاتين الصورتين ، وهي أنهما تختلفان في قيمتهما دون شك في كل سوق ، مهما كانت طبيعته السياسية ، ومهما كانت نسبة العرض فيه إلى الطلب ، فإن أحداً لا يقبل أن يستبدل الصورة الرائعة بالصورة الأخرى ، ولو كان الطلب والعرض متعادلين ، وهذا يعني : أن الصورة الرائعة تستمد قيمتها من عنصر لا يوجد في الصورة الأخرى ، وليس هذا العنصر هو كمية العمل ، لأن روعة الصورة - كما عرفنا - لا تعبّر عن عمل كمي زائد ، وإنما تعبر عن نوعية العمل المنفق على إنتاجها - فلا يكفي إذن المقياس الكمي للعمل - أو دقائق الساعة بتعبير آخر - لضبط قيمة السلع ، التي تتجسد فيها تلك الكميات المختلفة من العمل . فليس من الممكن أن نجد دائماً ، في كمية العمل الفردي أو الاجتماعي . . تفسيراً لتفاوت السلع في قيمتها التبادلية ، لأن مرد هذا التفاوت أحياناً إلى الكيف لا إلى الكم ، الكم ، إلى الصفة والنوعية لا إلى عدد ساعات العمل .
هذه بعض الصعوبات العلمية التي تعترض طريق ماركس ، وتبرهن على عدم كفاية القانون الماركسي لتفسير القيمة التبادلية . ولكن ماركس - بالرغم من كل هذه الصعاب - وجد نفسه مضطراً إلى قانونه هذا ، كما يبدو - بكل وضوح - من تحليله النظري للقيمة ، الذي استعرضناه في مستهل هذا البحث ، لأنه حين حاول أن يستكشف الامر المشترك بين السلعتين المختلفتين ، كالسرير والثوب . . . أسقط من الحساب . المنفعة الاستعمالية ، وجميع الخصائص الطبيعة والرياضية ، لأن السرير يختلف عن الثوب في منفعته ، وخصائصه الفيزيائية والهندسة . وبدا له - عندئذ - أن الشيء الوحيد الذي ظل مشترك بين السلعتين ، هو العمل البشري المنفق خلال إنتاجهما ، وهنا يكمن الخطأ الأساسي في التحليل ، فإن السلعتين المعروضتين في السوق بثمن واحد ، وإن كانتا مختلفتين في منفعتهما ، وفي خصائصهما الفيزيائية والكيميائية والهندسية ، ولكنهما بالغرم من ذلك مشتركتان في صفة سيكولوجية موجودة بدرجة واحدة فيهما معاً ، وهي الرغبة الانسانية في الحصول على هذه السلعة وتلك . فهناك رغبة اجتماعية في السرير ، ورغبة اجتماعية في الثوب ، ومرد


صفحه 197


هاتين الرغبتين إلى المنفعة الاستعمالية ، التي يتمتع بها السرير والثوب . فهما وإن كانا مختلفين في نوعية المنفعة التي يؤديها كل منهما ، ولكنهما يشتركان في نتيجة واحدة ، أن يعتبر العمل أساساً للقيمة ، بوصفه الأمر المشترك الوحيد بين السلع المتبادلة ، كما زعمت الماركسية . . ما دمنا قد وجدنا أمراً مشتركاً بين السلعتين ، غير العمل المنفق على إنتاجهما .
وبذلك ينهار الاستدلال الرئيسي الذي قدمه لنا ماركس على قانونه ، ويصبح من الممكن أن تحل الصفة السيكولوجية المشتركة موضع العمل ، وتتخذ مقياساً للقيمة ومصدراً لها . وعندئذ فقط يمكننا أن نتخلص من الصعوبات السابقة التي اعترضت ماركس ، وان نفسر - في ضوء هذا العنصر الجديد المشترك - الظواهر التي عجز قانون القيمة الماركسي عن تفسيرها . فالخط الأثري ، والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل ، اللذان كنا نفتش عن الأمر المشترك بينهما ، فلم نجده في العمل ، لاختلاف كمية التبادلية في هذا المقياس السيكولوجي الجديد . فالخط الأثري والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل ، إنما يتمتعان بقيمة تبادلية واحدة ، لأن الرغبة الاجتماعية موجودة فيهما بدرجة متساوية .
وكذلك تذوب سائر المشاكل الأخرى في ضوء هذا المقياس الجديد .
ولما كانت الرغبة في السلعة ناتجة عن منفعتها الاستعمالية ، فلا يمكن إذن أن نسقط المنافع الاستعمالية من حساب القيمة . ولذلك نجد أن السلعة التي ليس لها منفعة ، لا تملك قيمة تبادلية إطلاقاً ، مهما انفق على إنتاجها من عمل . وقد اعترف ماركس نفسه بهذه الحقيقة ، ولكنه لم يوضح لنا - ولم يكن من الممكن له أن يوضح - سر هذا الترابط ، بين المنفعة الاستعمالية والقيمة التبادلية ، وكيف دخلت المنفعة الاستعمالية في عملية تكوين القيمة التبادلية ، مع أنه أسقطها منذ البدء ، لأنها تختلف من سلعة لأخرى ؟ ! وأما في ضوء المقياس السيكولوجي ، فالترابط بين المنفعة والقيمة واضح تماماً ، ما دامت المنفعة هي أساس الرغبة ، والرغبة هي مقياس القيمة ومصدرها العام .


صفحه 198


والمنفعة الاستعمالية ، وإن كانت الأساس الرئيسي للرغبة ، ولكنها لا تنفرد بتحديد الرغبة في الشيء فإن درجة الرغبة - في أي سلعة كانت - تتناسب طرداً مع أهمية المنفعة التي تؤديها السلعة . فكلما كانت السلعة أعظم منفعة ، كانت الرغبة فيها أكثر . وتتناسب درجة الرغبة عكسياً مع مدى إمكانية الحصول على السلعة أكثر ، تنخفض درجة الرغبة في السلعة ، وبالتالي تهبط قيمتها . ومن الواضح أن إمكانية الحصول على السلعة تتبع الندرة والكثرة ، فقد يكون الشيء كثيراً ومتوفراً - بصورة طبيعية - إلى الدرجة ، التي تجعل من الممكن الحصول عليه من الطبيعة دون جهد ، كالهواء . وفي هذه الحالة تبلغ القيمة التبادلية درجة الصفر ، لانعدام الرغبة ، ومهما قلّت إمكانية الحصول على الشيء ، تبعاً لقلة وجوده ، أو صعوبة إنتاجه . ازددت الرغبة فيه وتضخمت قيمته[1].
نقد الماركسية للمجتمع الرأسمالي قد يتبادر إلى بعض الأذهان ، أننا حين ندرس الملاحظات الماركسية حول


[1]وهذا العرض أكثر انطباقاً على الواقع ، من نظرية المنفعة الحدية القائمة على قانون تناقض المنفعة . وهي النظرية التي تقدر قيمة السلعة ، على أساس ما للوحدة الأخيرة من وحدات السلع ، من قدرة على اشباع الرغبة . والوحدة الأخيرة هي : أقل الوحدات اشباعاً للرغبة ، نظراً إلى تناقص الرغبة بالاشباع التدريجي ، فتحدد قيمة كل الوحدات طبقاً لما تتيحه الوحدة الأخيرة من اشباع . ولهذا كانت كثرة السلعة سبباً في تناقض المنفعة الحدية . وانخفاض قيمتها بوجه عام . وهذه النظرية لا تفسر الواقع تماماً ، لأنها لا تنطبق على بعض الحالات التي قد يكون استهلاك الوحدة الأولى من السلعة ، أو الوحدات الأولى سبباً لزيادة الرغبة وشدة الحاجة إلى استهلاك وحدات جديدة ، كما يتفق ذلك في المواد التي يسرع الاعتياد عليها . فلو صحت نظرية المنفعة الحدية ، لكان من نتيجتها ان تزداد القيمة التبادلية في مثل هذه الحالة ، بزيادة الوحدات المعروضة من السلعة لان الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الثانية ، أشد ، من الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الأولى . مع ان الواقع العام يدل على العكس وهذا يدل على ان المقياس العام للقيمة ، ليس هو الدرجة التي يحسها الانسان من الحاجة إلى الاشباع عند استهلاك الوحدة الأخيرة ، بل ان درجة امكانية الحصول هي التي تحدد - مع نوعية المنفعة وأهميتها - قيمة السلعة .


صفحه 199


المجتمع الرأسمالي ، إنما نستهدف من وراء ذلك إلى تزييف هذه الملاحظات ، وتبرير الرأسمالية ، نظراً إلى كونه واقعاً معترفاً به في المجتمع الإسلامي ، الذي يؤمن بالملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج ، ويرفض الأخذ بمبدأ الملكية الاشتراكية ، فما دام الإسلام يحتضن الرأسمالية ، فيجب إذن على المذهبيين الإسلاميين أن يفندوا مزاعم الماركسية ، حول الواقع الرأسمالي المعاش في تاريخنا الحديث ، ويقدّموا الدليل على خطأ التحليل الماركسي ، فيما يبرزه من مضاعفات هذا الواقع وتناقضاته ، ونتائجه الفظيعة التي تشتد وتتفاقم حتى تقضي عليه . .
قد يتبادر إلى الأذهان شيء من هذا ، ولكن الواقع أن الموقف الإسلامي للباحث ، لا يفرض عليه أن ينصب نفسه مدافعاً عن الواقع الرأسمالي المعاش ، وأنظمته الاجتماعية ، وإنما يجب إبراز الجزء المشترك بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الرأسمالي ، ودرس التحليل الماركسي ، ليتبين مدى علاقته بهذا الجزء المشترك .
فمن الخطأ إذن ما يتجه اليه بعض المذهبيين الإسلاميين ، من الدفاع عن واقع الرأسمالية الغربية ، وإنكار ما يضج به من أخطاء وشرور ، ظناً منهم بأن هذا هو السبيل الوحيد لتبرير الاقتصاد الإسلامي ، الذي يعرف بالملكية الخاصة .
كما أن من الخطأ أيضاً - وقد عرفنا أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الأساسي في المجتمع - الطريقة التي اتخذها ماركس في تحليل المجتمع الرأسمالي ، والكشف عن عوامل الدمار فيه ، إذ اعتبر جميع النتائج التي تكشّف عنها المجتمع الرأسمالي على مسرج التاريخ ، وليدة مبدأ أساسي لهذا المجتمع ، وهو مبدأ الملكية الخاصة فكل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة ، يسير حتماً في الاتجاه التاريخي الذي سار فيه المجتمع الرأسمالي ، ويمنى بنفس النتائج والتناقضات .
وهكذا أرى من الضروري ، لتصفية الحساب مع موقف الماركسية من المجتمع الرأسمالي ، أن نؤكد دائماً على هاتين الحقيقتين :
أولاً : إن الهدف المذهبي للباحثين المسلمين في الاقتصاد ، لا يفرض عليهم أن يصححوا أوضاع المجتمع الرأسمالي ، ويتنكروا للحقائق المرة التي تعصف به .


صفحه 200


وثانياً : إن الواقع التاريخي للمجتمع الرأسمالي الحديث ، لا يمكن أن يعتبر صورة صادقة لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . ولا أن تعمم النتائج التي ينتهي إليها الباحث من درسه المجتمع الرأسمالي الحديث ، على كل مجتمع آخر يتفق معه في القول بالملكية الخاصة ، وإن اختلفت معه في الإطارات والحدود .
وإنما أدانت الماركسية مبدأ الملكية الخاصة ، بكل النتائج التي تمخض عنها المجتمع الرأسمالي . . تجاوباً مع فكرتها الأساسية في تفسير التاريخ ، القائلة : بأن العامل الاقتصادي ، الذي تعبر عنه نوعية الملكية السائدة في المجتمع ، هو حجر الزاوية في الكيان الاجتماعي كله . فكل ما يحدث في المجتمع الرأسمالي ، تنبع جذوره الواقعية من القاعدة الاقتصادية ، من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، فتزايد البؤس وشبكات الاحتكار وفظائع الاستعمار وجيوش العاطلين من العمل ، واستفحال التناقض في صميم المجتمع ، كل تلك الأمور نتائج حتمية وحلقات من التسلسل التاريخي ، المفروض على كل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة .
وتتلخص وجهة نظرنا حول آراء الماركسية هذه ، عن المجتمع الرأسمالي في نقطتين :
إحداهما : أنها تخلط بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، وواقعها الرأسمالي المتميزة بطبيعة اقتصادية وسياسية وفكرية معينة فتعتبر مضاعفات هذا الواقع الفاسد ، نتائج حتمية لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة .
والأخرى : أنها على خطأ في الأسس العملية الاقتصادية المزعومة ، التي تستمد منها الماركسية طابعها العلمي ، في تحليلها لتناقضات المجتمع الرأسمالي وتطوراته التاريخية .
تناقضات الرأسمالية ولنبدأ الآن بأهم تناقضات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية أو المحور الرئيسي للتناقض بتعبير آخر ، وهو الربح الذي يدره الإنتاج بالأجرة ، على الرأسماليين


صفحه 201


من مالكي وسائل الإنتاج . ففي الربح يكمن سر التناقض المزعوم ، ولغز الرأسمالية كلها ، الذي حاول ماركس الكشف عنه في القيمة الفائضة . فهو يؤمن بأن البضاعة مدينة بقيمتها للعمل المأجور الذي أنفق عليها . فإذا اشترى الرأسمالي كمية من الخشب بدينار ، ثم استأجر العامل ليصنع من ذلك الخشب سريراً يبيعه بدينارين ، فقد حصل الخشب على قيمة جديدة ، وهي الدينار الثاني ، الذي انضم إلى قيمة الخشب الخام . ومصدر هذه القيمة الجديدة هو العمل ، وفقاً للقانون الماركسي في القيمة . فيجب لكي يربح مالك الخشب والأدوات شيئاً ، أن لا يدفع إلى العامل إلا جزءاً من القيمة الجديدة - التي خلقها العامل - بوصفه أجراً على عمله ، ويحتفظ لنفسه بالجزء الآخر من القيمة ، باعتباره ربحاً خاصاً به . وعلى هذا لأساس يصبح من الضروري دائماً ، أن ينتج العامل قيمة تزيد على أجرته . وهذه الزيادة هي التي يسميها ماركس بالقيمة الفائضة ، ويعتبرها المصدر العام لأرباح الطبقة الرأسمالية كلها .
ويزعم ماركس - وهو يفسر لنا الربح في هذا الضوء : أن هذا هو التفسير الوحيد للمسألة الرأسمالية كلها . فإننا إذا حلّلنا عملية الإنتاج الرأسمالي ، نجد أن المالك اشترى من التاجر كل ما يحتاج اليه الإنتاج ، من مواد وأدوات ، واشترى من العامل كل ما يحتاجه إلإنتاج ، من طاقة بشرية . وهاتان مبادلتان إذا فحصنا التبادل فيهما ، وجدنا أنه من ناحية المنفعة الاستعمالية ، يمكن أن ينتفع كلا الشخصين المتبادلين ، لأن كلا منهما يستبدل بضاعة - ذات منفعة استعمالية - لا يحتاجها ، ببضاعة يحتاج إلى منفعتها . ولكن هذا لا ينطبق على القيمة التبادلية ، فإن تبادل البضائع في شكله الطبيعي هو تبادل متعادلان ، وحيث يوجد التعادل لا يمكن أن يوجد الربح ، لأن كل فرد يعطي بضاعة ويتسلم بدلاً عنها بضاعة ذات قيمة تبادلية مساوية ، فمن أين يحصل على قيمة فائضة أو على ربح ؟ ‌ !
ويستمر ماركس في تحليله مؤكداً : ان من المستحيل فرض حصول البائع أو المشتري على الربح اعتباطاً ، لتمتعه بامتياز بيعه للبضاعة بأعلى من ثمن اشترائها ، أو


صفحه 202


اشترائه لها بأرخص من قيمتها ، لأنه في النتيجة سوف يخسر ما ربحه ، حينما يبدل دوره فينقلب مشترياً بعد أن كان بائعاً ، أو بائعاً بعد ، كان مشترياً . فلا يمكن إذن أن تتشكل قيمة فائضة ، لا عن كون البائعين يبيعون البضائع بأكثر من قيمتها ، ولا عن كون الشارين يشترونها بأقل من قيمتها .
وليس من الممكن أيضاً القول بأن المنتجين يحصلون على قيمة فائضة ، لأن المستهلكين يدفعون ثمن البضائع أغلى من قيمتها ، فيكون لأصحاب البضائع - بصفتهم منتجين - امتياز البيع بسعر أغلى . فإن هذا الامتياز لا يفسر اللغز ، لأن كل منتج يعتبر من ناحية أخرى مستهلكاً فيخسر بصفته مستهلكاً ما يربحه بوصفه منتجاً .
وهكذا ينتهي ماركس من هذا التحليل إلى : أن القيمة الفائضة التي يربحها الرأسمالي ، ليست إلا جزءاً من القيمة التي أسبغها عمل العامل على المادة ، وقد ظفر المالك بهذا الجزء لسبب بسيط ، وهو أنه لم يشتر من العامل - الذي استخدمه عشر ساعات - عمله في هذه المدة ، ليكون ملزماً بالتعويض عن عمله بما يساويه ، أو بكل القيمة التي خلقها بتعبير آخر . فإن العمل لا يمكن أن يكون سلعة يشتريها الرأسمالي بقيمة تبادلية معينة - لأن العمل هو جوهر القيمة عند ماركس ، فكل أشياء تكتسب قيمتها من العمل ، وأما العمل فلا يكتسب قيمته من شيء ، فليس هو سلعة إذن - وإنما السلعة التي اشتراها المالك من العامل هي قوة العمل ، هذه السلعة التي تحدد قيمتها بكمية العمل اللازم للحفاظ على تلك القوة وتجديدها ، أي بكمية العمل الضروري لإعاشة العامل والمحافظة على قواه . فالمالك اشترى من العامل إذن قوة عمل عشر ساعات ، لا العمل نفسه . وقد اشترى تلك القوة بالقيمة التي تضمن ساعات ، أكثر من العمل الذي يتوقف عليه تجديد قوى العمل التي سلمها إلى العامل ، والقيمة التي خلقها العمل نفسه التي تسلمها من العامل . وهذا الفارق هو فائض القيمة الذي يربحه الرأسمالي .
وفي هذا الضوء يعتقد ماركس بأنه كشف عن التناقض الرئيسي في جهاز