الواجبات على مختلف أنواع العمال والموظفين ، ويشرف إشرافاً تاماً على سير العملية الإنتاجية ، ثم يبحث - بعد ذلك - عن منافذ لتوزيعها وإيصالها إلى المستهلكين . فإذا كان العمل هو جوهر القيمة ، فيجب أن يكون للعمل القيادي والتنظيمي ، نصيب من القيمة التي يخلقها العمل في السلعة . ولا يمكن لماركس أن يفسر الربح ، على ضوء نظرية القيمة الفائضة ، إلا بالنسبة إلى القيمة التي يربحها الرأسمالي الربوي ، أو المشاريع الرأسمالية التي لا يساهم فيها المالك بإدارة وتنظيم .
وإذا انهارت نظرية القيمة الفائضة ، تبعاً لانهيار أساسها العلمي المتمثل في قانون القيمة عند الماركسية . . . فمن الطبيعي أن نرفض حينئذ التناقضات الطبقية ، التي تستنتجها الماركسية من هذه النظرية ، كالتناقض بين العامل والمالك بوصفه سارقاً يقتطع من العامل الجزء الفائض من القيمة التي يخلقها والتناقض بين ما يشتريه المالك من العامل وما يتسلمه منه ، إذ يشتري منه - في زعم الماركسية - طاقة العمل ، ويستلم منه العمل نفسه .
فالتناقض الأول يتوقف على تفسير الربح ، في ضوء نظرية القيمة الفائضة ، وأما في ضوء آخر فليس من الضروري أن يكون الربح جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل لنفسه ، ما دام للقيمة مصدر غير العمل ، وبالتالي ليس من الضروري في نظام العمل بالأجرة ، أن يسرق المالك من العامل شيئاً من القيمة التي يخلقها ، ليكون الصراع الطبقي بين المالك والعامل قضاءاً محتوماً في هذا النظام . صحيح أن من مصلحة المستأجرين تخفيض الأجور ، ومن مصلحة الأجراء رفعها ، فهم مختلفون في مصالحهم كما قد تختلف مصالح الأجزاء أو المستأجرين أنفسهم . . وصحيح أن أي ارتفاع أو هبوط في الأجرة يعني إضراراً بالجانب الآخر في الوقت الذي يستفيد منه أجد الجانبين . . . ولكن هذا يختلف عن المفهوم الماركسي للتناقض الطبقي ، الذي يجعل التناقض والابتزاز داخلاً في صميم العلاقة ، بين المستأجر مهما كان لونها وشكلها . فالتناقض الطبقي في طابعه العملي الموضوعي الصارم القائم على أسس الاقتصاد الماركس ، هو الذي ينهار بانهيار تلك الأسس . وأما التناقض
بمعنى اختلاف المصالح ، الذي يجعل أحد الفريقين يكافح في سبيل رفع الأجور ، والفريق الآخر يحاول الاحتفاظ بمستواها . . فهو تناقض ثابت ، ولا يرتبط بالأسس العلمية المزعومة للاقتصاد الماركسي ، بل هو نظير اختلاف مصالح البائعين والمشترين ، الذي يدفع بالبائعين إلى محاولة رفع الأثمان ، بينما يعمل المشترون لمقابلة ذلك . وكذلك اختلاف مصالح العمال الفنيين وغيرهم إذ أن من مصلحة الفني أن يحتفظ لعمله بمستوى عال من الأجر ، بينما يكون من مصلحة سائر العمال أن يطالبوا بمساواة كاملة في الأجور .
وأما التناقض الثاني ، بين ما يشتريه المالك من العامل وما يسلّمه إليه . . فهو يتوقف على الرأي الماركسي السابق ، القائل بأن السعلة التي يشتريها الملك من العامل - في مجتمع يسمح بالعمال المأجور - هي قوة العمل ، لا العمل نفسه ، كما يردد ذلك الاقتصاد الرأسمالي المبتذل ، على حد تعبير الماركسية . لأن العمل في رأي ماركس هو جوهر القيمة مقياسها ، فلا يمكن أن تكون له قيمة قابلة للقياس والتقدير ، حتى يباع بتلك القيمة ، وعلى العكس من ذلك قوة العمل ، فإنها تعبر عن كمية من العمل المنفق عليها - أو على إعاشة العامل بتعبير آخر - فتقاس قيمة قوة العمل ، بالعمل المنفق في سبيلها ، وتصبح بذلك سلعة ذات قيمة ، يمكن أن يشتريا المالك من العامل بتلك القيمة .
ولكن الحقيقة التي يقررها الاقتصاد الإسلامي بهذا الصدد ، هي أن المالك لا يتملك ولا يشتري من العامل عمله ، كما يرى الاقتصاد الرأسمالي المبتذل ، على حد تعبير الماركسية ، ولا يشتري أيضاً قوة العمل ، كما يقرر الاقتصاد الماركسي . فلا العمل ولا قوة العمل هو السلعة أو المال الذي يشتريه المالك من العامل ، ويدفع الأجرة ثمناً له . . وإنما يشتري المالك من العامل منفعة عمله ، أي الأثر المادي الذي ينتجه العمل في المادة الطبيعة . فإذا استأجر مالك الخشب والأدوات عاملاً ليصنع من ذلك الخشب سريراً ، فهو يدفع له الأجرة ثمناً للهيئة أو التعديل ، الذي سوف يطرأ على الخشب فيجعله سريراً ، نتيجة لعمل العامل . فهذا التعديل الذي
يصبح الخشب به سريراً ، هو الأثر المادي للعمل ، وهو بالتالي منفعة العمل التي يشتريها المستأجر من العامل بالأجرة . فمنفعة العمل شيء مغاير للعمل ولطاقة العمل ، وهي كذلك ليست جزءاً من كيان الانسان ، وإنما هي بضاعة لها قيمة ، بمقدار ما لتلك المنفعة ضمن الخشب الذي أصبح بالتعديل سريراً في مثالنا السابق ، دون أي تناقض بين ما يشتريه وما يتسلمه[1].
ولا يفوتنا أن نلاحظ الفرق بين منفعة العمل ، والمواد الطبيعية الخام النادرة نسبياً ، كالخشب والمادة المعدنية . فإنها وإن كانت جميعا ذات قيم تبادلية ، وفقاً للمقياس العام في القيمة ، غير أن منفعة العمل - وهي حالة التعديل التي تحصل في المادة الطبيعية ، نتيجة للعمل - كالخشب الذي يصبح سريراً - بوصفها ذات بضاعة ناتجة عن عمل إنساني ، تتمتع بعنصر الإرادة والاختيار . فمن الممكن للإرادة الانسانية ، أن تتدخل في جعل هذه البضاعة نادرة ، وبالتالي في رفع ثمنها ، كما تقوم به نقابات العمال في البلدان الرأسمالية . ولهذا يبدو - لأول وهلة - كأن هذه البضاعة تحدد أثمانها اعتباطاً ، ووفقاً لمدى القوى السياسية لتلك النقابات ، ولكن الواقع أنها تخضع لنفس المقياس العام للقيمة ، غير أن الإرادة الإنسانية بإمكانها أن تتدخل أحياناً ، فتجعل المقياس يرتفع ، وتزداد بذلك الأجور .
ولنواصل الآن - بعد أن درسنا نظرية القيمة الفائضة - استعراض المراحل الأخرى من تحليل الماركسية للمجتمع الرأسمالي . فقد عرفنا - حتى الآن : أن ماركس وضع نظرية القيمة الفائضة ، على أساس قانونه الخاص في القيمة ، وفسر في ضوئها طبيعة الربح الرأسمالي ، وانتهى من ذلك إلى أن التناقض الأساسي في الرأسمالية ، يكمن في الربح الرأسمالي ، بوصفه سرقة يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور .
[1]راجع منية الطالب في حاشية المكاسب ص 16 .
وحين فرغ ماركس من فكرتيه الاساسيتين المتشابكتين : ( قانون القيمة ، نظرية القيمة الفائضة ) ، واطمأن إلى كشفهما عن التناقض الأساسي في الرأسمالية بدأ يستنتج في ضوئهما قوانين هذا التناقض التي تسوق الرأسمالية إلى حتفها المحتوم .
فأول هذه القوانين : قانون الصراع والكفاح الطبقي الذي يخوضه الأجراء ضد الطبقة الرأسمالية . والفكرة في هذا القانون ترتكز على التناقض الأساسي ، الذي كشفت عنه نظرية القيمة الفائضة : بين ما يدفعه الرأسمالي إلى العامل من أجور ، وما يتسلمه من نتاج . فحيث ان الرأسمالي يقتطع من العامل جزءاً من القيمة التي يخلقها ، ولا يدفع إليه إلا جزءاً منها . . فهو يقف من العامل موقف السارق ، وهذا يؤدي - بطبيعة الحال : إلى قيام صراع عنيف بين الطبقة المسروقة والطبقة السارقة .
ويجيء بعد ذلك دور قانون أخر ، ليعمل في تشديد هذا الصراع ومضاعفته ، وهو قانون : انخفاض الربح ، أو بكلمة أخرى : اتجاه معدل الأرباح دائماً إلى الهبوط .
وترتكز الفكرة في هذا القانون ، على الاعتقاد بأن التنافس بين مشاريع الإنتاج ، الذي يسود المراحل الأولى من الرأسمالية ، يؤدي إلى المزاحمة والسباق بين المنتجين الرأسماليين أنفسهم ومن طبيعة هذا السباق أن يدفع الإنتاج الرأسمالي إلى الأمام ، ويجعل كل رأسمالي حريصاً على إنماء مشروعه وتحسينه سعياً وراء المزيد من الربح ، ولا يجد كل فرد من الطبقة المالكة - لأجل هذا - مناصاً عن تحويل جزء من أرباحه إلى رأس مال ، والاستفادة بصورة مستمرة من التقدم العلمي والتكنيكي ، في تحسين الأدوات والآلات ، أو استبدالها بما هي أكثر كفائة وأضخم إنتاجاً ، ليستطيع أن يواكب حركة الإنتاج الرأسمالي مع منافسه الآخرين ، ويعصم نفسه من السقوط في منتصف الطرق . فهناك إذن في وضع المجتمع الرأسمالي قوة ترغم الرأسمالي على تراكم رأس المال ، وتحسين الأدوات وتنميتها ، وهي قوة المزاحمة بين الرأسماليين أنفسهم .
وينبثق عن هذه الضرورة لتراكم رأس المال ، قانون اتجاه معدل الأرباح دائماً إلى
الهبوط . لأن الإنتاج الرأسمالي - في نموه - يتزايد اعتماده على الآلات والمعدات ، تبعاً لتقدم العلمي في هذا المضمار ، وتقل الكمية التي يحتاجها من العمل بصورة متناسبة مع تقدم الآلات وتكاملها . وهذا يعني انخفاض القيمة الجديدة التي يخلقها الإنتاج ، تبعاً لانخفاض كمية العمل المنفق في هذا السبيل ، فينخفض الربح الذي يعبّر عن جزء من تلك القيمة الجديدة .
ولا يملك الرأسماليون إزاء هذه الضرورة ( ضرورة انخفاض الربح ) من علاج ، إلا مطالبة العمال بكميات أكبر من العمل بنفس الأجرة السابقة ، أو تخفيض نصيبهم ، القيمة الجديدة التي يخلقونها ، بالتقليل من أجورهم . وبذلك يشتد الصراع بين الطبقتين . ويصبح تزايد البؤس والحاجة في أوساط العمال ، قانوناً حتمياً في المجتمع الرأسمالي .
ومن الطبيعي أن تنجم بعد ذلك أزمات شديدة ، لعدم تمكّن الرأسماليين من تصريف بضائعهم ، نتيجة لانخفاض مستوى القدرة الشرائية عند الجماهير ويصبح من الضروري التفتيش عن أسواق خارج الحدود ، فتبدأ الرأسمالية مرحلتها الاستعمارية والاحتكارية ، في سبيل ضمان أرباح الطبقة الحاكمة . ويتهاوى تحت نير الاحتكار الضعفاء نسبياً يتسع نطاق الطبقة الكادحة إذ تتلقى بكل حرارة أولئك البورجوازيين الضعفاء ، الذين يخرّون صرعى في معركة الاحتكار الرأسمالي . ومن ناحية أخرى : تبدأ الطبقة البورجوازية تفقد مستعمراتها ، بفضل الحركات التحررية في تلك المستعمرات ، وتتفاقم الأزمات شيئاً بعد شيء ، حتى يصل المنحنى التاريخي إلى النقطة الفاصلة ، ويتحطم الكيان الرأسمالي كله ، في لحظة ثورية يشعل نارها الكادحون والعمال .
هذه صورة ملخصة عن مراحل التحليل الماركسي للرأسمالية ، يمكننا الآن تحليلها في ضوء دراستنا السابقة .
فمن الملاحظ بوضوح أن قانون الصراع الطبقي ، القائم على أساس التناقض الكامن في الربح ، يتوقف مصيره على نظرية القيمة الفائضة . فإذا انهارت هذه النظرية - كما رأينا - تلاشى التناقض العملي المزعوم وبطلت فكرة الصراع الطبقي المستوحاة من ذلك التناقض .
وأما قانون انخفاض الربح ، فهو نتيجة للقاعدة المركزية في الاقتصاد الماركسي وهي قانون القيمة . فإن ماركس يرى في إن انخفاض كمية العمل المنفقة خلال الإنتاج ، بسبب تحسين الآلات وكثرتها ، سبباً لانخفاض قيمة السلعة وضآلة الربح ، لأن القمة ليست إلا وليدة العمل ، فإذا قلت كمية العمل بسبب تزايد الآلات ، انخفضت القيمة وتقلص الربح ، الذي يعبر عن جزء من القيمة المنتجة . وإذا كان قانون انخفاض الربح ، الذي يعبر عن جزء من القيمة المنتجة . وإذا كان قانون انخفاض الربح مرتكزاً على تلك القاعدة ، في دراستنا السابقة ، ويصبح من الممكن علمياً أن يتناقض معدل الربح بزيادة الآلات والمواد الخام ، وانخفاض كمية العمل ، ما دام العمل ليس هو الجوهر الوحيد للقيمة .
ولنأخذ - بعد ذلك - قانون البؤس المتزايد . إن هذا القانون يقوم على أساس التعطل ، الناتج عن إحلال الآلات والوسائل الحديثة محل العمال ، في عملية الإنتاج ، فكل جهاز أو تحسين جديد في الجهاز ، يقذف بعدد من العمال إلى الشارع . ولما كانت حركة الإنتاج في تقدم مستمر ، فسوف ينمو جيش العاطلين الذي يطلق عليه ماركس اسم : الجيش الاحتياطي للرأسماليين ، وينمو تبعاً له البؤس والفاقة ، والموت جوعاً هنا وهناك .
وفي الحقيقة أن هذا القانون استمده ماركس من تحليل ( ريكاردو ) للآلات ، وأثرها على حياة العمال فقد سبق ( ريكاردو ) إلى نظرية التعطل ، بسبب تضاءل الحاجة إلى الأيدي العاملة ، بعد صنع المقدار المطلوب من الآلات الأكثر كفاية . وقد أضاف ماركس إلى ذلك ظاهرة أخرى ، تنجم عن إحلال الآلات محل العمل ، وهي إمكان إشغال أي إنسان سوي في عملية الإنتاج الآلي ، حتى النساء
والأطفال ، دون حاجة إلى خبرة سابقة . وبهذا يستبدل العمال الماهرون بغيرهم ، بأجور أرخص ، وتهبط قدرة العمل المساومة في الأجور ، وبالتالي يزداد البؤس ويتفاقم يوماً بعد يوم .
وحينما وجد الماركسيون - بعد ماركس : ان البؤس في المجتمعات الرأسمالية والأوروبية والأمريكية ، لا ينمو ولا يشتد وفقاً لقانون ماركس ، اضطروا إلى تأويل القانون ، فزعموا : أن البؤس النسبي في تزايد ، وإن كانت حالة العمال إذا أخذت بصورة منعزلة عن حالة الرأسماليين . . . تتحسن على مر الزمن ، بسبب شتى المؤثرات والعوامل ، وفي هذا نجد مثالاً من عدة أمثلة ، بيّناها خلال دراستنا لخلط الماركسية ، بين قوانين الإقتصاد والحقائق الاجتماعية ، والدمج بينما بطريقة تؤدي إلى نتائج خاطئة ، بسبب إصرار الماركسية على تفسر المجتمع كله في ضوء الظواهر الاقتصادية . ولنفترض مثلاً : أن الحالة النسبية للعمال تتردى على مر الزمن - أي حالتهم بالنسبة إلى الرأسماليين - ولكنها من ناحية أخرى - بما هي حالية منظوراً إليها بصورة مستقلة - تتحسن وتزداد رخاء وسعة . . فمن حق الماركسية - إذ صح هذا - أن تعبر عن هذا الظاهرة تعبيراً اقتصادياً محدداً ، ولكن ليس من حقها أن تعبر عنها تعبيراً اجتماعياً فتعلن عن ضرورة تزايد البؤس في المجتمع . فإن تردي الحالة النسبة لا يعني بؤساً ، ما دامت تتحسن بصورة مستقلة . وإنما اضطرت الماركسية إلى هذا التعبير بالذات ، لتصل عن طريق ذلك إلى استكشاف القوة الحتمية الدافعة إلى الثورة ، وهي البؤس المتعاظم باستمرار . ولم تكن الماركسية لتصل إلى هذا الكشف ، لو لم تستعر للظواهر الاقتصادية أسماء اجتماعية ، ولو لم تطلق على حالة التردي النسبي اسم : البؤس :
وأخيراً ، فما هي أسباب الحاجة والفاقة ، التي كان يجدها ماركس مخيمة على المجتمع الرأسمالي .
إن الحاجة والفاقة وألوان الفقر والتسكع ، لم تنشأ عن السماح بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج ، وإنما نشأت عن الإطار الرأسمالي لهذه الملكية ، عن اكتساح هذه
الملكية الخاصة لكل وسائل الإنتاج ، وعدم الاعتراف بمبدأ الملكية العامة إلى جانبه ، ولا بحقوق ثابتة في الأموال الخاصة للضمان الاجتماعي ، ولا بحدود خاصة لتصرفات المالكين في أموالهم . وأما إذا سمح المجتمع بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج ، ووضع إلى جانب ذلك مبادئ الملكية العامة لقسم كبير من وسائل الإنتاج ، والضمان الاجتماعي ، والحرية الاقتصادية المحدودة بحدود من المصلحة العامة ، تحول دون تمركز الأموال في أيدي فئة قليلة . . أما إذا قام المجتمع بذلك كله ، فلن يوجد في المجتمع الذي يوفق بين هذه المبادئ ، ظل للبؤس أو ظاهرة من ظواهر الحاجة والشقاء التي نبعت من طبيعة النظام الرأسمالي في المجتمعات الأوربية .
وأما الاستعمار ، فقد رأينا أن الماركسية تفسره تفسيراً اقتصادياً خالصاً أيضاً فتعتبره نتيجة حتمية للمرحلة العليا من الرأسمالية ، حين تعود الأسواق والخيرات الداخلية ، غير كافية لتمشية مصالح الطبقة الرأسمالية ، فتضطر إلى امتلاك أسواق وخيرات البلاد الخارجية عن طريق الاستعمار .
ولكن الواقع : أن الاستعمار ليس تعبيراً اقتصادياً عن المرحلة المتأخرة من الرأسمالية ، وإنما هو التعبير العملي بصورة أعمق عن العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ، ومفاهيمها عن الحياة ، وأهدافها وغاياتها ، فإن هذه العقلية هي التي جعلت الحصول على أكبر ربح مادي ممكن ، هو الهدف الأعلى ، بقطع النظر عن نوعية الوسائل ، وطابعها الخلقي ، ونتائجها في المدى البعيد .
والدليل على هذا من الواقع ، أن الاستعمار بدأ منذ بدأت الرأسمالية وجودها التاريخي في المجتمعات الأوربية ، بعقليتها ومقاييسها ، ولم ينتظر حتى تصل الرأسمالية إلى مرحلتها العليا ، ليكون تعبيراً عن ضرورة اقتصادية خالصة . فقد اقتسمت الدول الأوروبية البلاد الضعيفة ، في مطلع الرأسمالية بكل وقاحة واستهتار . فكان لبريطانيا الهند وبورما وجنوب أفريقيا ومصر والسودان وغيرها . . ولفرنسا الهند الصينية والجزائر ومراكش وتونس ومدغشكر وغيرها من المستعمرات ، وكان لألمانيا