بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 218


هذا هو المذهب الماركسي بكلتا مرحلتيه ، الاشتراكية والشيوعية ومن الواضح أن لدراسة المذهب - أي مذهب - أساليب ثلاثة :
الأول : نقد المبادئ والأسس الفكرية ، التي يرتكز عليها المذهب .
والثاني : دراسة مدى انطباق تلك المبادئ والأسس على المذهب ، الذي أقيم عليها .
والثالث : بحث الفكرة الجوهرية في المذهب من ناحية إمكان تطبقها ، ومدى ما تتمتع به الفكرة من واقعية وإمكان آخر استحالة وخيال .
وسوف نأخذ في دراستنا للمذهب الماركسي ، بهذه الأساليب الثلاثة مجتمعة .
نقد المذهب بصورة عامة ونواجه منذ البدء في دارسة الماركسية المذهبية - على ضوء الأساليب السابقة - أهم وأخطر سؤال ، على صعيد البحث المذهبي ، وهو السؤال عن الدليل الأساسي الذي يرتكز عليه المذهب ، ويبرز بصورة منطقية الدعوة إليه وتبنّيه ، وبالتالي تطبيقه وبناء الحياة على أساسه .
إن ماركس لا يستند في تبرير الاشتراكية والشيوعية ، إلى قيم ومفاهيم حلقية معينة في المساواة ، كما يتجه إلى ذلك غيره من الاشتراكيين ، الذين يصفهم ماركس بأنهم خياليون . وذلك لأن القيم والمفاهيم الخلقية ، ليست في أي الماركسية إلا وليدة العامل الاقتصادي ، والوضع الاجتماعي للقوى المنتجة . فلا معنى للدعوة إلى وضع اجتماعي على أساس خلقي بحت .
وإنما يستند ماركس إلى قوانين المادية التاريخية ، التي تفسر حركة التاريخ في ضوء تطورات القوى المنتجة وأشكالها المختلفة . فهو يعتبر تلك القوانين الأساس العلمي للتاريخ ، والقوة التي تصنع له مراحله المتعاقبة في نقاط زمنية محددة ، وفقاً لوضع القوى المنتجة وشكلها الاجتماعي السائد .
ويرى في هذا الضوء : أن الاشتراكية نتيجة محتومة لتلك القوانين ، التي تعمل عملها الصارم في سبيل تحويل المرحلة الأخيرة للطبقة ، وهي المرحلة الرأسمالية ، إلى


صفحه 219


مجتمع اشتراكي لا طبقي . أما كيف تعمل قوانين المادية التاريخية الماركسية على أنقاض الرأسمالية ؟ ‌ ! ، فهذا ما يشرحه ماركس - كما مر بنا سابقاً - في بحوثه التحليلية للاقتصاد الرأسمالية - وفقاً لقوانين المادية التاريخية - إلى حتفها ، وتصل بالركب البشري إلى المرحلة الاشتراكي وبكلمات قلائل : أن قوانين المادية التاريخية هي القاعدة العامة لكل مراحل التاريخ ، في رأي ماركس ، والأسس التحليلية في الاقتصاد الماركسية - كقانون القيمة ونظرية القيمة الفائضة - عن محاولة تطبق تلك القوانين على المرحلة الرأسمالية ، والاشتراكية المذهبية هي النتيجة الضرورية لهذا التطبيق ، والتعبير المذهبي عن المجرى التاريخي المحتوم للرأسمالية ، كما تفرضه القوانين العامة للتاريخ .
ونحن في بحثنا الموسع عن المادية التاريخية - بقوانينها ومراحلها - قد انتهينا إلى نتائج غير ماركسية . فقد عرفنا بوضوح أن الواقع التاريخي للانسانية لا يسير في موكب المادية التاريخية ، ولا يستند محتواه الاجتماعي من وضع القوى المنتجة وتناقضاتها وقوانينها . كما تبينا - من خلال دراستنا لقوانين الإقتصاد الماركسي - خطأ الماركسية - في الأسس التحليلية . التي فسرت في ضوئها تناقض الرأسمالية من جهات شتى ، وزحفها المستمر نحو نهايتها المحتومة . فان تلك التناقضات كانت ترتكز كلها على القانون الماركسي للقيمة ، ونظرية القيمة الفائضة . فإذا انهارت هاتان الركيزتان ، تداعى البناء كله .
وحتى إذا افترضنا أن الماركسية كانت على صواب في دراستها التحليلية للاقتصاد الرأسمالي ، فإن تلك الأسس إنما تكشف عن القوة أو التناقضات ، التي تحكم على الرأسمالية بالموت البطئ ، حتى تلفظ آخر أنفاسها ، ولكنها لا تبرهن على أن الاشتراكية الماركسية هي البديل الوحيد الذي يحل محل الرأسمالية ، في المجرى التاريخي للتطور . بل هي تفسح المجال لأشكال اقتصادية متعددة أن تحتل مركز الرأسمالية من المجتمع ، سواء الاشتراكية الماركسية ، كاشتراكية الدولة بلون من


صفحه 220


ألوانها ، أو الاقتصاد المزدوج من أشكال متعددة للملكية ، أو إعادة توزيع الثروة من جديد على المواطنين في إطار الملكية الخاصة ، وما إلى ذلك من أشكال تعالج أزمة الرأسمالية ، دون الاضطرار إلى الاشتراكية الماركسية .
وبذلك تخسر الماركسية المذهبية برهانها العلمي ، وتفقد طابع الضرورة التاريخية الذي كانت تستمده من قوانين المادية التاريخية ، والأسس الماركسية في التاريخ والاقتصاد . وبعد أن تنزع الفكرة المذهبية عنها الثوب العلمي . تبقى في مستوى سائر الاقتراحات المذهبية .


صفحه 221


< فهرس الموضوعات > 1 - الاشتراكية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > محو الطبقية < / فهرس الموضوعات > 1 - الاشتراكية :
ولنأخذ الآن بدراسة الأركان والمعالم الرئيسية للاشتراكية ، بشيء من التفصيل .
فالركن الأول : هو محو الطبقية ، الذي يضع حداً فاصلاً لما زخر به تاريخ البشرية - على مر الزمن - من ألوان الصراع . لأن مرد تلك الألوان إلى التناقض الطبقي ، الذي نتج عن انقسام المجتمع إلى مالكين ومعدمين فإذا قامت الاشتراكية وحولت المجتمع إلى طبقة واحدة ، زال التناقض الطبقي ، واختفت كل ألوان الصراع ، وساد الوئام والسلام إلى الأبد .
وتقوم الفكرة في هذا على أساس رأي المادية التاريخية القائل : إن العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي الوحيد في حياة المجتمع . فقد أدى هذا الرأي مالكين ومعدمين ، هي الأساس الواقعي للتركيب الطبقي في المجتمع . ولكن ما يتمخض عنه هذا التركيب من تناقض وصراع . وما دام المجتمع الاشتراكي يلغي الملكية الخاصة ، ويؤمم وسائل الإنتاج ، فهو ينسف الأساس التاريخي للطبقية ، ويصبح من المستحيل أن يواصل التركيب الطبقي وجوده ، بعد زوال الشروط الاقتصادية التي كان يرتكز عليها .
وقد عرفنا في دراستنا للمادية التاريخية : ان العامل الاقتصادي ، ووضع الملكية الخاصة ، ليس هو الأساس الوحيد لكل التركيبات الطبقية على مسرح التاريخ . فكم من تركيب طبقي كان يقوم على أسس عسكرية أو سياسية أو دينية ؟ ! كما رأينا فيما


صفحه 222


سبق . فليس من الضروري تاريخياً أن تختفي الطبقية بإزالة الملكية الخاصة ، بل من الممكن أن يحدث للمجتمع الاشتراكي تركيب طبقي على أساس آخر .
ونحن إذا حلّلنا المرحلة الاشتراكية ، وجدنا أنها تؤدي - بطبيعتها الاقتصادية والسياسية - إلى خلق لون جديد من التناقض الطبقي ، بعد القضاء على الأشكال الطبقية السابقة .
أما الطبيعة الاقتصادية للمرحلة الاشتراكية ، فتمثل في مبدأ التوزيع القائل ( من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ) وسوف نرى عند دراسة هذا المبدأ : كيف أنه يؤدي إلى خلق التفاوت من جديد ؟ فلنأخذ الآن الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية بالبحث والتمحيص .
إن الشرط الأساسي للتجربة الثورية الاشتراكية ، أن تتحقق على أيدي ثوريين محترفين يتسلمون قيادتها . إذ ليس من المعقول أن تباشر البروليتاريا ، بجميع عناصرها ، قيادة الثورة وتوجيه التجربة ، وإنما يجب أن تمارس نشاطها الثوري في ظل القيادة والتوجيه . ولذلك أكد لينين ، بعد فشل ثورة ( 1905 ) على : أن الثوريين المحترفين ، هم وحدهم الذين يستطيعون أن يؤلفوا حزباً جديداً بلشفي الطراز . . . وهكذا نجد أن القيادة الثورية للطبقة العاملة ، كانت ملكاً طبيعياً لمن يدعون أنفسهم بالثوريين المحترفين ، كما كانت القيادة الثورية للفلاحين والعمال في ثورات سابقة ، ملكاً لأشخاص ليسوا من الفلاحين والعمال ، مع فارق واحد بين الحالين ، وهو أن الامتياز القيادي للأشخاص في المرحلة الاشتراكية لا يعبّر عن نفوذ اقتصادي ، وإنما ينشأ عن خصائص فكرية وثورية وحزبية خاصة . وقد كان هذا اللون الثوري والحزبي ستاراً على واقع التجربة الاشتراكية التي مرت بها أوروبا الشرقية ، حجب الحقيقة عن الناس ، فلم يستطيعوا أن يتبينوا - بادئ الأمر - في تلك القيادة الثورة للتجربة الاشتراكية ، بذرة لأفظع ما تصف الماركسية من ألوان الطبقية في التاريخ . لأن هذه القيادة يجب أن تستلم السلطة بشكل مطلق لطبيعة المرحلة الاشتراكية في رأي الماركسية القائل : بضرورة قيام دكتاتورية وسلطة مركزية مطلقة ، لتصفية


صفحه 223


حسابات الرأسمالية نهائيا . فقد وصف لينين طبيعة السلطة في جهاز الحزب ، التي تمتلك السلطة الحقيقية في البلاد خلال الثورة قائلاً :
( في المرحلة الراهنة من الحرب الأهلية الحادة ، لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبه ، إلا إذا كان منظماً بأقصى نمط مركزي وإلا إذا سيطر جهازه المركزي جهازاً قوياً متسلطاً يتمتع بصلاحيات واسعة وبثقة أعضاء الحزب الكلية ) .
وأضاف ستالين إلى ما تقدم :
( هذا هو الوضع فيما يتعلق بالنظام في الحزب ، أثناء فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية ، ويجب - بل حتى إلى درجة أعظم - أن يقال الشيء ذاته عن النظام في الحزب بعد أن يكون قد تم تحقيق الدكتاتورية ) .
فالتجربة الاشتراكية إذن تتميز بصورة خاصة عن سائر التجارب الثورية ، بأنها مضطرة كما يرى أقطابها - إلى الاستمرار في النهج الثوري . والأسلوب المطلق في الحكم ، داخل نطاق الحزب وخارجه ، من أجل خلق الإنسان الاشتراكي الجديد ، البريء من أمراض المجتمعات الطبقية وميولها الاستغلالية التي عاشتها الإنسانية آلاف السنين .
وهكذا يصبح من الضروري أن يباشر الثوريون القادة ، ومن يدور في فلكهم الحزبي ، السلطة بشكل غير محدود ، ليتأتى لهم تحقيق المعجزة وصنع الإنسان الجديد .
وحين نصل إلى هذه المرحلة من تسلسل التجربة الاشتراكية ، نجد أن هؤلاء القادة في الجهاز الحزبي والسياسي وأنصارهم ، يتمتعون بإمكانات لم تتمتع بها أكثر الطبقات على مر التاريخ ، ولا يفقدون من خصائص الطبقة شيئاً ، فهم قد كسبوا سلطة مطلقة على جميع الممتلكات ، ووسائل الإنتاج المؤممة في البلاد ، ومركزاً سياسياً يتيح لهم الانتفاع بتلك الممتلكات ، والتصرف بها طبقاً لمصالحهم الخاصة ، وإيماناً راسخاً بأن سيطرتهم المطلقة تكفل السعادة والرخاء لجميع الناس كما كانت تؤمن بذلك الفئات السابقة . التي مارست الحكم في العهود الاقطاعية والرأسمالية .


صفحه 224


والفرق الوحيد بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين ، وسائر الطبقات التي حدثتنا الماركسية عنها : أن تلك الطبقات كانت توجد وتنمو - في رأي الماركسيين - تبعاً لعلاقات الملكية القائمة بين الناس . وطبيعة هذه العلاقات هي التي كانت تحدد اندراج هذا الشخص ضمن هذه الطبقة أو تلك . وأما هؤلاء المالكون الجدد في المرحلة الاشتراكية ، فليست طبيعة الملكية هي التي تحدد اندراجهم في الطبقة الحاكمة . فلا يندرج هذا الشخص أو ذاك في الطبقة الحاكمة لأن له ملكية خاصة بدرجة معينة في المجتمع ، كما كانت تفترض الماركسية بالنسبة إلى المجتمعات الطبقية السابقة ، بل العكس هو الذي يصدق على المجتمع الاشتراكي الماركسي . فإن هذا أو ذلك يتمتع بامتيازات خاصة ، أو المحتوى الحقيقي للملكية لأنه مندرج في الطبقة الحاكمة .
وتفسير هذا الفرق بين الطبقة في المجتمع الاشتراكي ، وغيرها من الطبقات . . واضح . فإن هذا الطبقة لم تولد على الصعيد الاقتصادي ، الذي ولدت عليه سائر الطبقات في زعم الماركسية ، وإنما نشأت ونمت على الصعيد السياسي ، ضمن تنظيم ذي طراز معين ، قائم على أسس فلسفية وعقائدية وفكرية خاصة ، أي ضمن الحزب الثوري الذي يتزعم التجربة . فالحزب بنظامه وحدوده الخاصة هو مصنع هذه الطبقة الحاكمة .
وتنحصر مظاهر هذه الطبقة الحزبية ، فما يتمتع به أفراد هذه الطبقة من امتيازات الإدارة غير المحدودة ، التي تمتد من إدارة الدولة وإدارة المؤسسات الصناعية ومشاريع الإنتاج . . إلى كل مناحي الحياة كما تنعكس أيضاً في التناقضات الشديدة . بين أجور العمال ورواتب موظفي الحزب .
وفي ضوء الظروف الطبقية ، التي تؤدي إليها المرحلة الاشتراكية الماركسية ، يمكن أن نفسر ألوان التناقض والصراع على الصعيد السياسي ، في العالم الاشتراكي ، التي تتمثل أحياناً في عمليات تطهير هائلة . فإن الطبقة الممتازة في ظل التجربة الاشتراكية ، وإن نشأت في داخل الحزب كما رأينا ، إلا أنها من ناحية لا تشمل الحزب كله ومن ناحية أخرى يمكن أن تمتد إلى خارج نطاق الحزب ، طبقاً للظروف التي تكتنف القيادة ومتطلباتها .


صفحه 225


ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفردة بالامتياز ، معارضة شديدة في داخل الحزب ، من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة بالرغم من حزبيتهم ، أو طردتهم من حضيرتها فأخذوا يعتبرون هذا التركيب الطبقي الجديد ، خيانة للمبادئ التي ينادون بها .
وكذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب ، ممن أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم ، على شكل امتيازات خاصة وحقوق معينة ، وإحتكارات للأجهزة الإدارية والمرافق الحيوية في البلاد .
ويبدو من المنطقي - بعد ذلك - ان تحدث عمليات تطهير واسعة النطاق - كما يسمها الشيوعيون - بوصفها انعكاساً لتلك الظروف والتناقضات الطبقة . ومن الطبيعي أيضاً أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها وشمولها ، تبعاً لقوة المركز الطبقي الذي تتمتع به الفئة الحاكمة في الحزب والدولة .
ويكفينا لكي نتبين مدى الصرامة وقوة الشمول ، التي تتسم بها تلك العمليات ، أن نعلم أنها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب كما تجري في القاعدة ، باستمرار وعنف قد يفوق كثيراً العنف الذي تعرضه الماركسية كطابع عام لأشكال التناقض الطبقي المختلفة في التاريخ . فقد شملت عمليات التطهير في مرة تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر ، الذين كانوا يديرون دفة الحكومة السوفياتية عام ( 1936 ) ، وشملت أيضاً خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفيات التنفيذية المركزية ، التي وضعت دستور 1936 ، واكتسحت ثلاثة وأربعين أميناً من أمناء سر منظمة الحزب المركزية ، الذين كان يبلغ مجموعهم ثلاثة وخمسين أميناً ، وكذلك سبعين عضواً من أعضاء المجلس الحزب الثمانين ، وثلاثة من مارشالات الجيش السوفياتي الخمسة ، و 60 % تقريباً من مجموع جنرالات السوفيات ، وجميع أعضاء المكتب السياسي الأول الذي أنشأه لينين بعد الثورة ، باستثناء ستالين . كما أدت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب ، وما حل عام ( 1939 ) حتى كان عدد أعضاء الحزب الرسمي مليونين ونصف المليون عضو ،