بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 222


سبق . فليس من الضروري تاريخياً أن تختفي الطبقية بإزالة الملكية الخاصة ، بل من الممكن أن يحدث للمجتمع الاشتراكي تركيب طبقي على أساس آخر .
ونحن إذا حلّلنا المرحلة الاشتراكية ، وجدنا أنها تؤدي - بطبيعتها الاقتصادية والسياسية - إلى خلق لون جديد من التناقض الطبقي ، بعد القضاء على الأشكال الطبقية السابقة .
أما الطبيعة الاقتصادية للمرحلة الاشتراكية ، فتمثل في مبدأ التوزيع القائل ( من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ) وسوف نرى عند دراسة هذا المبدأ : كيف أنه يؤدي إلى خلق التفاوت من جديد ؟ فلنأخذ الآن الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية بالبحث والتمحيص .
إن الشرط الأساسي للتجربة الثورية الاشتراكية ، أن تتحقق على أيدي ثوريين محترفين يتسلمون قيادتها . إذ ليس من المعقول أن تباشر البروليتاريا ، بجميع عناصرها ، قيادة الثورة وتوجيه التجربة ، وإنما يجب أن تمارس نشاطها الثوري في ظل القيادة والتوجيه . ولذلك أكد لينين ، بعد فشل ثورة ( 1905 ) على : أن الثوريين المحترفين ، هم وحدهم الذين يستطيعون أن يؤلفوا حزباً جديداً بلشفي الطراز . . . وهكذا نجد أن القيادة الثورية للطبقة العاملة ، كانت ملكاً طبيعياً لمن يدعون أنفسهم بالثوريين المحترفين ، كما كانت القيادة الثورية للفلاحين والعمال في ثورات سابقة ، ملكاً لأشخاص ليسوا من الفلاحين والعمال ، مع فارق واحد بين الحالين ، وهو أن الامتياز القيادي للأشخاص في المرحلة الاشتراكية لا يعبّر عن نفوذ اقتصادي ، وإنما ينشأ عن خصائص فكرية وثورية وحزبية خاصة . وقد كان هذا اللون الثوري والحزبي ستاراً على واقع التجربة الاشتراكية التي مرت بها أوروبا الشرقية ، حجب الحقيقة عن الناس ، فلم يستطيعوا أن يتبينوا - بادئ الأمر - في تلك القيادة الثورة للتجربة الاشتراكية ، بذرة لأفظع ما تصف الماركسية من ألوان الطبقية في التاريخ . لأن هذه القيادة يجب أن تستلم السلطة بشكل مطلق لطبيعة المرحلة الاشتراكية في رأي الماركسية القائل : بضرورة قيام دكتاتورية وسلطة مركزية مطلقة ، لتصفية


صفحه 223


حسابات الرأسمالية نهائيا . فقد وصف لينين طبيعة السلطة في جهاز الحزب ، التي تمتلك السلطة الحقيقية في البلاد خلال الثورة قائلاً :
( في المرحلة الراهنة من الحرب الأهلية الحادة ، لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبه ، إلا إذا كان منظماً بأقصى نمط مركزي وإلا إذا سيطر جهازه المركزي جهازاً قوياً متسلطاً يتمتع بصلاحيات واسعة وبثقة أعضاء الحزب الكلية ) .
وأضاف ستالين إلى ما تقدم :
( هذا هو الوضع فيما يتعلق بالنظام في الحزب ، أثناء فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية ، ويجب - بل حتى إلى درجة أعظم - أن يقال الشيء ذاته عن النظام في الحزب بعد أن يكون قد تم تحقيق الدكتاتورية ) .
فالتجربة الاشتراكية إذن تتميز بصورة خاصة عن سائر التجارب الثورية ، بأنها مضطرة كما يرى أقطابها - إلى الاستمرار في النهج الثوري . والأسلوب المطلق في الحكم ، داخل نطاق الحزب وخارجه ، من أجل خلق الإنسان الاشتراكي الجديد ، البريء من أمراض المجتمعات الطبقية وميولها الاستغلالية التي عاشتها الإنسانية آلاف السنين .
وهكذا يصبح من الضروري أن يباشر الثوريون القادة ، ومن يدور في فلكهم الحزبي ، السلطة بشكل غير محدود ، ليتأتى لهم تحقيق المعجزة وصنع الإنسان الجديد .
وحين نصل إلى هذه المرحلة من تسلسل التجربة الاشتراكية ، نجد أن هؤلاء القادة في الجهاز الحزبي والسياسي وأنصارهم ، يتمتعون بإمكانات لم تتمتع بها أكثر الطبقات على مر التاريخ ، ولا يفقدون من خصائص الطبقة شيئاً ، فهم قد كسبوا سلطة مطلقة على جميع الممتلكات ، ووسائل الإنتاج المؤممة في البلاد ، ومركزاً سياسياً يتيح لهم الانتفاع بتلك الممتلكات ، والتصرف بها طبقاً لمصالحهم الخاصة ، وإيماناً راسخاً بأن سيطرتهم المطلقة تكفل السعادة والرخاء لجميع الناس كما كانت تؤمن بذلك الفئات السابقة . التي مارست الحكم في العهود الاقطاعية والرأسمالية .


صفحه 224


والفرق الوحيد بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين ، وسائر الطبقات التي حدثتنا الماركسية عنها : أن تلك الطبقات كانت توجد وتنمو - في رأي الماركسيين - تبعاً لعلاقات الملكية القائمة بين الناس . وطبيعة هذه العلاقات هي التي كانت تحدد اندراج هذا الشخص ضمن هذه الطبقة أو تلك . وأما هؤلاء المالكون الجدد في المرحلة الاشتراكية ، فليست طبيعة الملكية هي التي تحدد اندراجهم في الطبقة الحاكمة . فلا يندرج هذا الشخص أو ذاك في الطبقة الحاكمة لأن له ملكية خاصة بدرجة معينة في المجتمع ، كما كانت تفترض الماركسية بالنسبة إلى المجتمعات الطبقية السابقة ، بل العكس هو الذي يصدق على المجتمع الاشتراكي الماركسي . فإن هذا أو ذلك يتمتع بامتيازات خاصة ، أو المحتوى الحقيقي للملكية لأنه مندرج في الطبقة الحاكمة .
وتفسير هذا الفرق بين الطبقة في المجتمع الاشتراكي ، وغيرها من الطبقات . . واضح . فإن هذا الطبقة لم تولد على الصعيد الاقتصادي ، الذي ولدت عليه سائر الطبقات في زعم الماركسية ، وإنما نشأت ونمت على الصعيد السياسي ، ضمن تنظيم ذي طراز معين ، قائم على أسس فلسفية وعقائدية وفكرية خاصة ، أي ضمن الحزب الثوري الذي يتزعم التجربة . فالحزب بنظامه وحدوده الخاصة هو مصنع هذه الطبقة الحاكمة .
وتنحصر مظاهر هذه الطبقة الحزبية ، فما يتمتع به أفراد هذه الطبقة من امتيازات الإدارة غير المحدودة ، التي تمتد من إدارة الدولة وإدارة المؤسسات الصناعية ومشاريع الإنتاج . . إلى كل مناحي الحياة كما تنعكس أيضاً في التناقضات الشديدة . بين أجور العمال ورواتب موظفي الحزب .
وفي ضوء الظروف الطبقية ، التي تؤدي إليها المرحلة الاشتراكية الماركسية ، يمكن أن نفسر ألوان التناقض والصراع على الصعيد السياسي ، في العالم الاشتراكي ، التي تتمثل أحياناً في عمليات تطهير هائلة . فإن الطبقة الممتازة في ظل التجربة الاشتراكية ، وإن نشأت في داخل الحزب كما رأينا ، إلا أنها من ناحية لا تشمل الحزب كله ومن ناحية أخرى يمكن أن تمتد إلى خارج نطاق الحزب ، طبقاً للظروف التي تكتنف القيادة ومتطلباتها .


صفحه 225


ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفردة بالامتياز ، معارضة شديدة في داخل الحزب ، من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة بالرغم من حزبيتهم ، أو طردتهم من حضيرتها فأخذوا يعتبرون هذا التركيب الطبقي الجديد ، خيانة للمبادئ التي ينادون بها .
وكذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب ، ممن أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم ، على شكل امتيازات خاصة وحقوق معينة ، وإحتكارات للأجهزة الإدارية والمرافق الحيوية في البلاد .
ويبدو من المنطقي - بعد ذلك - ان تحدث عمليات تطهير واسعة النطاق - كما يسمها الشيوعيون - بوصفها انعكاساً لتلك الظروف والتناقضات الطبقة . ومن الطبيعي أيضاً أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها وشمولها ، تبعاً لقوة المركز الطبقي الذي تتمتع به الفئة الحاكمة في الحزب والدولة .
ويكفينا لكي نتبين مدى الصرامة وقوة الشمول ، التي تتسم بها تلك العمليات ، أن نعلم أنها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب كما تجري في القاعدة ، باستمرار وعنف قد يفوق كثيراً العنف الذي تعرضه الماركسية كطابع عام لأشكال التناقض الطبقي المختلفة في التاريخ . فقد شملت عمليات التطهير في مرة تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر ، الذين كانوا يديرون دفة الحكومة السوفياتية عام ( 1936 ) ، وشملت أيضاً خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفيات التنفيذية المركزية ، التي وضعت دستور 1936 ، واكتسحت ثلاثة وأربعين أميناً من أمناء سر منظمة الحزب المركزية ، الذين كان يبلغ مجموعهم ثلاثة وخمسين أميناً ، وكذلك سبعين عضواً من أعضاء المجلس الحزب الثمانين ، وثلاثة من مارشالات الجيش السوفياتي الخمسة ، و 60 % تقريباً من مجموع جنرالات السوفيات ، وجميع أعضاء المكتب السياسي الأول الذي أنشأه لينين بعد الثورة ، باستثناء ستالين . كما أدت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب ، وما حل عام ( 1939 ) حتى كان عدد أعضاء الحزب الرسمي مليونين ونصف المليون عضو ،


صفحه 226


< فهرس الموضوعات > السلطة الدكتاتورية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > التأميم < / فهرس الموضوعات > وعدد المطرودين مليونين عضو ، وبذلك كاد الحزب الشيوعي المطرود أن يوازي الحزب الشيوعي نفسه .
ولا نرمي من وراء هذا إلى التشهير بالجهاز الحاكم في المجتمع الاشتراكي - وليس التشهير من شأن هذا الكتاب - وإنما نرمى إلى تحليل المرحلة الاشتراكية تحليلاً علمياً ، لنجد : كيف تؤدي بطبيعتها المادية الدكتاتورية ، إلى ظروف طبقية تتمخض عن ألوان رهيبة من الصراع ؟ ‌ ! وإذا بالتجربة التي جاءت لتمحو الطبقية ، قد أنشأتها من جديد .
والسلطة الدكتاتورية - التي هي الركن الثاني في المرحلة الاشتراكية - ليست ضرورية لأجل تصفية حساب الرأسمالية فحسب ، كما تزعم الماركسية ، إذ تعتبرها ضرورة مؤقتة ، تستمر حتى يقضى على كل خصائص الرأسمالية الروحية والفكرية والاجتماعية . . وإنما تعبّر عن ضرورة أعمق في طبيعة الاشتراكية الماركسية ، المؤمنة بضرورة التخطيط الاقتصادي الموجه ، لكل شعب النشاط الاقتصادي في الحياة . فإن وضع مثل هذا التخطيط وتنفيذه يتطلب سلطة قوية لا تخضع للمراقبة ، وتتمتع بإمكانات هائلة ، ليتاح لها أن تقبض بيد حديدية على كل مرافق البلاد ، وتقسمها وفقاً لمخطط دقيق شامل . فالتخطيط الاقتصادي المركزي يفرض على السلطة السياسية طبيعة دكتاتورية إلى حد بعيد وليست مهمة تصفية الجو من التراث الرأسمالي ، وهي وحدها التي تفرض هذا اللون السياسي من الحكم .
ونصل بعد هذا إلى التأميم ، بوصفه الركن الثالث للمرحلة الاشتراكية . والفكرة العلمية في التأميم تقوم على : أساس تناقضات القيمة الفائضة ، التي تتكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، في رأي ماركس . فإن هذه التناقضات تتراكم ، حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة تاريخية لا محيد عنها .
وقد مر بنا الحديث عن هذه التناقضات المزعومة ، وكيف أنها تقوم على أسس


صفحه 227


تحليلية خاطئة ؟ ! ومن الطبيعي أن تمنى النتائج بالخطأ إذا كانت الأسس التي يقوم عليها التحليل مضللة وغير صحيحة .
وأما الفكر المذهبية في التأميم فتتلخص : في محو الملكية الخاصة وتتويج المجموع بملكية وسائل الإنتاج في البلاد كلها كما يملكها الآخرون .
غير أن هذه الفكرة تصطدم بواقع هو الواقع السياسي للمرحلة الاشتراكية الذي يتجسم في طبقة تتمتع بحكم دكتاتوري مطلق في أجهزة الحزب والدولة . فلا يكفي في هذه الحال أن تلغى المكية الخاصة قانونياً ، ويتم الإعلان عن ملكية المجموع للثروة . . ليتمتع هذا المجموع بملكيتها حقاً ، ويجد محتواها الحقيقي في حياته التي يعيشها . بل ان طبيعة الموقف السياسي سوف تجعل حظ المجموع في تملّكه حظاً قانونياً فحسب ، وتسمح للطبقة الحاكمة أن تتمتع بالمحتوى الحقيقي للملكية ، الذي يتمثل في سيطرتها المطلقة على مقدرات البلاد وثرواتها . وهكذا تحصل هذه الطبقة على نفس الفرص ، التي كان الرأسماليون الاحتكاريون يتمتعون بها في المجتمع الرأسمالي ، إذ تقف - فوق الأنظمة - وراء كل عمل من أعمال الدولة ، وتحتكر لنفسها حق تمثيل المجتمع اللا طبقي والتصرف في ممتلكاته ، وتصبح - في هذه اللحظة - أقدر من أي رأسمالي آخر على سرقة القيمة الفائضة ، فما هي الضمانات العلمية في هذا المجال ؟ !
وإذا أردنا أن نستعير من الماركسية لغتها ، أمكننا القول : بأن التأميم في المجتمع الاشتراكي الماركسي ، يبرز تناقضاً بين الملكية الاشتراكية للمجموع والجوهر الحقيقي للملكية الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة . فإن الملكية - بجوهرها الواقعي - ليست إلا السلطة على الثروة والقدرة على التمتع بها بمختلف الأساليب . وهذا الجوهر هو الذي تتمتع به القوة السياسية ، المهيمنة على كل كيانات المجتمع وينعكس على الصعيد القانوني بكل امتيازات وحقوق ليست في الحقيقة إلا ستاراً مزيفاً ، وترجمة قانونية لجوهر الملكية الحقيقي ، غير أن هذا المالك الجديد في المجتمع


صفحه 228


الاشتراكي الماركسي ، يختلف عن أي مالك سابق في نقطة ، وهي أنه لا يستطيع ان يعترف بملكيته قانونياً ، لأن ذلك يناقض طبيعة موقفه السياسي . فالاشتراكية - بحكم طبيعتها السياسية - تحمل بذرة هذا المالك الجديد وتخلقه عبر تجربتها ، وان كانت تفرض عليه في نفس الوقت أن ينكر دوره الحقيقي في الحياة الاقتصادية وتجعله أكثر حياء وخجلاً من الرأسمالي ، الذي كان يعلن بكل وقاحة عن ملكيته الخاصة .
وليس التأميم في الاشتراكية الماركسية حدثاً فريداً في التاريخ ، فقد وقعت تجارب سابقة لفكرة التأميم عبر التاريخ ، إذ قامت بعض الدول القديمة بتأميم كل وسائل الإنتاج ، وحصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه تماماً المكاسب ، التي حصلت عليها الاشتراكية الماركسية في تجربتها . ففي بعض الممالك الهيلينستية وفي مصر خاصة اتبعت الدولة مبدأ التأميم ، وأخضعت الإنتاج والمبادلة لإشرافها ، وتولت بنفسها إدارة معظم فروع ، الإنتاج ، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة ، ولكنه حيث كان ينفذ في إطار سلطة فرعونية مطلقة ، لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره . فإن التأميم في ظل سلطة مطلقة تنشئ الملكية الجماعية لتوسعة الإنتاج ، لا يمكن أن يؤدي واقعياً إلا إلى تملك السلطة نفسها ، وتحكمها في الممتلكات المؤممة . . ولهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظفين ، واستبداد السلطة التي كانت تتجسد في شخص الملك ، حتى قفز الملك إلى درجة ( إله ) وأصبحت القوى الهائلة تنفق كلها لحساب هذا الإله الحاكم ، وتحقيق رغباته من بناء المعابد والقصور والقبور .
ولم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم في اقدم العهود الفرعونية . . . بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسية في العصر الحديث ، من التقدم السريع في حركة الإنتاج . وتمتع السلطة بقوة تشتد وتنمو بشكل هائل ، وانحرافها وإستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤممة . فقد تقدمت حركة الإنتاج في ظل التجربة الحديثة للتأميم ، كما تقدمت في ظل التأميم الفرعوني ، لأن التسخير غير الحر ، في الإنتاج ، يثمر دائماً التقدم السريع الموقوت في حركة الإنتاج . ونشأ التأميم في كل من التجربتين في ظل سلطة عليا ، لا تعترف لنفسها بحدود لأن التأميم حينما يقصد منه


صفحه 229


تنمية الإنتاج فحسب ، يتطلب مثل هذه السلطة الحديدية .
ونتج عن ذلك في كل من التجربتين أيضاً ، استفحال أمر السلطة وتمتعها بالجوهر للملكية ، لأن التأميم لم يقم على أساس روحي ، أو قناعة بقيم خلقية للانسان ، وإنما قام على أساس مادي ، لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضاً بين هذا الهدف المادي ، وبين ما تحيط به نفسها من امتيازات ومتعة . ومن الطبيعي أيضاً ان لا يقر الجهاز الحاكم الملكية العامة عملياً ، إلا في حدود الدافع المادي الذي يدفعه إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته .
ولا يبدو غريباً بعد ذلك ، أن نجد جهاز الدولة في التجربة القديمة ، وهو يضج بخيانات الموظفين وإثرائهم على حساب الممتلكات العامة ، ونجد ستالين في التجربة الحديثة ، وهو يضطر إلى الاعتراف بأن كبار رجال الدولة والحزب قد استغلوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة ، فجمعوا الأموال والثروات حتى أنه أذاع ذلك في منشور عممه على جميع أبناء الشعب .
فالتشابه بين التجربتين الاشتراكيتين واضح كل الوضوح ، في الظواهر والنتائج ، بالرغم من اختلاف ظروفهما المدنية وأشكال الإنتاج فيهما .
وهذا يشير إلى ان الجوهر في كلتا التجربتين واحد ، مهما اختلفت الألوان والإطارات .
وهكذا نعرف أن كل تجربة للتأميم ، تمنى بنفس النتائج إذا كانت في نفس الإطار السياسي للتجربة الماركسية ، إطار السلطة المطلقة ، وكان قادة الماركسية تجربتهم على أساسه ، وهو تنمية الإنتاج التي هي القوة الدافعة للتاريخ على مر الزمن في مفاهيم المادية التاريخية .
وأما الركن الأخير من المرحلة الاشتراكية ، فهو - كما سبق - مبدأ التوزيع القائل : من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله .
ويرتكز هذا المبدأ - من الناحية العلمية - على القوانين المادية التاريخية . فإن المجتمع