ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفردة بالامتياز ، معارضة شديدة في داخل الحزب ، من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة بالرغم من حزبيتهم ، أو طردتهم من حضيرتها فأخذوا يعتبرون هذا التركيب الطبقي الجديد ، خيانة للمبادئ التي ينادون بها .
وكذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب ، ممن أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم ، على شكل امتيازات خاصة وحقوق معينة ، وإحتكارات للأجهزة الإدارية والمرافق الحيوية في البلاد .
ويبدو من المنطقي - بعد ذلك - ان تحدث عمليات تطهير واسعة النطاق - كما يسمها الشيوعيون - بوصفها انعكاساً لتلك الظروف والتناقضات الطبقة . ومن الطبيعي أيضاً أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها وشمولها ، تبعاً لقوة المركز الطبقي الذي تتمتع به الفئة الحاكمة في الحزب والدولة .
ويكفينا لكي نتبين مدى الصرامة وقوة الشمول ، التي تتسم بها تلك العمليات ، أن نعلم أنها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب كما تجري في القاعدة ، باستمرار وعنف قد يفوق كثيراً العنف الذي تعرضه الماركسية كطابع عام لأشكال التناقض الطبقي المختلفة في التاريخ . فقد شملت عمليات التطهير في مرة تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر ، الذين كانوا يديرون دفة الحكومة السوفياتية عام ( 1936 ) ، وشملت أيضاً خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفيات التنفيذية المركزية ، التي وضعت دستور 1936 ، واكتسحت ثلاثة وأربعين أميناً من أمناء سر منظمة الحزب المركزية ، الذين كان يبلغ مجموعهم ثلاثة وخمسين أميناً ، وكذلك سبعين عضواً من أعضاء المجلس الحزب الثمانين ، وثلاثة من مارشالات الجيش السوفياتي الخمسة ، و 60 % تقريباً من مجموع جنرالات السوفيات ، وجميع أعضاء المكتب السياسي الأول الذي أنشأه لينين بعد الثورة ، باستثناء ستالين . كما أدت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب ، وما حل عام ( 1939 ) حتى كان عدد أعضاء الحزب الرسمي مليونين ونصف المليون عضو ،
< فهرس الموضوعات > السلطة الدكتاتورية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > التأميم < / فهرس الموضوعات > وعدد المطرودين مليونين عضو ، وبذلك كاد الحزب الشيوعي المطرود أن يوازي الحزب الشيوعي نفسه .
ولا نرمي من وراء هذا إلى التشهير بالجهاز الحاكم في المجتمع الاشتراكي - وليس التشهير من شأن هذا الكتاب - وإنما نرمى إلى تحليل المرحلة الاشتراكية تحليلاً علمياً ، لنجد : كيف تؤدي بطبيعتها المادية الدكتاتورية ، إلى ظروف طبقية تتمخض عن ألوان رهيبة من الصراع ؟ ! وإذا بالتجربة التي جاءت لتمحو الطبقية ، قد أنشأتها من جديد .
والسلطة الدكتاتورية - التي هي الركن الثاني في المرحلة الاشتراكية - ليست ضرورية لأجل تصفية حساب الرأسمالية فحسب ، كما تزعم الماركسية ، إذ تعتبرها ضرورة مؤقتة ، تستمر حتى يقضى على كل خصائص الرأسمالية الروحية والفكرية والاجتماعية . . وإنما تعبّر عن ضرورة أعمق في طبيعة الاشتراكية الماركسية ، المؤمنة بضرورة التخطيط الاقتصادي الموجه ، لكل شعب النشاط الاقتصادي في الحياة . فإن وضع مثل هذا التخطيط وتنفيذه يتطلب سلطة قوية لا تخضع للمراقبة ، وتتمتع بإمكانات هائلة ، ليتاح لها أن تقبض بيد حديدية على كل مرافق البلاد ، وتقسمها وفقاً لمخطط دقيق شامل . فالتخطيط الاقتصادي المركزي يفرض على السلطة السياسية طبيعة دكتاتورية إلى حد بعيد وليست مهمة تصفية الجو من التراث الرأسمالي ، وهي وحدها التي تفرض هذا اللون السياسي من الحكم .
ونصل بعد هذا إلى التأميم ، بوصفه الركن الثالث للمرحلة الاشتراكية . والفكرة العلمية في التأميم تقوم على : أساس تناقضات القيمة الفائضة ، التي تتكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، في رأي ماركس . فإن هذه التناقضات تتراكم ، حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة تاريخية لا محيد عنها .
وقد مر بنا الحديث عن هذه التناقضات المزعومة ، وكيف أنها تقوم على أسس
تحليلية خاطئة ؟ ! ومن الطبيعي أن تمنى النتائج بالخطأ إذا كانت الأسس التي يقوم عليها التحليل مضللة وغير صحيحة .
وأما الفكر المذهبية في التأميم فتتلخص : في محو الملكية الخاصة وتتويج المجموع بملكية وسائل الإنتاج في البلاد كلها كما يملكها الآخرون .
غير أن هذه الفكرة تصطدم بواقع هو الواقع السياسي للمرحلة الاشتراكية الذي يتجسم في طبقة تتمتع بحكم دكتاتوري مطلق في أجهزة الحزب والدولة . فلا يكفي في هذه الحال أن تلغى المكية الخاصة قانونياً ، ويتم الإعلان عن ملكية المجموع للثروة . . ليتمتع هذا المجموع بملكيتها حقاً ، ويجد محتواها الحقيقي في حياته التي يعيشها . بل ان طبيعة الموقف السياسي سوف تجعل حظ المجموع في تملّكه حظاً قانونياً فحسب ، وتسمح للطبقة الحاكمة أن تتمتع بالمحتوى الحقيقي للملكية ، الذي يتمثل في سيطرتها المطلقة على مقدرات البلاد وثرواتها . وهكذا تحصل هذه الطبقة على نفس الفرص ، التي كان الرأسماليون الاحتكاريون يتمتعون بها في المجتمع الرأسمالي ، إذ تقف - فوق الأنظمة - وراء كل عمل من أعمال الدولة ، وتحتكر لنفسها حق تمثيل المجتمع اللا طبقي والتصرف في ممتلكاته ، وتصبح - في هذه اللحظة - أقدر من أي رأسمالي آخر على سرقة القيمة الفائضة ، فما هي الضمانات العلمية في هذا المجال ؟ !
وإذا أردنا أن نستعير من الماركسية لغتها ، أمكننا القول : بأن التأميم في المجتمع الاشتراكي الماركسي ، يبرز تناقضاً بين الملكية الاشتراكية للمجموع والجوهر الحقيقي للملكية الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة . فإن الملكية - بجوهرها الواقعي - ليست إلا السلطة على الثروة والقدرة على التمتع بها بمختلف الأساليب . وهذا الجوهر هو الذي تتمتع به القوة السياسية ، المهيمنة على كل كيانات المجتمع وينعكس على الصعيد القانوني بكل امتيازات وحقوق ليست في الحقيقة إلا ستاراً مزيفاً ، وترجمة قانونية لجوهر الملكية الحقيقي ، غير أن هذا المالك الجديد في المجتمع
الاشتراكي الماركسي ، يختلف عن أي مالك سابق في نقطة ، وهي أنه لا يستطيع ان يعترف بملكيته قانونياً ، لأن ذلك يناقض طبيعة موقفه السياسي . فالاشتراكية - بحكم طبيعتها السياسية - تحمل بذرة هذا المالك الجديد وتخلقه عبر تجربتها ، وان كانت تفرض عليه في نفس الوقت أن ينكر دوره الحقيقي في الحياة الاقتصادية وتجعله أكثر حياء وخجلاً من الرأسمالي ، الذي كان يعلن بكل وقاحة عن ملكيته الخاصة .
وليس التأميم في الاشتراكية الماركسية حدثاً فريداً في التاريخ ، فقد وقعت تجارب سابقة لفكرة التأميم عبر التاريخ ، إذ قامت بعض الدول القديمة بتأميم كل وسائل الإنتاج ، وحصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه تماماً المكاسب ، التي حصلت عليها الاشتراكية الماركسية في تجربتها . ففي بعض الممالك الهيلينستية وفي مصر خاصة اتبعت الدولة مبدأ التأميم ، وأخضعت الإنتاج والمبادلة لإشرافها ، وتولت بنفسها إدارة معظم فروع ، الإنتاج ، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة ، ولكنه حيث كان ينفذ في إطار سلطة فرعونية مطلقة ، لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره . فإن التأميم في ظل سلطة مطلقة تنشئ الملكية الجماعية لتوسعة الإنتاج ، لا يمكن أن يؤدي واقعياً إلا إلى تملك السلطة نفسها ، وتحكمها في الممتلكات المؤممة . . ولهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظفين ، واستبداد السلطة التي كانت تتجسد في شخص الملك ، حتى قفز الملك إلى درجة ( إله ) وأصبحت القوى الهائلة تنفق كلها لحساب هذا الإله الحاكم ، وتحقيق رغباته من بناء المعابد والقصور والقبور .
ولم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم في اقدم العهود الفرعونية . . . بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسية في العصر الحديث ، من التقدم السريع في حركة الإنتاج . وتمتع السلطة بقوة تشتد وتنمو بشكل هائل ، وانحرافها وإستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤممة . فقد تقدمت حركة الإنتاج في ظل التجربة الحديثة للتأميم ، كما تقدمت في ظل التأميم الفرعوني ، لأن التسخير غير الحر ، في الإنتاج ، يثمر دائماً التقدم السريع الموقوت في حركة الإنتاج . ونشأ التأميم في كل من التجربتين في ظل سلطة عليا ، لا تعترف لنفسها بحدود لأن التأميم حينما يقصد منه
تنمية الإنتاج فحسب ، يتطلب مثل هذه السلطة الحديدية .
ونتج عن ذلك في كل من التجربتين أيضاً ، استفحال أمر السلطة وتمتعها بالجوهر للملكية ، لأن التأميم لم يقم على أساس روحي ، أو قناعة بقيم خلقية للانسان ، وإنما قام على أساس مادي ، لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضاً بين هذا الهدف المادي ، وبين ما تحيط به نفسها من امتيازات ومتعة . ومن الطبيعي أيضاً ان لا يقر الجهاز الحاكم الملكية العامة عملياً ، إلا في حدود الدافع المادي الذي يدفعه إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته .
ولا يبدو غريباً بعد ذلك ، أن نجد جهاز الدولة في التجربة القديمة ، وهو يضج بخيانات الموظفين وإثرائهم على حساب الممتلكات العامة ، ونجد ستالين في التجربة الحديثة ، وهو يضطر إلى الاعتراف بأن كبار رجال الدولة والحزب قد استغلوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة ، فجمعوا الأموال والثروات حتى أنه أذاع ذلك في منشور عممه على جميع أبناء الشعب .
فالتشابه بين التجربتين الاشتراكيتين واضح كل الوضوح ، في الظواهر والنتائج ، بالرغم من اختلاف ظروفهما المدنية وأشكال الإنتاج فيهما .
وهذا يشير إلى ان الجوهر في كلتا التجربتين واحد ، مهما اختلفت الألوان والإطارات .
وهكذا نعرف أن كل تجربة للتأميم ، تمنى بنفس النتائج إذا كانت في نفس الإطار السياسي للتجربة الماركسية ، إطار السلطة المطلقة ، وكان قادة الماركسية تجربتهم على أساسه ، وهو تنمية الإنتاج التي هي القوة الدافعة للتاريخ على مر الزمن في مفاهيم المادية التاريخية .
وأما الركن الأخير من المرحلة الاشتراكية ، فهو - كما سبق - مبدأ التوزيع القائل : من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله .
ويرتكز هذا المبدأ - من الناحية العلمية - على القوانين المادية التاريخية . فإن المجتمع
بعد أن يصبح طبقة واحدة ، بموجب قانون الاشتراكية الحديثة ، ولا تبقى طبقة عاملة وأخرى مالكة . . يكون من الضروري لكل فرد أن يعمل ليعيش . كما أن القانون الماركسي للقيمة القائل : أن العمل هو أساس القيمة . يجعل لكل عامل نصيباً من الإنتاج ، بالقدر الذي يتفق مع كمية عمله . وهكذا يسير التوزيع على أن ( من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ) .
وهذا المبدأ يأخذ بالتناقض مع الطبيعة اللا طبقية للمرحلة الاشتراكية . منذ أن يوضع موضع التنفيذ . فإن الأفراد يختلفون في أعمالهم تبعاً لاختلاف كفاءاتهم ، ولنوعية العمل ودرجة تعقيده . فهذا عامل لا يطيق من العمل ست ساعات ، وذلك عامل أقوى منه بنية ، يستطيع أن يعمل عشر ساعات في كل يم ، وهذا عامل موهوب يملك من القريحة والنباهة ما يجعله يدخل تحسينات على طريقة الإنتاج ، وينتج ضعف ما ينتجه الآخرون ، وذلك عامل لم يؤاته الحظ ، قد خلق للتقليد لا للابتكار ، وهذا عامل فني مدرب يمارس إنتاج الأجهزة الكهربائية الدقيقة ، وذاك عامل بسيط لا يمكن أن يستخدم إلا في حمل الأثقال ، وثالث يعمل في الحقل السياسي ويتوقف على عمله مصير البلاد كلها .
واختلاف هذه الأعمال يؤدي إلى تفاوت القيمة التي تخلقها تلك الأعمال .
وليست هذه الألوان الصارخة من التفاوت بين نفس الأعمال ، أو القيم الناتجة عنها ، مستمدة من واقع اجتماعي معين ، بل إن الماركسية نفسها تعترف بذلك ، إذ تقسم العمل إلى : بسيط ومركب ، وترى أن قيمة ساعة عمل مركب شديد التعقيد ، قد تفوق بأضعاف قيمة ساعة من العمل البسيط .
والمجتمع الاشتراكي إذ يواجه هذه المشكلة ، لا يوجد أمامه إلا سبيلان للحل .
أحدهما : أن يحتفظ بمبدأ التوزيع القائل : ( لكل حسب علمه ) . فيوزع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة ، وبذلك ينشئ الفروق الطبقية مرة أخرى ، فيمنى المجتمع الاشتراكي بالتركيب من الرأسمالي طريقته في اقتطاع القيمة
الفائضة ، على رأي ماركس ، فيساوي بين جميع الأفراد في الأجور .
فالتطبيق - أو واقع المجتمع الاشتراكي القائم اليوم - يتجه إلى حل المشكلة بسلوك السبيل الأول ، الذي يدفع المجتمع إلى التناقضات الطبقية من جديد ولذلك نجد أن النسبة بين الدخل المنخفض ، والدخل الراقي في روسيا تبلغ على ما قيل 5 % و 1 , 5 % ، تبعاً لاختلاف التقديرات ، فقد وجد القادة الاشتراكيون : أن من المستحيل عملياً تنفيذ المساواة المطلقة ، والنزول بأعمال العلماء والسياسيين والعسكريين إلى مستوى العمل البسيط ، لأن ذلك يجمد النمو الفكري ، ويعطل الحياة الفنية والعقيلة ، ويجعل أكثر العمل وتعقد . ولهذا السبب نشأت الفوارق والتناقضات في ظل التجربة الاشتراكية وقامت بعد ذلك السلطة الحاكمة بتعميق هذا الفوارق والتناقضات وفقاً لطبيعتها السياسية ، فأنشأت طبقة البوليس السري ، وميزت عملها الجاسوسي بامتيازات ضخمة ، وسخرتها لتدعيم كيانها الدكاتوري ، ولم يستيقظ المجتمع بعد أن أسفر الصبح إلا عن نفس الواقع ، الذي كانت تمنيه الاشتراكية بالخلاص منه .
وأما اتجاه النظرية في حل المشكلة : فقد جاءت إشارة إلى تجديد هذا الاتجاه في كتاب ( ضد دوهرنك ) ، إذ عرض أنجلز المشكلة ، وكتب في الجوانب عليها .
( ( كيف سنحل إذن مسألة دفع أعلى الأجور عن العمل المركب ، وهي مسألة هامة برمتها ؟ . يدفع الأفراد أو عائلاتهم في مجتمع المنتجين الخاصين تكاليف تدريب العامل الكفؤ ، لذا فإن الثمن العالي الذي يدفع عن القوة العاملة الكفوءة ، لذا فإن الثمن العالي الذي يدفع عن القوة العاملة الكفوءة ناجم عن الأفراد أنفسهم . فالرقيق الماهر يباع بثمن عال ، وكاسب الأجر والماهر تدفع له أجور عالية . إن المجتمع إذ يكون منظماً تنظيماً اشتراكياً فإنه هو الذي يتحمل هذه التكاليف . فإليه إذن تعود ثمراتها وهي القيم العالية التي ينتجها العمل المركب ، ولا تكون زيادة الأجور مطلباً ، من مطالب العامل ) )[1].
[1]ضد دوهرنگ ج 2 ، ص 96 .
وهذا الحل النظري لمشكلة الذي يقدمه أنجلز ، يفترض أن القيم العالية التي يمتاز بها العمل المركب عن العمل البسيط ، تعادل تكاليف تدريب العامل الكفؤ على العمل المركب . ونظراً إلى أن الفرد في المجتمع الرأسمالي يتحمل بنفسه تكاليف تدريبه ، فيستحق تلك القيم التي نجمت عن تدريبه . وأما في المجتمع الاشتراكي فالدولة هي التي تنفق على تدريبه ، فتكون وحدها صاحبة الحق في القيم العالية للعمل المركب ، وليس للعامل الفني حينئذ أن يطالب بأجرة يزيد على أجر العامل البسيط .
ولكن هذا الافتراض يناقض الواقع ، فإن القيم العالية التي يحصل عليها العامل السياسي العسكري ، في مجتمع المنتجين الخاصين - في المجتمع الرأسمالي - تزيد كثيراً عن تكاليف دراسته للعلوم السياسية والعسكري ، كما مر سابقاً .
أضف إلى ذلك أن أنجلز لم يضع معالجته للمشكلة في صيغة دقيقة ، تتفق مع الأسس العلمية المزعومة في الاقتصاد الماركسي ، فقد غاب عن ذهن أنجلز أن السلعة التي ينتجها العامل الفني المدرب ، لا يدخل في قيمتها - التي يخلقها العامل - ثمن تدريبه وأجور دراسته ، وإنما الذي يحدد قيمتها كمية لعمل المنفقة على إنتاجها فعلاً ، مع كمية العمل التي أنفقها العامل خلال الدراسة والتدريب . فمن الممكن أن ينفق العامل عشر سنوات من العمل في التدريب ، ويكلفه ، ذلك ألف دينار ، ويكون ثمن التدريب هذا - هو ألف دينار - معبراً عن كمية من العمل المختزن فيه ، تقل عن عمل عشر سنوات . فأجرة التدريب - في هذا الفرض - تصبح أقل من القيمة التي ساهم عمل العامل خلال تدريبه في إيجادها ، نظير تكاليف تجديد قوة العمل ، التي تقل عن القيمة التي يخلقها العمل نفسه ، كما تزعم نظرية القيمة الفائضة .
فما يصنع أنجلز إذا أصبحت كميه العمل ، الماثلة في تكاليف تدريب العامل . . أقل من كمية العمل التي ينفقها العامل خلال التدريب ؟ ! إن الدولة ليس من حقها في هذا الحال - على أساس الاقتصاد الماركسي - أن تقتطف ثمرات التدريب ، وتسلب من العامل القيمة التي خلقها بعمله . في السلعة خلال التدريب ، بوصفها قد دفعت