بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 243


الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية :
يتركز المذهب الرأسمالي على أركان رئيسية ثلاثة ، يتألف منها كيانه العضوي الخاص ، الذي يميزه عن الكيانات المذهبية الأخرى . وهذه الأركان هي :
أولا : الأخذ بمبدأ الملكية الخاصة بشكل غير محدود . فبينما كانت القاعدة العامة في المذهب الماركسي ، هي : الملكية الاشتراكية التي لا يجوز الخروج عنها إلا بصورة استثنائية . . تنعكس المسألة في المذهب الرأسمالي تماماً . فالملكية الخاصة في هذا المذهب ، هي القاعدة العامة التي تمتد إلى كل المجالات وميادين الثروة المتنوعة ولا يمكن الخروج عنها إلا بحكم ظروف استثنائية ، تضطر أحياناً إلى تأميم هذا المشروع أو ذاك ، وجعله ملكاً للدولة . فما لم تبرهن التجربة الاجتماعية على ضرورة تأميم أي مشروع ، تبقى الملكية الخاصة هي القاعدة النافذة المفعول .
وعلى هذا الأساس تؤمن الرأسمالية بحرية التملك ، وتسمح للملكية الخاصة بغزو جميع عناصر الإنتاج من الأرض والآلات والمباني والمعادن وغير ذلك من ألوان الثروة . ويتكفل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكية الخاصة . وتمكين المالك من الاحتفاظ بها .
ثانياً : فسح المجال أمام كل فرد لاستغلال ملكيته وإمكاناته على الوجه الذي يروق له ، والسماح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل والأساليب التي يتمكن منها . فإن كان يمتلك أرضاً زراعية مثلاً ، فله أن يستغلها بنفسه في أي وجه من وجوه


صفحه 244


الاستغلال ، وله أن يؤجرها للغير ، وأن يفرض على الغير شروطه التي تهمه ، كما له أن يترك الأرض دون استغلال .
وتستهدف هذه الحرية الرأسمالية التي يمنحها المذهب الرأسمالية للمالك : أن تجعل الفرد هو العامل الوحيد في الحركة الاقتصادية ، إذا ما من أحد أعرف منه بمنافعه الحقيقية ، ولا أقدر منه على اكتسابها . ولا يتأتى للفرد أن يصبح كذلك ما لم يزود بالحرية في مجال استغلال المال وتهيئته ويستبعد من طريقه التدخل الخارجي من جانب الدولة وغيرها . فبذلك يصبح لكل فرد الفرصة الكافية ، لاختيار نوع الاستغلال الذي يستغل به ماله ، والمهنة التي يتخذها ، والأساليب التي يتبعها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من الثروة .
وثالثاً : ضمان حرية الاستهلاك ، كما تضمن حرية الاستغلال . فلكل شخص الحرية في الإنفاق من ماله كما يشاء على حاجاته ورغباته ، وهو بتحريم استهلاك بعض السلع لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة ، كاستهلاك المخدرات .
فهذه هي المعالم الرئيسية في المذهب الرأسمالي التي يمكن تلخيصها في حريات ثلاث : حرية التملك ، والاستغلال ، والاستهلاك .
ويظهر منذ النظرة الأولى : التناقض الصارخ بين المذهب الرأسمالي والمذهب الماركسي ، الذي يضع الملكية الاشتراكية مبدءاً بدلاً عن الملكية الفردية ، ويقضي على الحريات الرأسمالية التي ترتكز على أساس الملكية الخاصة ، ويستبدلها بسيطرة الدولة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية .
ومن القول الشائع : أن اختلاف المذهبين الرأسمالي والماركسي في معالمهما ، يعكس اختلافهما في طبيعة نظريتهما إلى الفرد والمجتمع لأن المذهب الرأسمالي مذهب فردي ، يقدس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد هو المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ، ويضمن مصالحه الخاصة . وأما المذهب الماركسي فهو مذهب جماعي ، يرفض الدوافع الذاتية والأنانية ، ويفني الفرد في المجتمع ، ويتخذ المجتمع


صفحه 245


محوراً له . وهو لأجل هذا لا يعترف بالحريات الفردية ، بل يهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكامله .
والواقع : أن كلا المذهبين يرتكز على نظرة فريدة ، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأنانية . فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته ، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين ، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد ما دام الآخرون يتمتعون بالحرية مبدئياً ، كما يتمتع بها الفرد المستغل . وبينما توفر الرأسمالية للمحظوظين إشباع دوافعهم الذاتية ، وتنمي نزعتهم الفردية . . تتجه الماركسية إلى غيرهم من الأفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرض ، فتركز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية فيهم . والتأكيد على ضرورة إشباعها . وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية تتمكن من تفجيرها تفجيراً ثورياً . وتشرح لأولئك الذين تتصل بهم : أن الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم ، فلا يمكن لهم أن يقروا هذا السرقة بحال ، لأنها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص .
وهكذا نجد أن الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي ، هو نفس الدوافع الذاتية والفردية التي تتبناها الرأسمالية . فكل من المذهبين يتبنى إشباع الدوافع الذاتية وينميها ، وإنما يختلفان في نوع الأفراد ، الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك .
وأما المذهب الجديد بصفة المذهب الجماعي ، فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر ، على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية .
إن المذهب الجماعي هو : المذهب الذي يربي في كل فرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه لذلك أن يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة ، في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين ، لا لأنه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة ، بل لأنه يحس بأن ذلك جزء من واجبه ،


صفحه 246


وتعبير عن القيم التي يؤمن بها .
إن المذهب الجماعي هو : المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية ، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع ، وتفجير منابع الخير في نفوسهم . وسوف نرى في بحوث مقبلة ما هو هذا المذهب ؟ .


صفحه 247


الرأسمَالية المذهبية ليَست نتاجاً للقوانين العلمَية في فجر التاريخ العلمي للاقتصاد ، حين كان يضع أقطاب الاقتصاد الطبيعي الكلاسيكي بذور هذا العلم وبنياته الأولية ، سادت الفكر الاقتصادي يومذاك فكرتان .
إحداهما : أن الحياة الاقتصادية تسير وفقاً لقوى طبيعية محددة ، تتحكم في كل الكيان الاقتصادي للمجتمع ، كما تسير شتى مناحي الكون طبقاً لقوى الطبيعة المتنوعة . والواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة الاقتصادية ، هو استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية ، التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر والأحداث الاقتصادية .
والفكرة الأخرى : هي أن تلك القوانين الطبيعية ، التي يجب على علم الاقتصاد استكشافها ، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا علمت في جوهر ، وأتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية ، حريات : التملك . والاستغلال ، والاستهلاك .
وقد وضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي ، ووضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية ، غير أن الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في بادئ الأمر ارتباطاً وثيقاً ، حتى خيل للمفكرين الاقتصاديين يومئذ : أن تقييد حرية الأفراد والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة ، يعني الوقوف في وجه الطبيعة وقوانينها التي كفلت للانسانية رخاءها وحل جميع مشاكلها . . . فكل محاولة لإهدار شيء من الحريات


صفحه 248


الرأسمالية ، تعتبر بأن تلك القوانين الخيرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي ، وتحتم على المجتمع ضمان الحريات الرأسمالية .
غير أن هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكاً وطفولياً إلى حد كبير ، لأن الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أن هناك جريمة ارتكبت في حق هذا القانون ، وإنما يبرهن على خطأ القانون نفسه ، وينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي . لأن القوانين الطبيعية لا تتخلق في ظل الشروط والظروف الرأسمالية ، تعبيراً عن قوانين طبيعية ، وتعتبر مخالفتها جريمة في حق تلك الأحول ومهما اختلفت درجة الحرية التي يتمتع بها الأفراد في حقول التملك والاستغلال والاستهلاك . . وإنما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين . تبعاً لاختلاف الشروط والظروف التي تعمل في ظلها ، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها ونتائجها ، طبقاً لاختلاف شروطها وظروفها .
فيجب إذن أن تدرس الحريات الرأسمالية ، لا بوصفها ضرورة علمية تحتمها القوانين الطبيعية من وجهة رأي الرأسماليين ، حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي . . وإنما تدرس على أساس مدى ما تتيح للانسان من سعادة علماء الاقتصاد الرأسمالي ، في دراسة الرأسمالية المذهبية .
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري - الذي ألمعنا إليه في مستهل هذا الفصل - بين الماركسية والرأسمالية ، إذ تختلف العلاقة بين الجانب العلمي والجانب المذهبي من الماركسية اختلافاً أساسياً ، عن العلاقة بين الاقتصاد العلمي والاقتصاد المذهبي للرأسمالية . فإن الماركسية المذهبية التي تمثل في الاشتراكية والشيوعية ، تعتبر نتيجة حتمية لقوانين المادية التاريخية التي تعبر عن القوانين الطبيعية للتاريخ ، من وجهة رأي الماركسية . فإذا كانت المادية التاريخية على صواب في تفسير


صفحه 249


التاريخ . فهي تبرهن على الجانب المذهبي من الماركسية . ولذلك يعتبر درس الجانب العلمي من الماركسية ، أساساً لدرس الجانب المذهبي منها ، وشرطاً ضرورياً للحكم في صالح المذهب الماركسي أو ضده . ولا يمكن لباحث مذهبي أن ينقذ الاشتراكية والشيوعية ، بصورة مستقلة عن أساسها العلمي ، عن المادية التاريخية .
أما الرأسمالية المذهبية ، فليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد الذي شاده الرأسماليون ، ولا يرتبط مصيرها بمدى نجاح الجانب العلمي للرأسمالية في تفسير الواقع الموضوع . . وإنما ترتكز الرأسمالية المذهبية ، على قيم وأفكار خلقية وعملية معينة ، يجب أن تعتبر هي المقياس للحكم في حق المذهب الرأسمالي .
وهكذا يتضح أن موقفنا - بوصفنا نؤمن بمذهب اقتصادي يتميز عن الرأسمالية والماركسية - تجاه الماركسية ، يختلف عن موقفنا من الرأسمالية . فنحن تجاه الماركسية أمام مذهب اقتصادي ، يزعم : أنه يرتكز على قوانين علم التاريخ ( المادية التاريخية ) . فمن الضروري لنقد هذا المذهب ، أن نتناول تلك القوانين العلمية المزعومة ، بالدرس والتمحيص . ولأجل ذلك عرضنا المادية التاريخية بمفاهيمها ، ومراحلها ، تمهيداً إلى اصدار الحكم في حق المذهب الماركسي نفسه . وأما بالنسبة إلى موقفنا تجاه الرأسمالية المذهبية ، أي الحريات الرأسمالية . . فنحن نواجه مذهباً لا يستمد كيانه من القوانين العلمية ، ليكون المنهج الضروري لدراسته هو بحث تلك القوانين وتدقيقها . . وإنما نواجه مذهباً يستمد كيانه من تقديرات خلقية وعملية معينة . ولهذا فسوف لن نتحدث عن الجانب العلمي من الرأسمالية ، إلا بالقدر الذي يوضح : أن الجانب المذهبي ليس نتيجة حتمية له ، ولا يحمل طابعه العلمي ، ثم ندرس المذهب الرأسمالي في ضوء الأفكار العملية والقيم الخلقية التي يرتكز عليها . لأن بحوث هذا الكتاب تحمل كلها الطابع المذهبي ، ولا تتسع للجوانب العلمية إلا بمقدار ما يتطلبه الموقف المذهبي .
ودراسة المذهب الرأسمالي على هذا الأساس ، وإن كانت تتوقف أيضاً على شيء من البحث العلمي ، غير أن دور البحث العلمي في هذا الدراسة ، يختلف كل


صفحه 250


الاختلاف عن دوره في دراسة المذهب الماركسي . فإن البحث العلمي في قوانين المادية التاريخية ، كان وحده هو الذي يستطيع أن يصدر الحكم النهائي في حق الماركسية المذهبية ، كما سبق . وأما البحث العلمي في مجال نقد الرأسمالية المذهبية ، فليس هو المرجع الأعلى للحكم في حقها ، لأنها لا تدّعي لنفسها طابعاً علمياً .
وإنما يستعان بالبحث العلمي ، لتكوين فكرة كاملة عن النتائج الواقعية ( الموضوعية ) ، التي تتمخض عنها الرأسمالية على الصعيد الاجتماعي ، ونوعية الاتجاهات التي تتجهها قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية ، لكي تقاس تلك النتائج والاتجاهات التي يسفر عنها تطبيق المذهب بالمقاييس دراسة المذهب الرأسمالي ، إعطاء صورة كاملة عن واقع المجتمع الرأسمالي لنقيس تلك الصورة بالمقاييس العملية الخاصة . وليست وظيفته تقديم البرهان على حتمية المذهب الرأسمالي أو خطأه .
فكم يخطئ الباحث - على هذا الأساس الذي قدمناه - إذا تلقى المذهب الرأسمالي من العلماء الرأسماليين ، بوصفه حقيقة علمية ، أو جزءاً من علم الاقتصاد السياسي ، ولم يميز بين الصفة العلمية والصفة المذهبية لأولئك الاقتصاديين ، فيخيل له مثلاً ، حين يحكم هؤلاء بأن توفير الحريات الرأسمالية خير وسعادة للجميع : إن هذا رأي علمي أو قائم على أساس علمي كالقانون الاقتصادي القائل مثلا : ( إذا زاد العرض انخفض الثمن ) . مع أن هذا القانون تفسر علمي لحركة الثمن كما توجد في السوق . وأما الحكم السابق بشأن الحريات الرأسمالية ، فهو حكم مذهبي يصدره أنصاره بوصفهم المذهبي . ويستمدونه من القيم والأفكار الخلقية والعملية التي يؤمنون بها فلا تعني صحة ذلك القانون العملي أو غيره من القوانين العلمية : أن يكون هذا الحكم المذهبي صحيحاً وإنما يتوقف هذا الحكم على صحة القيم والأفكار التي أقيم على أساسها .