بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 245


محوراً له . وهو لأجل هذا لا يعترف بالحريات الفردية ، بل يهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكامله .
والواقع : أن كلا المذهبين يرتكز على نظرة فريدة ، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأنانية . فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته ، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين ، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد ما دام الآخرون يتمتعون بالحرية مبدئياً ، كما يتمتع بها الفرد المستغل . وبينما توفر الرأسمالية للمحظوظين إشباع دوافعهم الذاتية ، وتنمي نزعتهم الفردية . . تتجه الماركسية إلى غيرهم من الأفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرض ، فتركز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية فيهم . والتأكيد على ضرورة إشباعها . وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية تتمكن من تفجيرها تفجيراً ثورياً . وتشرح لأولئك الذين تتصل بهم : أن الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم ، فلا يمكن لهم أن يقروا هذا السرقة بحال ، لأنها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص .
وهكذا نجد أن الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي ، هو نفس الدوافع الذاتية والفردية التي تتبناها الرأسمالية . فكل من المذهبين يتبنى إشباع الدوافع الذاتية وينميها ، وإنما يختلفان في نوع الأفراد ، الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك .
وأما المذهب الجديد بصفة المذهب الجماعي ، فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر ، على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية .
إن المذهب الجماعي هو : المذهب الذي يربي في كل فرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه لذلك أن يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة ، في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين ، لا لأنه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة ، بل لأنه يحس بأن ذلك جزء من واجبه ،


صفحه 246


وتعبير عن القيم التي يؤمن بها .
إن المذهب الجماعي هو : المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية ، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع ، وتفجير منابع الخير في نفوسهم . وسوف نرى في بحوث مقبلة ما هو هذا المذهب ؟ .


صفحه 247


الرأسمَالية المذهبية ليَست نتاجاً للقوانين العلمَية في فجر التاريخ العلمي للاقتصاد ، حين كان يضع أقطاب الاقتصاد الطبيعي الكلاسيكي بذور هذا العلم وبنياته الأولية ، سادت الفكر الاقتصادي يومذاك فكرتان .
إحداهما : أن الحياة الاقتصادية تسير وفقاً لقوى طبيعية محددة ، تتحكم في كل الكيان الاقتصادي للمجتمع ، كما تسير شتى مناحي الكون طبقاً لقوى الطبيعة المتنوعة . والواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة الاقتصادية ، هو استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية ، التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر والأحداث الاقتصادية .
والفكرة الأخرى : هي أن تلك القوانين الطبيعية ، التي يجب على علم الاقتصاد استكشافها ، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا علمت في جوهر ، وأتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية ، حريات : التملك . والاستغلال ، والاستهلاك .
وقد وضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي ، ووضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية ، غير أن الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في بادئ الأمر ارتباطاً وثيقاً ، حتى خيل للمفكرين الاقتصاديين يومئذ : أن تقييد حرية الأفراد والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة ، يعني الوقوف في وجه الطبيعة وقوانينها التي كفلت للانسانية رخاءها وحل جميع مشاكلها . . . فكل محاولة لإهدار شيء من الحريات


صفحه 248


الرأسمالية ، تعتبر بأن تلك القوانين الخيرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي ، وتحتم على المجتمع ضمان الحريات الرأسمالية .
غير أن هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكاً وطفولياً إلى حد كبير ، لأن الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أن هناك جريمة ارتكبت في حق هذا القانون ، وإنما يبرهن على خطأ القانون نفسه ، وينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي . لأن القوانين الطبيعية لا تتخلق في ظل الشروط والظروف الرأسمالية ، تعبيراً عن قوانين طبيعية ، وتعتبر مخالفتها جريمة في حق تلك الأحول ومهما اختلفت درجة الحرية التي يتمتع بها الأفراد في حقول التملك والاستغلال والاستهلاك . . وإنما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين . تبعاً لاختلاف الشروط والظروف التي تعمل في ظلها ، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها ونتائجها ، طبقاً لاختلاف شروطها وظروفها .
فيجب إذن أن تدرس الحريات الرأسمالية ، لا بوصفها ضرورة علمية تحتمها القوانين الطبيعية من وجهة رأي الرأسماليين ، حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي . . وإنما تدرس على أساس مدى ما تتيح للانسان من سعادة علماء الاقتصاد الرأسمالي ، في دراسة الرأسمالية المذهبية .
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري - الذي ألمعنا إليه في مستهل هذا الفصل - بين الماركسية والرأسمالية ، إذ تختلف العلاقة بين الجانب العلمي والجانب المذهبي من الماركسية اختلافاً أساسياً ، عن العلاقة بين الاقتصاد العلمي والاقتصاد المذهبي للرأسمالية . فإن الماركسية المذهبية التي تمثل في الاشتراكية والشيوعية ، تعتبر نتيجة حتمية لقوانين المادية التاريخية التي تعبر عن القوانين الطبيعية للتاريخ ، من وجهة رأي الماركسية . فإذا كانت المادية التاريخية على صواب في تفسير


صفحه 249


التاريخ . فهي تبرهن على الجانب المذهبي من الماركسية . ولذلك يعتبر درس الجانب العلمي من الماركسية ، أساساً لدرس الجانب المذهبي منها ، وشرطاً ضرورياً للحكم في صالح المذهب الماركسي أو ضده . ولا يمكن لباحث مذهبي أن ينقذ الاشتراكية والشيوعية ، بصورة مستقلة عن أساسها العلمي ، عن المادية التاريخية .
أما الرأسمالية المذهبية ، فليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد الذي شاده الرأسماليون ، ولا يرتبط مصيرها بمدى نجاح الجانب العلمي للرأسمالية في تفسير الواقع الموضوع . . وإنما ترتكز الرأسمالية المذهبية ، على قيم وأفكار خلقية وعملية معينة ، يجب أن تعتبر هي المقياس للحكم في حق المذهب الرأسمالي .
وهكذا يتضح أن موقفنا - بوصفنا نؤمن بمذهب اقتصادي يتميز عن الرأسمالية والماركسية - تجاه الماركسية ، يختلف عن موقفنا من الرأسمالية . فنحن تجاه الماركسية أمام مذهب اقتصادي ، يزعم : أنه يرتكز على قوانين علم التاريخ ( المادية التاريخية ) . فمن الضروري لنقد هذا المذهب ، أن نتناول تلك القوانين العلمية المزعومة ، بالدرس والتمحيص . ولأجل ذلك عرضنا المادية التاريخية بمفاهيمها ، ومراحلها ، تمهيداً إلى اصدار الحكم في حق المذهب الماركسي نفسه . وأما بالنسبة إلى موقفنا تجاه الرأسمالية المذهبية ، أي الحريات الرأسمالية . . فنحن نواجه مذهباً لا يستمد كيانه من القوانين العلمية ، ليكون المنهج الضروري لدراسته هو بحث تلك القوانين وتدقيقها . . وإنما نواجه مذهباً يستمد كيانه من تقديرات خلقية وعملية معينة . ولهذا فسوف لن نتحدث عن الجانب العلمي من الرأسمالية ، إلا بالقدر الذي يوضح : أن الجانب المذهبي ليس نتيجة حتمية له ، ولا يحمل طابعه العلمي ، ثم ندرس المذهب الرأسمالي في ضوء الأفكار العملية والقيم الخلقية التي يرتكز عليها . لأن بحوث هذا الكتاب تحمل كلها الطابع المذهبي ، ولا تتسع للجوانب العلمية إلا بمقدار ما يتطلبه الموقف المذهبي .
ودراسة المذهب الرأسمالي على هذا الأساس ، وإن كانت تتوقف أيضاً على شيء من البحث العلمي ، غير أن دور البحث العلمي في هذا الدراسة ، يختلف كل


صفحه 250


الاختلاف عن دوره في دراسة المذهب الماركسي . فإن البحث العلمي في قوانين المادية التاريخية ، كان وحده هو الذي يستطيع أن يصدر الحكم النهائي في حق الماركسية المذهبية ، كما سبق . وأما البحث العلمي في مجال نقد الرأسمالية المذهبية ، فليس هو المرجع الأعلى للحكم في حقها ، لأنها لا تدّعي لنفسها طابعاً علمياً .
وإنما يستعان بالبحث العلمي ، لتكوين فكرة كاملة عن النتائج الواقعية ( الموضوعية ) ، التي تتمخض عنها الرأسمالية على الصعيد الاجتماعي ، ونوعية الاتجاهات التي تتجهها قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية ، لكي تقاس تلك النتائج والاتجاهات التي يسفر عنها تطبيق المذهب بالمقاييس دراسة المذهب الرأسمالي ، إعطاء صورة كاملة عن واقع المجتمع الرأسمالي لنقيس تلك الصورة بالمقاييس العملية الخاصة . وليست وظيفته تقديم البرهان على حتمية المذهب الرأسمالي أو خطأه .
فكم يخطئ الباحث - على هذا الأساس الذي قدمناه - إذا تلقى المذهب الرأسمالي من العلماء الرأسماليين ، بوصفه حقيقة علمية ، أو جزءاً من علم الاقتصاد السياسي ، ولم يميز بين الصفة العلمية والصفة المذهبية لأولئك الاقتصاديين ، فيخيل له مثلاً ، حين يحكم هؤلاء بأن توفير الحريات الرأسمالية خير وسعادة للجميع : إن هذا رأي علمي أو قائم على أساس علمي كالقانون الاقتصادي القائل مثلا : ( إذا زاد العرض انخفض الثمن ) . مع أن هذا القانون تفسر علمي لحركة الثمن كما توجد في السوق . وأما الحكم السابق بشأن الحريات الرأسمالية ، فهو حكم مذهبي يصدره أنصاره بوصفهم المذهبي . ويستمدونه من القيم والأفكار الخلقية والعملية التي يؤمنون بها فلا تعني صحة ذلك القانون العملي أو غيره من القوانين العلمية : أن يكون هذا الحكم المذهبي صحيحاً وإنما يتوقف هذا الحكم على صحة القيم والأفكار التي أقيم على أساسها .


صفحه 251


القوانين العلمية في الإقتصَاد الرأسمالي ذات إطار مَذهبي :
عرفنا فيما سبق : أن المذهب الرأسمالي ليس له طابع علمي ، ولا يستمد مبرراته ووجوده من القوانين العلمية في الاقتصاد . ونريد هنا أن نصل إلى نقطة أعمق في تحليل العلاقة ، بين الجانب المذهبي والجانب العلمي من الرأسمالية لنرى : كيف أن المذهب الرأسمالي يحدد إطار القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ، ويؤثر عليها في اتجاهها ومجراها ؟ . ومعنى هذا أن القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ، قوانين علمية في إطار مذهبي خاص ، وليست قوانين مطلق تنطبق على كل مجتمع وفي كل زمان ومكان ، كالقوانين الطبيعية في الفيزياء والكيمياء . . وإنما يعتبر كثير من تلك القوانين حقائق موضوعية ، في الظروف الاجتماعية التي تسيطر عليها الرأسمالية ، بجوانبها الاقتصادية وأفكارها ومفاهيمها ، فلا تنطبق على مجتمع لا تسيطر عليه الرأسمالية ولا تسوده أفكارها .
ولكي يتضح هذا ، يجب أن نلقي ضوءاً على طبيعة القوانين الاقتصادية التي يدرسها الاقتصاد الرأسمالي ، لكي نعرف : كيف وإلى أي درجة يمكن الاعتراف لها بصفة القانون العلمي ؟ . إن القوانين العلمية للاقتصاد تنقسم إلى فئتين :
إحداهما : القوانين الطبيعية التي تنبثق ضرورتها من الطبيعة نفسها - لا من


صفحه 252


الإرادة الإنسانية - كقانون التحديد الكلي القائل : إن كل إنتاج كان يتوقف على الأرض وما تشتمل عليه من مواد أولية ، محدود طبقاً للكمية المحدودة للأرض وموادها الأولية . أو قانون الغلة المتزايدة ، القائل : إن كل زيادة في الإنتاج تعوض على المنتج تعويضاً أكبر نسبياً مما زاده في الإنفاق ، حتى تبلغ الزيادة إلى درجة خاصة ، فتخضع عندئذ لقانون معاكس ، وهو قانون الغلة المتناقصة ، الذي ينص على أن زيادة الغلة تبدأ بالتناقص النسبي عند درجة معينة .
وهذه القوانين لا تختلف في طبيعتها وجانبها الموضوعي عن سائر القوانين الكونية التي تكشف عنها العلوم الطبيعية ، ولذلك فهي لا تحمل شيئاً من الطابع المذهبي ، ولا تتوقف على ظروف اجتماعية أو فكرية معينة ، بل لا تختلف في شأنها أبعاد الزمان والمكان ، ما دامت الطبيعة التي يتعلق بها الإنتاج هي الطبيعة في كل زمان ومكان .
والفئة الأخرى : من القوانين العلمية للاقتصاد السياسي ، تحتوي على قوانين للحياة الاقتصادية ذات صلة بإرادة الإنسان نفسه ، نظراً إلى أن الحياة الاقتصادية ليست إلا مظهراً من مظاهر الحياة الانسانية العامة ، التي تلعب فيها الإرادة دوراً إيجابياً فعالاً ، في مختلف شعبها ومناحيها . فقانون العرض والطلب مثلاً - القائل : إن الطلب على سلعة إذا زاد ، ولم يكن في المقدور زيادة الكميات المعروضة استجابة للزيادة في الطلب ، فإن ثمن السلعة لابد وأن يرتفع - ليس قانوناً موضوعياً ، يعمل بصورة منفصلة عن وعي الانسان كما تعمل قوانين الفيزياء والفلك ، وكما تعمل القوانين الطبيعية في الإنتاج التي عرضناها في الفئة الأولى . . وإنما يمثل قانون العرض والطلب ظواهر الحياة الواعية للانسان . فهو يوضح أن المشتري سيقدم - في الحالة التي ينص عليها القانون الآنف الذكر - على شراء السلعة بثمن أكبر من ثمنها في حالة مساواة الطلب للعرض . وإن البائع سيمتنع في تلك الحالة عن البيع إلا بذلك الثمن .
وتدخّل الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية ، لا يعني إبعاد الحياة الاقتصادية عن مجال القوانين العلمية ، واستحالة البحث العلمي فيها ، إذ اعتقدوا : أن طابع الحتمية