بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 252


الإرادة الإنسانية - كقانون التحديد الكلي القائل : إن كل إنتاج كان يتوقف على الأرض وما تشتمل عليه من مواد أولية ، محدود طبقاً للكمية المحدودة للأرض وموادها الأولية . أو قانون الغلة المتزايدة ، القائل : إن كل زيادة في الإنتاج تعوض على المنتج تعويضاً أكبر نسبياً مما زاده في الإنفاق ، حتى تبلغ الزيادة إلى درجة خاصة ، فتخضع عندئذ لقانون معاكس ، وهو قانون الغلة المتناقصة ، الذي ينص على أن زيادة الغلة تبدأ بالتناقص النسبي عند درجة معينة .
وهذه القوانين لا تختلف في طبيعتها وجانبها الموضوعي عن سائر القوانين الكونية التي تكشف عنها العلوم الطبيعية ، ولذلك فهي لا تحمل شيئاً من الطابع المذهبي ، ولا تتوقف على ظروف اجتماعية أو فكرية معينة ، بل لا تختلف في شأنها أبعاد الزمان والمكان ، ما دامت الطبيعة التي يتعلق بها الإنتاج هي الطبيعة في كل زمان ومكان .
والفئة الأخرى : من القوانين العلمية للاقتصاد السياسي ، تحتوي على قوانين للحياة الاقتصادية ذات صلة بإرادة الإنسان نفسه ، نظراً إلى أن الحياة الاقتصادية ليست إلا مظهراً من مظاهر الحياة الانسانية العامة ، التي تلعب فيها الإرادة دوراً إيجابياً فعالاً ، في مختلف شعبها ومناحيها . فقانون العرض والطلب مثلاً - القائل : إن الطلب على سلعة إذا زاد ، ولم يكن في المقدور زيادة الكميات المعروضة استجابة للزيادة في الطلب ، فإن ثمن السلعة لابد وأن يرتفع - ليس قانوناً موضوعياً ، يعمل بصورة منفصلة عن وعي الانسان كما تعمل قوانين الفيزياء والفلك ، وكما تعمل القوانين الطبيعية في الإنتاج التي عرضناها في الفئة الأولى . . وإنما يمثل قانون العرض والطلب ظواهر الحياة الواعية للانسان . فهو يوضح أن المشتري سيقدم - في الحالة التي ينص عليها القانون الآنف الذكر - على شراء السلعة بثمن أكبر من ثمنها في حالة مساواة الطلب للعرض . وإن البائع سيمتنع في تلك الحالة عن البيع إلا بذلك الثمن .
وتدخّل الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية ، لا يعني إبعاد الحياة الاقتصادية عن مجال القوانين العلمية ، واستحالة البحث العلمي فيها ، إذ اعتقدوا : أن طابع الحتمية


صفحه 253


والضرورية للقوانين العلمية ، يتنافى مع طبيعة الحرية التي تعكسها الإرادة الإنسانية . فإذا أخضعت الحياة الإنسانية لقوانين علمية صارمة ، كان ذلك مناقضاً لما يتمتع به الإنسان في حياته من حرية وانطلاق ، إذ يصبح لدى خضوعه لتلك القوانين آلة جامدة ، تسير وتتكيف ميكانيكياً ، طبقاً للقوانين الطبيعية التي تتحكم في مجرى حياته الاقتصادية .
وهذا الوهم يرتكز على مفهوم خاطئ عن الحرية الإنسانية ، وإدراك معكوس للعلاقة بين الحرية والإرادة ، وبين تلك القوانين . فإن وجود قوانين طبيعية لحياة الإنسان الاقتصادية ، لا يعني ان الإنسان يفقد حريته وإرادته ، وإنما هي قوانين للإرادة البشرية تفسر : كيف يستعمل الانسان حريته في المجال الاقتصادي ، فلا يمكن أن تعتبر إلغاء لإرادة الإنسان وحريته .
ولكن هذه القوانين الاقتصادية ، تختلف عن القوانين العلمية في مناحي الكون الأخرى في نقطة ، وهي : أن هذه القوانين نظراً إلى علاقتها بإرادة الإنسان تتأثر بكل المؤثرات التي تطرأ على الوعي الإنساني ، وبكل العوامل التي تتدخل في إرادة الإنسان وميوله . وبدهي أن إرادة الإنسان التي تعالجها تلك القوانين تتحدد وتتكيف وفقاً لأفكار الإنسان ومفاهيمه ، ولنوعية المذهب السائد في المجتمع . ولون التشريعات التي تقيد سلوك الأفراد . فهذه العوامل هي التي تملى على الإنسان إرادته وموقفه العملي ، وحين تتغير تلك العوامل يختلف اتجاه الإنسان وإرادته ، وبالتالي تختلف القوانين العلمية العامة التي تفسر مجرى الحياة الاقتصادية ، فلا يمكن في كثير من الأحيان ، اعطاء قانون عام للانسانية في الحياة الاقتصادية ، بمختلف إطاراتها الفكرية والمذهبية والروحية وليس من الصحيح علمياً أن نترقب من الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية أن تسير وتنشط - دائماً وفي كل مجتمع - كما تسير وتنشط في المجتمع الرأسمالي ، الذي درسه الاقتصاديون الرأسماليون ، ووضعوا قوانين الاقتصاد السياسي في ضوئه . ما دامت أن تؤخذ هذه الإطارات كمدلولات ثابتة في مجال البحث العلمي . ومن الطبيعي أن


صفحه 254


تتكشف نتائج البحث حينئذ عن القوانين الجارية ضمن تلك الإطارات خاصة .
وعلى سبيل المثال نذكر القاعدة الرئيسية ، التي وضع في ضوئها كثير من قوانين الاقتصاد الكلاسيكي ، وهي : القاعدة التي تجرد من الإنسان الاجتماعي المحسوس : إنساناً اقتصادياً ، يؤمن بالمصلحة الشخصيّة كهدف أعلى له في كل ميادين النشاط الاقتصادي . فقد افترض الاقتصاديون - منذ البدء - أن كل فرد في المجتمع يستوحي اتجاهه العملي في نشاطه الاقتصادي ، من مصلحته المادية الخاصة دائماً ، وأخذوا يستكشفون القوانين العلمية التي تتحكم في مثل هذا المجتمع . وقد كان افتراضهم هذا على نصيب كبير من الواقع ، بالنسبة إلى المجتمع الرأسمالي الأوروبي ، وطابعه الفكري والروحي ومقاييسه الخلقية والعملية . غير أن من الممكن أن يحدث تحول أساسي في القوانين الاقتصادية لحياة المجتمع ، بمجرد تغيير هذا الأساس ، ومواجهة مجتمع يختلف عن المجتمع الرأسمالي ، في القاعدة العامة لسلوك أفراده ، وفي الأفكار والقيم التي يؤمنون بها ، وليس هذا افتراضاً نفترضه ، وإنما هو واقع نتحدث عنه . فإن المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدد لها دوافع السلوك ، والقيم العملية في الحياة .
ولنأخذ مثلاً لذلك ، المجتمع الرأسمالي ، والمجتمع الذي دعا اليه الإسلام ، وتمكن من إخراجه إلى حيز الوجود . فقد عاش في ظل الإسلام مجتمع بشري من لحم ودم ، تختلف القاعدة العامة لسلوكه ومقاييسه العملية ، ومحتوياته الروحية والفكرية . . عن المجتمع الرأسمالي كل الاختلاف . فإن الإسلام - بوصفه ديناً ومذهباً خاصاً في الحياة - وإن كان لا يعالج أحداث الاقتصاد معالجة علمية ، ولكنه يؤثر على هذه الأحداث ومجراها الاجتماعي عن الحياة ودوافعه وغاياته ، فيصهره في قالبه الخاص ، ويصوغه في إطاره الروحي والفكري ، وبالرغم من أن التجربة التي خاضها الإسلام في سبيل إيجاد هذا المجتمع كانت قصيرة ، قد أسفرت عن أروع النتائج التي شهدتها حياة الإنسان ، وبرهنت على إمكان التحليق بالإنسان إلى آفاق ، لم يستطع أن يتطلع إليها أفراد المجتمع الرأسمالي ، الغارقون في ضرورات المادة ومفاهيمها إلى رؤوسهم .


صفحه 255


وفي النزر اليسير مما يحدثنا به التاريخ عن نتائج التجربة الإسلامية وروائعها ، ما يلقي ضوءاً على إمكانات الخير المكتنزة في نفس الانسان ، ويكشف عن الطاقة الرسالية في الإسلام ، التي استطاع بها أن يجند تلك الإمكانات ، ويستثمرها لصالح القضية الإنسانية الكبرى . فقد ورد في تاريخ تلك التجربة الذهبية : إن جماعة من غير ذوي اليسار والثروة جاءوا إلى رسول الله ( ص ) قائلين : ( يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم . فأجاب النبي قائلاً : أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ، إن لكم بكل تسبيحة صدقة ، وبكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ) . فهؤلاء المسلمون الذين احتجوا بين يدي الرسول ( ص ) على واقعهم ، لم يكونوا يردون الثروة ، بوصفها أداة من أدوات المنعة والقوة أو ضماناً لإشباع الرغبات الشخصيّة ، وإنما عز عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنوية ، بألوان البر والإحسان وبالمساهمة في المصالح العامة على الصعيد الاجتماعي . وهذا يعكس مفهوم الثروة وطبيعة الإنسان المسلم ، في ظل تجربة إسلامية كاملة للحياة .
وجاء في وصف الإجارات والتجارات في المجتمع الإسلامي ، ما حدث به الشاطبي ، إذ كتب يقول :
( ( نجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة ، حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسباً لغيره لا له . ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ، كأنهم وكلاء للناس لا لأنفسهم بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم - وإن جازت - كالغش لغيرهم ) ) .
وتحدث محمد بن زياد عن شيء من مظاهر التعاون والتكافل في المجتمع الإسلامي فقال : ( ربما نزل على بعضهم الضيف ، وقدر أحدهم على النار ، فيأخذ صاحب الضيف لضيفه ، فيفقد القدر صاحبها ، فيقول : من أخذ القدر ، فيقول صاحب الضيف : نحن أخذناها لضيفنا ، فيقول صاحب القدر : بارك الله لكم فيها ) .


صفحه 256


وهكذا ، ندرك الدور الإيجابي الفعال للإسلام ، في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية وقوانينها الطبيعية ، بتغيير الإنسان نفسه وخلق شروط روحية وفكرية جديدة له . وكذلك نعرف مدى الخطأ في إخضاع مجتمع ، يتمتع بهذه الخصائص والمقومات ، لنفس القوانين التي يخضع لها مجتمع رأسمالي ، زاخر بالأنانية والمفاهيم المادية .
ويمكننا أن نأخذ على سبيل المثال أيضاً ، قوانين توزيع وقوانين العرض والطلب . فقوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي كما يشرحها ( ريكاردو ) وغيره من الأقطاب الكلاسيكيين تقضي : بتخصيص جزء منه أجراً للعامل ، يحدد وفقاً لقيمة المواد الغذائية ، القادرة على إعاشة العامل الاقتصاد الرأسمالي من ذلك : أن للأجور قانوناً حديدياً ، لا يمكن بموجبه أن تزيد وتنقض وإن زادت أو انخفضت كمية النقد التي يتسلم بها العامل أجره ، تبعاً لارتفاع قيمة المواد الغذائية وهبوطها . ويتلخص هذا القانون الحديدي : في أن العمال إذا ازدادت أجورهم لسبب ما ، فسوف تتحسن العاملة ، ويتضاعف العرض ، وتنخفض الأجور إلى الحد الطبيعي . وإذا حدث العكس ، فهبط الأجر عن مستواه الطبيعي ، أدى ذلك إلى انتشار البؤس والمرض في صفوف العمال ، فيقل عددهم وتنخفض كمية العرض ، فترتفع الأجور .
يتقدم الينا بهذا الاقتصادية الكلاسيكيون ، بوصفه تفسيراً علمياً للواقع ، وقانوناً طبيعياً للحياة الاقتصادية ، وهو في الحقيقة لا ينطبق إلا ضمن حدود خاصة ، وفي مجتمعات رأسمالية لا يوجد فيها ضمان اجتماعي عام ، ويعتمد التسعير فيها على جهاز السوق ، ويجرد عن وظيفته في تحديد الأسعار تبعاً لنسبة العرض إلى الطلب ، كالمجتمع الاشتراكي . . فلا تتحكم فيه تلك القوانين ، بالشكل الذي تعمل به في المجتمع الرأسمالي .
وهكذا يتضح أن الهيكل العلمي العام للاقتصاد الرأسمالي ، ذو إطار مذهبي ، خاص ، وليس له قدسية القوانين العلمية المطلقة .


صفحه 257


4 - دراسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية إن المقومات الأساسية للمذهب الرأسمالية - التي استعرضناها سابقاً - تدل على أن حجر الزاوية في المذهب ، هو : حرية الإنسان في الحقل الاقتصادي بمختلف مجالاته ، من تملك واستغلال واستهلاك . فالحرية - بأشكالها المتنوعة - هي الأساس الذي تنبثق منه كل الحقوق والقيم المذهبية ، التي تنادي بها الرأسمالية ، بل إن القوانين العلمية للاقتصاد الرأسمالي نفسها ، ليست إلا تفسيراً للواقع الموضوعي المتجمد في إطار هذه الحرية كما مر بنا .
وإذا كانت فكرة الحرية هي الجوهر والمحتوى الأساسي للرأسمالية المذهبية فيجب عند دراسة المذهب للرأسمالي ، نقد هذه الفكرة وتحليلها ، ودرس بذورها الفكرية ، وما ترتكز عليه من أفكار وقيم .
أول سؤال يقفز إلى مجال البحث : لماذا يجب أن يقام المجتمع على أساس الحرية الاقتصادية ؟ . وكيف نشأ حق الإنسان فيها ، الأمر الذي تؤكد عليه الرأسمالية المذهبية ، وترفض الاعتراف بأي تحديد أساسي له ؟ .
ويجب أن نعرف في سبيل الإجابة على هذا السؤال : أن الحرية في التفكير الرأسمالي ترتبط عادة بعدة أفكار وقيم ، تستمد منها وجودها المركزي في المذهب وصفتها كضرورة اجتماعية أو إنسانية للكيان البشري .
فهي تارة : ترتبط بالفكرة القائلة : بالتوافق بين مصالح الفرد التي يندفع إلى


صفحه 258


تحقيقها بدوافعه الذاتية ، ومصالح المجتمع التي يتوقف عليها كيانه العام . فإن مصالح الفرد والمجتمع إذا كانت متوافقة ، فليس على المذهب الاجتماعي الذي يستهدف ضمان الصالح الاجتماعي ، إلا أن يطلق الحرية للفرد ، ويفسح المجال لدوافعه الذاتية أن تقوده إلى تحقيق مصالحه الخاصة ، التي تؤدي بصورة آلية إلى توفير المصالح العامة . فالحرية على أساس هذه الفكرة ، ليست إلا أداة لتوفير تلك المصالح العامة وضمان ما يتطلبه المجتمع من خير ورفاه ، وبصفتها أداة لذلك تكون جديرة بمركزها القاعدي في المذهب .
وهي تارة أخرى : ترتبط بفكرة تنمية الإنتاج ، وترتكز على الرأي القائل : أن الحرية الاقتصادية هي أفضل قوة دافعة للقوة المنتجة ، وأكفأ وسيلة لتفجير كل الطاقات والإمكانات وتجنيدها للإنتاج العام ، وبالتالي الأولى ، لأنه يعبر عن جانب من جوانب الصالح العام ، وهو توفير الإنتاج الاجتماعي الذي يمكن تحقيقه عن طريق الحرية .
وهناك فكرة ثالثة : يرتبط بها ومفهوم الحرية الرأسمالية ، وهي فكرة ذات طابع خلقي خالص ، يستعمل الرأسماليون عادة في التعبير عنها عبارات غائمة ، أو غير واضحة كل الوضوح ، فيكررون القول : بأن الحرية بوجه عام حق إنساني أصيل ، وتعبير عملي عن الكرامة البشرية ، وعن شعور الإنسان بها . فليست هي مجرد أداة للرفاه الاجتماعي أو لتنمية الإنتاج ، وإنما هي تحقيق لإنسانية الإنسان ، ووجوده الطبيعي الصحيح .
ومن الواضح أن القيمة المذهبية للحرية الاقتصادية ، على أساس الفكرتين الأوليتين ، قيمة موضوعية ، مردها إلى النتائج والآثار التي تؤدي إليها في واقع الحياة . وأما على أساس الفكرة الثالثة ، فللحرية بوجه عام - التي تعتبر الحرية الاقتصادية جانباً منها - قيمة ذاتية يميلها شعور الانسان بكرامته وإنسانيته .
هذه هي الأفكار التي تبرر الرأسمالية عادة عن طرقها مفهومها عن الحرية ، وضرورة اعتبارها قاعدة في التصميم الاجتماعي الذي يدعو اليه المذهبيون .


صفحه 259


فهي : وسيلة لتحقيق المصالح العامة .
وهي : سبب لتنمية الإنتاج والثروة العامة .
وهي : تعبير أصيل عن الكرامة الانسانية وحق الانسان في الحياة .
والآن وبعد أن استعرضنا الأسس الفكرية لفكرة الحرية الاقتصادية ، يجب أن نتناولها بالدرس والتمحيص .
أ - الحرية وسيلة لتحقيق المصالح العامة ترتكز هذه الفكرة : على أساس الايمان بأن الدوافع الذاتية تلتقي دائماً بالمصالح العامة والرفاه الاجتماعي ، إذا توفرت الحرية في المجال العملي لجميع الأفراد ، فإن الإنسان في المجتمع الحر يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة ، والتي تؤدي في النهاية إلى توفير المصالح العامة .
وعلى هذا الأساس خيل للاقتصاديين الرأسماليين في بادئ الأمر : أن ضمان سعادة المجتمع ومصالحه ليس بحاجة إلى القيم الخلقية والروحية ، وتغذية الناس بها ، لأن كل إنسان - وحتى من لا يعرف شيئاً من تلك القيم - يسير طبقاً لمصلحته الخاصة ، إذا كفلت له الحرية في المجال العملي . وهذه المصلحة نفسها تواكب مصلحة المجتمع ، وتتفق معها في نتائجها ، وإن كان الفرد مدفوعاً نحوها بدافع خاص . وهكذا يمكن للمجتمع أن يستغني عن الخدمات التي تقدمها القيم الخلقية والروحية ، ويصل إلى مصالحه بالطريقة الرأسمالية ، التي توفر لكل فرد حريته ، وتمنحه القدرة على تقدير موقفه في ضوء مصالحه الخاصة ، التي تلتقي في آخر الشوط بالمصالح العامة .
ولهذا السبب كانت الحرية التي تنادي بها الرأسمالية ، مجردة من كل الإطارات والقيم الخلقية والروحية ، لأنها ( حرية ) حتى في تقدير هذه القيم . ولا يعني هذا أن تلك القيم لا وجود لها في مجتمع رأسمالي ، وإنما يعني أن الرأسمالية لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع ، وتزعم إمكان الاستغناء عنها عن طريق