بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 259


فهي : وسيلة لتحقيق المصالح العامة .
وهي : سبب لتنمية الإنتاج والثروة العامة .
وهي : تعبير أصيل عن الكرامة الانسانية وحق الانسان في الحياة .
والآن وبعد أن استعرضنا الأسس الفكرية لفكرة الحرية الاقتصادية ، يجب أن نتناولها بالدرس والتمحيص .
أ - الحرية وسيلة لتحقيق المصالح العامة ترتكز هذه الفكرة : على أساس الايمان بأن الدوافع الذاتية تلتقي دائماً بالمصالح العامة والرفاه الاجتماعي ، إذا توفرت الحرية في المجال العملي لجميع الأفراد ، فإن الإنسان في المجتمع الحر يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة ، والتي تؤدي في النهاية إلى توفير المصالح العامة .
وعلى هذا الأساس خيل للاقتصاديين الرأسماليين في بادئ الأمر : أن ضمان سعادة المجتمع ومصالحه ليس بحاجة إلى القيم الخلقية والروحية ، وتغذية الناس بها ، لأن كل إنسان - وحتى من لا يعرف شيئاً من تلك القيم - يسير طبقاً لمصلحته الخاصة ، إذا كفلت له الحرية في المجال العملي . وهذه المصلحة نفسها تواكب مصلحة المجتمع ، وتتفق معها في نتائجها ، وإن كان الفرد مدفوعاً نحوها بدافع خاص . وهكذا يمكن للمجتمع أن يستغني عن الخدمات التي تقدمها القيم الخلقية والروحية ، ويصل إلى مصالحه بالطريقة الرأسمالية ، التي توفر لكل فرد حريته ، وتمنحه القدرة على تقدير موقفه في ضوء مصالحه الخاصة ، التي تلتقي في آخر الشوط بالمصالح العامة .
ولهذا السبب كانت الحرية التي تنادي بها الرأسمالية ، مجردة من كل الإطارات والقيم الخلقية والروحية ، لأنها ( حرية ) حتى في تقدير هذه القيم . ولا يعني هذا أن تلك القيم لا وجود لها في مجتمع رأسمالي ، وإنما يعني أن الرأسمالية لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع ، وتزعم إمكان الاستغناء عنها عن طريق


صفحه 260


توفير الحريات للأفراد ، وإن كان الناس أحراراً في التقيد بتلك القيم ورفضها .
ويذكر أنصار الرأسمالية في سياق الاستدلال على ذلك : أن الحرية الاقتصادية تفتح مجال التنافس الحر بين مختلف مشاريع الإنتاج . وصاحب المشروع - في ظل هذا التنافس الحر الذي يسود الحياة الاقتصادية - يخاف دائماً من تفوق مشروع آخر على مشروعه واكتساحه له ، فيعمل بدافع من مصلحته الخاصة على تحسين مشروعه والاستزادة من كفاءاته ، حتى يستطيع ان يخوض معركة السباق مع المشاريع الأخرى ، ويصمد في أتون هذا النضال الأبدي . ومن أهم الوسائل التي تتخذ في هذا السبيل ، إدخال تحسينات فنية على المشروع . وهذا يعني : أن صاحب المشروع في المجتمع الرأسمالي الحر يظل دائماً يتلقف كل فكرة أو تحسين جديد على الإنتاج ، أو أي شيء آخر من شأنه أن يمكنه من الإنتاج بنفقة أقل . فإذا أدخل هذه التحسينات ، فإنه لا يلبث أن يرى باقي المشروعات قد لحقت به ، فيبدأ مرة ثانية في البحث عن فكرة أخرى جديدة ، حتى يحتفظ بأسبقيته على سائر المشروعات . وجزاء من يتخلف في هذا السباق هو إفلاس مشروعه ، فالمنافسة الحرة في النظام الرأسمالي سيف مسلط على رقاب المنظمين ، يطيح بالضعيف والمهمل والمتكاسل ، ويضمن البقاء للأصلح . وواضح أن هذه المنافسة تؤدي إلى مصلحة المجتمع ، لأنها تدفع إلى الاستفادة الدائمة بنتاج العقل العلمي والفني ، وإشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة ممكنة .
فلا ضرورة - بعد هذا - إلى إرهاق صاحب المشروع بتربية خلقية معينة ، وترويضه على القيم الروحية ، أو ملء أذنيه بالمواعظ والنصائح ، ليجعل إشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة ممكنة ، ويزيد من اتقان السلع وجودتها . فإن مصلحته الخاصة كفيلة بدفعه إلى تحقيق ذلك ، ما دام يعيش في مجتمع حر يسوده التنافس .
كما لا حاجة له إلى مواعظ تحثه على المساهمة في أعمال البر والإحسان ، والاهتمام بمصالح المجتمع ، لأنه يندفع إلى ذلك بدافع من مصلحته الخاصة بوصفه جزءاً من المجتمع .


صفحه 261


وقد أصبح اليوم حديث التوافق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية ، في ظل الحرية الرأسمالية . . أدعى إلى السخرية منه إلى القبول ، بعد أن ضج تاريخ الرأسمالية بفجائع وكوارث يقل نظيرها في التاريخ ، وتناقضات صارخة بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، وفراغ هائل أحدثه الاستغناء عن الكيان الخلقي والروحي للمجتمع ، فامتلأ بدلاً عن القيم الخلقية والروحية ، بألوان من الظلم والاستهتار والطمع والجشع .
ونستطيع بكل سهولة أن نتبين من خلال التاريخ التطبيقي للرأسمالية ، جنايات هذه الحرية الرأسمالية ، التي رفضت كل التحديات الخلقية والروحية ، وآثارها الخطيرة : في مجرى الحياة الاقتصادية أولاً ، وفي المحتوى الروحي للمجتمع ثانياً ، وفي علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ثالثاً حتى عاد الرأسماليون أنفسهم يؤمنون بحاجة الرأسمالية إلى التعديل والتحديد ، ويحاولون شيئاً من الترقيع والترميم ، للتخلص من تلك الآثار أو إخفائها عن الأبصار ، وأصبحت الرأسمالية في صيغها المذهبية الكاملة مذهباً تاريخياً ، أكثر من كونه مذهباً يعيش في واقع الحياة .
أما في مجرى الحياة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالية : فليست الحرية الرأسمالية المطلقة إلا سلاحاً جاهزاً بيد الأقوياء يشق لهم الطريق ، ويعبد أمامهم سبيل المجد والثروة على جماجم الآخرين . لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرض الطبيعية . . . فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة التي يوفرها المذهب الرأسمالي لهم ، وفي درجات هذه الاستفادة . ويؤدي هذا الاختلاف المحتوم بين القوي والضعيف ، إلى أن تصبح الحرية التعبير القانوني عن حق القوي في كل شيء ، بينما لا تعني بالنسبة إلى غيره شيئاً . ولما كانت الحرية الرأسمالية لا تقر بالرقابة مهما كان لونها - فسوف يفقد الثانويون في معركة الحياة كل ضمان لوجودهم وكرامتهم ، ويظلون في رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدوداً من القيم الروحية والخلقية ، ولا يدخلون في حسابهم إلا مصالحهم الخاصة .
وقد بلغ من هدر الكرامة الإنسانية ، نتيجة لهذه الحرية الرأسمالية أن بات


صفحه 262


الإنسان نفسه سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب ، وأصبحت الحياة الإنسانية رهن هذه القوانين ، وبالتالي رهن القانون الحديدي للأجور . فإذا زادت القوى البشرية العاملة ، وزاد المعروض منها على مسرح الإنتاج الرأسمالي ، انخفض سعرها لأن الرأسمالي سوف يعتبر ذلك ، فرصة حسنة لامتصاص سعادته من شقاء الآخرين ، فيهبط بأجورهم إلى مستوى قد لا يحفظ لهم حياتهم ، ولا يمكنهم حتى من إشباع بعض ضروراتهم ، كما قد يقذف بعدد هائل منهم إلى الشارع يقاسون آلام الموت جوعاً ، لا لشيء جوعاً ، ما دام الاقتصاد الرأسمالية يقدم لهم بصيصاً من الأمل ، وكون من نور ، ولكن ما هو هذا الأمل الذي يبعثه في نفوسهم ؟ ! إنه هو الأمل في انخفاض عددهم ، بسبب تراكم البؤس والمرض . أي والله إن هذا هو الأمل الذي يقدمه القانون الحديدي للأجور إلى العمال ، قائلاً لهم : اصبروا قليلاً ، حتى يصرع الجوع ، والبؤس قسماً كبيراً منكم ، فيقل عددكم ويصبح العرض مساوياً للطلب ، فترتفع أجوركم وتتحسن حالتكم .
هذا هو التوافق الأسطوري المزعوم ، بين الدوافع الذاتية في ظل الحرية الرأسمالية والمصالح العامة . هذا التوافق الذي اضطر الرأسماليون أنفسهم إلى التنازل عن الإيمان به ، والاتجاه إلى فكرة تحديد الحرية بالقيم والضمانات .
وإذا كان هذا هو حظ الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي من الحرية الرأسمالية وآثارها ، فإن ما يصيب المحتوى الروحي للأمة من شرارة تلك الحرية المجردة ، أقسى وأمر ، حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر البر والخير والإحسان ، وتطغى مفاهيم الأنانية والجشع ، وتسود في المجتمع روح الصراع في سبيل البقاء ، بدلاً عن روح التعاون والتكافل . ما ظنك بفرد يتجاوب مع المفهوم المطلق للحرية الرأسمالية ؟ ! إذا تطلبت منه القيم الخلقية والموقف الاجتماعي شيئاً من المفاداة والتضحية بمصالحه الخاصة . وحتى إذا دفعته مصلحته الخاصة أحياناً إلى تحقيق المصالح العامة ، بوصفها في صالحه أيضاً . فإن هذا وإن كان قد يؤدي إلى نفس


صفحه 263


النتيجة ، التي تستهدفها القيم الروحية والخلقة من ناحية موضوعية ، ولكنها لا تحقق الجانب الذاتي من تلك القيم ، ولا يتصنع من الإنسان إنساناً في عواطفه ومشاعره ودوافعه وبواعثه . فإن الأخلاق ليست ذات قيمة موضوعية فحسب ، بل هي ذات قيمة ذاتية أيضاً ، لا تقل عن قيمتها الموضوعية في تكميل الحياة الإنسانية ، وإشاعة روح السعادة والهناء النفسي فيها . وسوف نبحث في الفصل المقبل مسألة الدوافع الذاتية ، وعلاقتها بالمصالح العامة بصورة أوسع .
ولندع الآن آثار الحرية الرأسمالية في المحتوى الداخلي للمجتمع الرأسمالي ، ولنفترض - مع الأسطورة الرأسمالية : أن الدوافع الذاتية تضمن بنفسها تحقيق المصالح العامة . فهل يمكن لهذا الخيال المجنح ، أن يقول مثل ذلك عن مصالح مختلف المجتمعات ، وأن يزعم التوافق بين المصالح الخاصة للمجتمع الرأسمالي ، وغيره من المجتمعات البشرية ؟ ! وماذا يمنع المجتمع الرأسمالي ، إذا كان يؤمن بالحرية الرأسمالية مجردة لحسابه ، ويستبعدها لقضاء مآربه ؟ ! .
والواقع التاريخي للرأسمالية ، هو الذي يحب على هذا السؤال . فقد قاست الإنسانية أهوالاً مروعة ، على يد المجتمعات الرأسمالية ، نتيجة لخوائها الخلقي وفراغها الروحي ، وطريقتها الخاصة في الحياة . وسوف تبقى تلك الأهوال وصمة في تاريخ الحضارة المادية الحديثة ، وبرهاناً على : أن الحرية الاقتصادية التي لا تحدها حدود معنوية ، من أفتك أسلحة الإنسان بالإنسان ، وأفظعها إمعاناً في التدمير والخراب . فقد كان من نتاج هذه الحرية مثلاً ، تسابق الدول الأوروبية بشكل جنوني على استعباد البشر الآمنين ، وتسخيرهم في خدمة الإنتاج الرأسمالي . وتاريخ أفريقيا وحدها صفحة من صفحات ذلك السباق المحموم ، تعرضت فيه القارة الإفريقية لطوفان من الشقاء ، إذ قامت دول عديدة كبريطانيا وفرنسا وهولندة وغيرها باستيراد كميات هائلة من سكان أفريقيا الآمنين ، وبيعهم في سوق الرقيق ، وتقديمهم قرابين للعملاق الرأسمالي . وكان تجار تلك البلاد يحرقون القرى الإفريقية ، ليضطر سكانها إلى الفرار


صفحه 264


مذعورين ، فيقوم التجار بكسبهم وسوقهم إلى السفن التجارية ، التي تنقلهم إلى بلاد الأسياد . وبقيت هذه الفظائع ترتكب إلى القرن التاسع عشر ، حيث قامت بريطانيا خلاله بحملة واسعة النطاق ضدها حتى استطاعت ابرام معاهدات دولية تستنكر الاتجار في الرقيق ، ولكن هذه المحاولة نفسها كانت تحمل الطابع الرأسمالي ، ولم تصدر عن إيمان روحي بالقيم الخلقية والمعنوية ، بدليل أن بريطانيا التي أقامت الدنيا في سبيل وضع حد لأعمال القرصنة ، استبدلتها بأسلوب آخر من الاستعباد المبطن ، إذ أرسلت أسطولها الضخم إلى سواحل أفريقية ، لمراقبة التجارة المحرمة من أجل القضاء عليها . أي والله هكذا زعمت ، من أجل القضاء عليها . ولكنها مهدت بذلك إلى احتلال مساحات كبيرة على الشواطئ الغربية ، وبدأت عملية الاستعباد تجري في القارة نفسا ، تحت شعار الاستعمار ، بدلاً عن أسواق أوروبا التجارية ! !
ب - الحرية سبب لتنمية الإنتاج هذه هي الفكرة الثانية التي ترتكز عليها الحرية الرأسمالية ، كما مر بنا سابقاً وهي تقوم على خطأ في فهم نتائج الحرية الرأسمالية ، وخطأ آخر في تقدير قيمة الإنتاج .
فمشاريع الإنتاج في المجتمع الرأسمالي ، ليست وحدات ذرية تخوض معترك السباق والتنافس ، في درجة واحدة من التكافؤ والإمكانات . . . ليكون كل مشروع كفؤاً لمنافسة المشاريع الأخرى ، الأمر الذي يحافظ على بقاء التنافس الحر ، ويجعله أداة لتنمية الإنتاج وتحسينه . بل إن مشاريع الإنتاج في المجتمع الرأسمالي ، تختلف في حجمها وكفاءتها وقدرتها على الاندماج بعضها مع البعض . والحرية الرأسمالية في


صفحه 265


هذه الحالة تفسح المجال للتنافس ، الذي سرعان ما يؤدي إلى صراع عنيف ، تحطيم فيه المشاريع القوية غيرها ، وتبدأ باحتكار الإنتاج تدريجياً ، حتى تختفي كل ألوان التنافس وثمرات مضمار الإنتاج . فالتنافس الحر بالمعنى الذي ينمي الإنتاج لا يواكب الحرية الرأسمالية إلا شوطاً محدوداً ، ثم يخلي الميدان بعد ذلك للاحتكار ، ما دامت الحرية الرأسمالية هي التي تمتلك الموقف الاقتصادي .
أما الخطأ الآخر الأساسي في الفكرة ، فهو في تقدير قيمة الإنتاج كما ذكرنا . فهب أن الحرية الرأسمالية تؤدي إلى وفرة الإنتاج ، وتنميته نوعياً وكمياً ، وإن التنافس الحر سيستمر في ظل الرأسمالية ، ويحقق إنتاج السلعة بأقل نفقة ممكنة فإن هذا لا يبرهن على قدرة الرأسمالية على توفير سعادة المجتمع ، وإنما يشير إلى قدرة المجتمع في ظلها على تحسين الإنتاج وتحقيق أكبر كمية ممكنة من السلع والخدمات . وليست هذه القدرة هي كل شيء في حساب الرفاه الاجتماعي ، الذي يعتبر المذهب مسؤولاً عن ضمانه ، وإنما هي قدرة أو طاقة قد تنفق بالشكل الذي يكفل الرفاه والسعادة للمجتمع ، كما قد تنفق بشكل معاكس . والشيء الذي يحدد الشكل الذي تنفق به الطاقة الاجتماعية للإنتاج ، هو الأسلوب المتبع في توزيع الناتج العام على أفراد المجتمع . فالرفاه العام إذن لا يتعلق بكمية الناتج العام ، بمقدار ما يتعلق بكيفية تقسيم هذا الناتج على الأفراد .
والمذهب الرأسمالي أعجز ما يكون عن امتلاك الكفاءة التوزيعية ، التي تضمن رفاه المجتمع وسعادة الجميع ، لأن الرأسمالية المذهبية تعتمد في التوزيع على جهاز الثمن ، وهو يعني : أن من لا يملك ثمن السلعة ليس له حق في العيش والحياة . وبذلك يقضى بالموت أو الحرمان على من كان عاجزاً عن اكتساب هذا الثمن لعدم قدرته على المساهمة في إنتاج السلع والخدمات ، أو لعدم تهئ فرصة للمساهمة ، أو لوقوعه فريسة بيد منافسين في المجتمعات الرأسمالية ، من أفجع الكوارث الإنسانية ، لأن العامل حين يستغني الرأسمالي عن خدماته ، لأي سبب من الأسباب ، لا يجد الثمن


صفحه 266


الذي يحصل به على ضروراته وحاجاته ، ويصبح مرغماً على حياة البؤس والجوع ، لأن الثمن هو جهاز التوزيع ، وما دام لم يحصل منه على شيء في السوق فلا نصيب له من الثروة المنتجة مهما كانت فاحشة .
فليست المبالغة في كفاءة المذهب الرأسمالي ، وقدرته على تنمية الإنتاج ، إلا تضليلاً وستراً للجانب المظلم منه ، الذي يحكم في مجال التوزيع بالحرمان والإعدام دون مبالاة على من لم يعرف كلمة السر ، ولم يحصل على القطع السحرية ، على النقود .
وفي هذا الضوء ، لا يمكننا أن نعتبر مجرد الإنتاج مبرراً من الناحية الخلقية والعملية ، لمختلف الوسائل التي تتيح لحركة الإنتاج انطلاقاً أوسع ، وحقلاً أخصب لأن وفرة الإنتاج - كما عرفنا - ليست هي التعبير الكامل عن الرفاه الاجتماعي العام .
ج - الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الانسانية :
ولم يبق بعد هذا إلا الفكرة الثالثة عن الحرية ، التي تقدر الحرية بمعيار ذاتي وتضفي عليها قيمة معنوية وخلقية أصيلة ، بوصفها المظهر الجوهري للكرامة وتحقيق الذات ، اللذين لا يعود للحياة بدونهما أي معنى .
ويجب أن نشير - قبل كل شيء - إلى أن هناك لونين من الحرية ، وهما : الحرية الطبيعية ، والحرية الاجتماعية . فالحرية الطبيعية هي : الحرية الممنوحة من قبل الطبيعة نفسها . والحرية الاجتماعية هي : الحرية التي يمنحها النظام الاجتماعي ، ويكفلها المجتمع لأفراده ، ولكل من هاتين الحريتين طباعها الخاص . فلابد لنا - ونحن ندرس مفاهيم الرأسمالية عن الحرية - أن نميز إحدى هاتين الحريتين عن الأخرى . لئلا نمنح إحداهما صفات الأخرى وخصائصها .
فالحرية الطبيعية عنصر جوهري في كيان الانسان ، وظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات مختلفة ، تبعاً لمدى حيويتها . ولذلك كان نصيب الإنسان من هذه الحرية أوفر من نصيب أي كائن حي آخر ، وهكذا كلما ازداد حظ الكائن