بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 272


إلى مدى بعيد شعور الفرد بالمسؤولية ، ويخمد الجذوة الحرارية فيه ، التي تدفعه إلى النشاط ، وتفرض عليه مزيداً من اليقظة والانتباه . لأنه ما دام قد ضمن المذهب له نجاحه ، فلا حاجة به إلى الاعتماد على شخصه ، واستثمار قدرته ومواهبه ، كما كان حرياً به أن يفعل لو لم يوفر المذهب له الحرية الجوهرية ، والضمانات اللازمة .
وكلا هذين المبررين صحيح إلى حد ما ، ولكن لا بالشكل الذي تقرره الرأسمالية ، وترفض على أساسه فكرة الحرية الجوهرية والضمان رفضاً تاماً . فإن ضمان الحصول على أي شيء ، يسعى اليه الفرد في مجال نشاطه الاقتصادي وإن كان حلماً خيالياً غير ممكن التحقيق ، ومن الشطط أن يكلف المذهب الاجتماعي بتحقيقه . . غير أن توفير حد أدنى من الحرية الجوهرية في المجال الاقتصادي ، وإعطاء ضمانات كافية لمستوى معين من المعيشة ، مهما كانت فرص الانسان وشروطه . . ليس شيئاً مثالياً متعذر التحقيق ، ولا سبباً في تجميد المواهب وطاقات النمو والتكامل في الإنسان ، ما دامت المستويات الأكثر رقياً قيد التنافس الحر ، فهي تتطلب من الأفراد جهداً ونشاطاً ، وتنمي فيهم الاعتماد على أنفسهم .
فالرأسمالية إذن لا تستطيع أن تستند في موقفها السلبي من الحرية الجوهرية والضمان ، إلى استحالة اعطاء مثل هذا الضمان ، أو القول : بأن هذا الضمان يشل الطاقة الحرارية في النشاط الانساني . . ما دام يمكن للمذهب أن يوفر درجة معقولة من الضمان ، ويفتح خارج حدود هذه الدرجة مجالات للتنافس ، الذي يذكي القابليات وينميها .
والحقيقة : أن موقف الرأسمالية السلبي من فكرة الضمان والحرية الجوهرية كان نتيجة حتمية لموقفها الإيجابي من الحرية الشكلية . لأنها حين تبنت الحرية الشكلية ، وأقامت كيانها المذهبي عليها - كان من الضروري لها أن ترفض فكرة الضمان ، وتقف موقفها السلبي من الحرية الجوهرية ، لأن الحرية الجوهرية والحرية الشكلية متعارضتان . فلا يمكن توفير الحرية الجوهرية في مجتمع يؤمن بمبدأ الحرية الشكلية ، ويحرص على توفيرها لجميع الأفراد في مختلف المجالات ، فإن حرية رجال الأعمال في استخدام العامل ورفضه ، وحرية أصحاب الثروات في التصرف في أموالهم طبقاً


صفحه 273


لمصالحهم الخاصة ، كما يقرره مبدأ الحرية الشكلية . يعني عدم إمكان وضع مبدأ ضمان العمل للعامل ، أو ضمان المعيشة لغير العامل من العاجزين ، لأن وضع مثل هذه الضمانات لا يمكن أن يتم بدون تحديد تلك الحريات ، التي يتمتع بها أصحاب العمل وأرباب الثروة . فإما أن يسمح لأصحاب العمل أو المال بالتصرف وفقاً لإرادتهم ، فتوفر بذلك لهم الحرية الشكلية ، ويصبح من غير الممكن إعطاء ضمانات للعمل أو المعيشة . وإما أن تعطى هذه الضمانات فلا يسمح لأصحاب العمل والمال أن يتصرفوا كما يحلو لهم ، وفي ذلك خروج على مبدأ الحرية الشكلية ، القائل : بضرورة السماح لكل أحد بالتصرف في المجال الاقتصادي كما يريد . ولما كانت الرأسمالية تؤمن بهذا المبدأ ، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى رفض فكرة الضمان ، فكرة الحرية الجوهرية ، حفاظاً على توفير الحرية الشكلية لجميع الأفراد على السواء .
وبينما أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرية الشكلية ، وطرح الحرية الجوهرية وفكرة الضمان جانباً ، وقف المجتمع الاشتراكي موقفاً معاكساً ، إذ قضت الاشتراكية الماركسية فيه على الحرية الشكلية ، بإقامة جهاز دكتاتوري يتولى السلطة المطلقة في البلاد . وزعمت أنها عوضت عن تلك الحرية الشكلية بحرية جوهرية ، أي بما تقدمه للمواطنين من ضمانات للعمل والحياة .
وهكذا أخذ كل من المذهبين بجانب من الحرية ، وطرح الجانب الآخر ولم يحل هذا التناقض المستقطب بين الحرية الشكلية والحرية الجوهرية ، أو بين الشكل والجوهر . . إلا في الإسلام ، الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا اللونين من الحرية ، فوفر للمجتمع الحرية الجوهرية بوضع درجة معقولة من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة ، وممارسة متطلباتها الضرورية ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرية . وفي نفس الوقت لم يجعل من هذا الضمان مبرراً للقضاء على الحرية الشكلية ، وهدر قيمتها الذاتية والموضوعية ، بل فتح السبيل أمام كل فرد خارج حدود الضمان ، ومنحه من الحريات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة ، وحر خارج هذه الحدود .


صفحه 274


وهكذا امتزجت الحرية الجوهرية والحرية الشكلية معاً ، في التصميم الإسلامي هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الانسانية - في غير ظل الإسلام - إلى التفكير فيه وتحقيقه ، إلا في غضون هذا القرن الأخير ، إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان ، والتوفيق بينه وبين الحرية ، بعد أن فشلت تجربة الحرية الرأسمالية فشلاً مريراً .
وعلى أي حال فقد ضحت الرأسمالية بفكرة الضمان والحرية الجوهرية في سبيل الحرية الشكلية .
وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا ، لنتساءل : ما هي تلك القيم التي ترتكز عليها الحرية الشكلية في المذهب الرأسمالي ، والتي سمحت للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرية وضماناتها في سبيل ؟ ؟ !
ويجب أن نستبعد هنا كل المحاولات الرامية ، إلى تبرير الحرية الشكلية بمبررات موضوعية اجتماعية ، كوصفها بأنها أداة لتوفير الإنتاج العام ، أو لتحقيق الرفاه الاجتماعي . فقد مرت بنا هذه المبررات ودرسناها ، ولم تصمد للدرس والامتحان ، وإنما نعني الآن بمحاولة الرأسمالية ، لتفسير قيمة الحرية تفسيراً ذاتياً .
فقد يقال بهذا الصدد : أن الحرية جزء من كيان الإنسان ، وإذا سلب الإنسان حريته فقد بذلك كرامته ، ومعناه الانساني الذي يتميز به عن سائر الكائنات . وهذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية للحرية ، ولا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ ، لأن الإنسان إنما يتميز كيانه الانساني الخاص عن سائر الكائنات ، بالحرية الطبيعية ، بوصفه كائناً طبيعياً ، لا بالحرية الاجتماعية باعتباره كائناً اجتماعياً لا فالحرية التي تعتبر شيئاً من كيان الانسان : هي الحرية الطبيعية ، لا الاجتماعية التي تمنح وتسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد .
وقد يقال : ان الحرية بمدلولها الاجتماعي تعبر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهرية . فالانسان بوصفه يتمتع بالحرية الطبيعية . يميل ذاتياً إلى أن يكون حراً ، من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه ، في سلوكه وعلاقاته


صفحه 275


مع الآخرين ، كما كان حراً من الناحية الطبيعية . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يتعارف بالنزعات والميول الأصيلة في الانسان ، ويضمن إشباعها ، لكي يصبح مذهباً واقعياً ينسجم مع الطبيعة الانسانية التي يعالجها ويشرّع لها فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الانسان نزعته الأصيلة إلى الحرية .
وهذا صحيح إلى حد ما . ولكننا نقول من الناحية الأخرى : أن من وظيفة المذهب الاجتماعي ، الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية : أن يعترف بمختلف النزعات الأصيلة في الانسان ، وبحاجاته الجوهرية المتنوعة ، ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ لكي يكون المذهب واقعياً وإنسانياً ، أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ، ويضمن إشباعها إلى أقصى حد ، على حساب النزعات الأخرى . فالحرية مثلاً وإن كانت نزعة أصيلة في الانسان ، لأنه يرفض بطبعه القسر والضغط والاكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية ، وميولاً أصيلة أخرى . فهو بحاجة ماسة - مثلاً - إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ، لأن القلق يرعبه كما ينغصه الضغط والاكراه . فإذا فقد كل الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤديها له في حياته ومعيشته ، خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة ، كما أنه إذا خسر حريته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه ارادته بالضغط والاكراه . فكان قد فقد حاجة جوهرية أخرى ، وهي حاجته إلى الحرية التي تعبر عن نزعة أصيلة في نفسه . فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الانسان الأصيلة إلى الحرية ، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة ، وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى . هو العلمية التي يجب أن يؤديها المذهب للانسانية ، إذا حاول أن يكون واقعياً ، قائماً على أسس راسخة من الواقع الانساني . وإما أن تطرح الميول والحاجات الأخرى جانباً ، ويضحي بها لحساب حاجة أصيلة واحدة ، كي يتوفر إشباعها إلى ابعد الحدود كما فعل المذهب الرأسمالي . فهذا يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبية .


صفحه 276


وأخيراً فإن موقف الرأسمالية من الحرية والضمان ، لئن كان خطأ فهو مع هذا ينسجم مع الإطار العام للتفكير الرأسمالي كل الانسجام . لأن الضمان ينطوي على فكرة تحديد حريات الأفراد والضغط عليها ، ولا تستطيع الرأسمالية أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوغاً ، على أساس مفاهيمها العامة عن الكون والانسان .
وذلك أن الضغط والتحديد ، قد يستمد مبرره من الضرورة التاريخية ، كما تعتقد الماركسية في ضوء المادية التاريخية ، إذ ترى أن دكتاتورية البروليتاريا ، التي تمارس سياسية الضغط والتحديد من الحريات في المجتمع ولكن الرأسمالية لا تؤمن بالمادية التاريخية ، بتسلسلها الماركسي الخاص .
وقد يستمد الضغط والتحديد مبرره من الإيمان بسلطة عليا ، تمتلك حق تنظيم الإنسانية وتوجيهها في حياتها ، ووضع الضمانات المحددة لحريات الأفراد ، كما يعتقد الدين ، إذ يرى أن للإنسان خالقاً حكيماً من حقه أن يصنع له وجوده الاجتماعي ، ويجد طريقته في الحياة .
وهذا ما لا يمكن للرأسمالية أن تقره ، في ضوء مفهومها الأساسي القائل : بفصل الدين عن واقع الحياة ، وسحبه من كل الحقول الاجتماعية العامة .
وقد يبرر الضغط والتحديد ، بوصفه قوة نابعة من داخل الإنسان ، ومفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قيماً خلقية ، وحدوداً معينة لسلوكه مع الآخرين وموقفه من المجتمع . . ولكن الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسمالية ، إلا انعكاساً داخلياً للعرف أو العادات ، أو أي تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج . فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي ، وليس نابعاً من الأعماق الداخلية .
وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرية ، عن طريق الضرورة التاريخية ، أو الدين ، أو الضمير .
وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرية ، عن طريق الضرورة التاريخية ، أو الدين ، أو الضمير .
وهكذا يرتبط موقفها من الحرية بجذورها الفكرية ، ومفاهيمها الرئيسية عن


صفحه 277


الكون والإنسان ، عن التاريخ والدين والأخلاق .
وعلى هذا الأساس وضعت الرأسمالية مفهومها السياسي عن الحكومة ، ومختلف السلطات الاجتماعية . فهي لا ترى مبرراً لتدخل هذه السلطات في حريات الأفراد ، إلا بالقدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم . وأما التدخل خارج هذه الحدود ، فلا مسوغ له من حتمية تاريخية ، أو دين ، أو قيم وأخلاق . ومن الطبيعي عندئذ أن تنتهي الرأسمالية من تسلسلها الفكري إلى : التأكيد على الحرية في المجال الاقتصادي ، ورفض فكرة قيام السلطة بوضع أي ضمانات أو تحديدات .
هذه هي مفاهيم الرأسمالية في ترابطها العام ، الذي ينتهي إلى الأسس الفكرية العامة .
وهذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم ، وبالتالي تفنيدها على أساس تلك النظرة .


صفحه 278


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 279


اقتصادنا في معالمه الرئيسيّة 1 - الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي 2 - الاقتصاد الإسلامي جزء من كل 3 - الإطار العام للاقتصاد الإسلامي 4 - الاقتصاد الإسلامي ليس علماً 5 - علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج 6 - المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام ، وحلولها