بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 274


وهكذا امتزجت الحرية الجوهرية والحرية الشكلية معاً ، في التصميم الإسلامي هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الانسانية - في غير ظل الإسلام - إلى التفكير فيه وتحقيقه ، إلا في غضون هذا القرن الأخير ، إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان ، والتوفيق بينه وبين الحرية ، بعد أن فشلت تجربة الحرية الرأسمالية فشلاً مريراً .
وعلى أي حال فقد ضحت الرأسمالية بفكرة الضمان والحرية الجوهرية في سبيل الحرية الشكلية .
وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا ، لنتساءل : ما هي تلك القيم التي ترتكز عليها الحرية الشكلية في المذهب الرأسمالي ، والتي سمحت للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرية وضماناتها في سبيل ؟ ؟ !
ويجب أن نستبعد هنا كل المحاولات الرامية ، إلى تبرير الحرية الشكلية بمبررات موضوعية اجتماعية ، كوصفها بأنها أداة لتوفير الإنتاج العام ، أو لتحقيق الرفاه الاجتماعي . فقد مرت بنا هذه المبررات ودرسناها ، ولم تصمد للدرس والامتحان ، وإنما نعني الآن بمحاولة الرأسمالية ، لتفسير قيمة الحرية تفسيراً ذاتياً .
فقد يقال بهذا الصدد : أن الحرية جزء من كيان الإنسان ، وإذا سلب الإنسان حريته فقد بذلك كرامته ، ومعناه الانساني الذي يتميز به عن سائر الكائنات . وهذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية للحرية ، ولا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ ، لأن الإنسان إنما يتميز كيانه الانساني الخاص عن سائر الكائنات ، بالحرية الطبيعية ، بوصفه كائناً طبيعياً ، لا بالحرية الاجتماعية باعتباره كائناً اجتماعياً لا فالحرية التي تعتبر شيئاً من كيان الانسان : هي الحرية الطبيعية ، لا الاجتماعية التي تمنح وتسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد .
وقد يقال : ان الحرية بمدلولها الاجتماعي تعبر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهرية . فالانسان بوصفه يتمتع بالحرية الطبيعية . يميل ذاتياً إلى أن يكون حراً ، من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه ، في سلوكه وعلاقاته


صفحه 275


مع الآخرين ، كما كان حراً من الناحية الطبيعية . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يتعارف بالنزعات والميول الأصيلة في الانسان ، ويضمن إشباعها ، لكي يصبح مذهباً واقعياً ينسجم مع الطبيعة الانسانية التي يعالجها ويشرّع لها فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الانسان نزعته الأصيلة إلى الحرية .
وهذا صحيح إلى حد ما . ولكننا نقول من الناحية الأخرى : أن من وظيفة المذهب الاجتماعي ، الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية : أن يعترف بمختلف النزعات الأصيلة في الانسان ، وبحاجاته الجوهرية المتنوعة ، ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ لكي يكون المذهب واقعياً وإنسانياً ، أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ، ويضمن إشباعها إلى أقصى حد ، على حساب النزعات الأخرى . فالحرية مثلاً وإن كانت نزعة أصيلة في الانسان ، لأنه يرفض بطبعه القسر والضغط والاكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية ، وميولاً أصيلة أخرى . فهو بحاجة ماسة - مثلاً - إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ، لأن القلق يرعبه كما ينغصه الضغط والاكراه . فإذا فقد كل الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤديها له في حياته ومعيشته ، خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة ، كما أنه إذا خسر حريته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه ارادته بالضغط والاكراه . فكان قد فقد حاجة جوهرية أخرى ، وهي حاجته إلى الحرية التي تعبر عن نزعة أصيلة في نفسه . فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الانسان الأصيلة إلى الحرية ، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة ، وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى . هو العلمية التي يجب أن يؤديها المذهب للانسانية ، إذا حاول أن يكون واقعياً ، قائماً على أسس راسخة من الواقع الانساني . وإما أن تطرح الميول والحاجات الأخرى جانباً ، ويضحي بها لحساب حاجة أصيلة واحدة ، كي يتوفر إشباعها إلى ابعد الحدود كما فعل المذهب الرأسمالي . فهذا يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبية .


صفحه 276


وأخيراً فإن موقف الرأسمالية من الحرية والضمان ، لئن كان خطأ فهو مع هذا ينسجم مع الإطار العام للتفكير الرأسمالي كل الانسجام . لأن الضمان ينطوي على فكرة تحديد حريات الأفراد والضغط عليها ، ولا تستطيع الرأسمالية أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوغاً ، على أساس مفاهيمها العامة عن الكون والانسان .
وذلك أن الضغط والتحديد ، قد يستمد مبرره من الضرورة التاريخية ، كما تعتقد الماركسية في ضوء المادية التاريخية ، إذ ترى أن دكتاتورية البروليتاريا ، التي تمارس سياسية الضغط والتحديد من الحريات في المجتمع ولكن الرأسمالية لا تؤمن بالمادية التاريخية ، بتسلسلها الماركسي الخاص .
وقد يستمد الضغط والتحديد مبرره من الإيمان بسلطة عليا ، تمتلك حق تنظيم الإنسانية وتوجيهها في حياتها ، ووضع الضمانات المحددة لحريات الأفراد ، كما يعتقد الدين ، إذ يرى أن للإنسان خالقاً حكيماً من حقه أن يصنع له وجوده الاجتماعي ، ويجد طريقته في الحياة .
وهذا ما لا يمكن للرأسمالية أن تقره ، في ضوء مفهومها الأساسي القائل : بفصل الدين عن واقع الحياة ، وسحبه من كل الحقول الاجتماعية العامة .
وقد يبرر الضغط والتحديد ، بوصفه قوة نابعة من داخل الإنسان ، ومفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قيماً خلقية ، وحدوداً معينة لسلوكه مع الآخرين وموقفه من المجتمع . . ولكن الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسمالية ، إلا انعكاساً داخلياً للعرف أو العادات ، أو أي تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج . فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي ، وليس نابعاً من الأعماق الداخلية .
وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرية ، عن طريق الضرورة التاريخية ، أو الدين ، أو الضمير .
وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرية ، عن طريق الضرورة التاريخية ، أو الدين ، أو الضمير .
وهكذا يرتبط موقفها من الحرية بجذورها الفكرية ، ومفاهيمها الرئيسية عن


صفحه 277


الكون والإنسان ، عن التاريخ والدين والأخلاق .
وعلى هذا الأساس وضعت الرأسمالية مفهومها السياسي عن الحكومة ، ومختلف السلطات الاجتماعية . فهي لا ترى مبرراً لتدخل هذه السلطات في حريات الأفراد ، إلا بالقدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم . وأما التدخل خارج هذه الحدود ، فلا مسوغ له من حتمية تاريخية ، أو دين ، أو قيم وأخلاق . ومن الطبيعي عندئذ أن تنتهي الرأسمالية من تسلسلها الفكري إلى : التأكيد على الحرية في المجال الاقتصادي ، ورفض فكرة قيام السلطة بوضع أي ضمانات أو تحديدات .
هذه هي مفاهيم الرأسمالية في ترابطها العام ، الذي ينتهي إلى الأسس الفكرية العامة .
وهذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم ، وبالتالي تفنيدها على أساس تلك النظرة .


صفحه 278


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 279


اقتصادنا في معالمه الرئيسيّة 1 - الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي 2 - الاقتصاد الإسلامي جزء من كل 3 - الإطار العام للاقتصاد الإسلامي 4 - الاقتصاد الإسلامي ليس علماً 5 - علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج 6 - المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام ، وحلولها


صفحه 280


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 281


< فهرس الموضوعات > 1 - الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > 1 - مبدأ الملكية المزدوجة < / فهرس الموضوعات > 1 - الهيكل العَام للاقتصاد الإسلامي يتألف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة يتحدد وفقاً لها محتواه المذهبي ، ويتميز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة . وهذه الأركان هي كما يلي :
1 - مبدأ الملكية المزدوجة .
2 - مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود .
3 - مبدأ العدالة الاجتماعية .
وسوف نتناول هذه الأركان الرئيسية بالشرح والتفسير ، فنكوّن فكرة عامة عن الاقتصاد الإسلامي ، كي يتاح لنا مجال البحث بصورة أوسع ، في تفاصيله وخصائصه المذهبية .
1 - مبدأ الملكية المزدوجة يختلف الإسلام عن الرأسمالية والاشتراكية ، في نوعية الملكية التي يقررها اختلافاً جوهرياً .
فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالشكل الخاص الفردي للملكية ، أي بالملكية الخاصة ، كقاعدة عامة . فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم . ولا يعترف بالملكية العامة إلا حين تفرض الضرورة